منذ أن تم الإعلان عن تحالف مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان دون أن تنضم إليهم مصر التي تتشارك مع البلدان الثلاث في آلية تشاورية رباعية ولم تتوقف التساؤلات حول مآلات موقف القاهرة، وكيف يمكن أن يؤثر على العلاقات الثنائية الوثيقة التي تربط القاهرة بالدول الثلاث وكذلك مدى التأثير على موقف القاهرة الإقليمي وخياراتها الاستراتيجية في ظل أجواء مضطربة وتغيرات سياسية متسارعة تفرضها الصراعات المتفاقمة في المنطقة.
التنسيق قائم
ورداً على هذه التساؤلات، أكد مصدر مصري مطلع، أن العلاقات بين مصر ودول "تحالف مكة الثلاثي" لن تتأثر سلباً بل على العكس سوف تكتسب زخماً لأن اتفاق مكة يفتح الباب أمام انضمام دول جديدة ومصر من المتوقع أن تنضم إليه في وقت لاحق، كما أن القاهرة لديها علاقات وثيقة للغاية مع الدول الثلاث وهي تقترب من إحدى درجات الدفاع المشترك بناء على ما لديها من تعاون وتنسيق عسكري واستخباراتي متصاعد، وبالتالي فإن العلاقات سوف تمضي إلى مزيد من التنسيق والتعاون وليس العكس بخاصة وأن القاهرة لديها رغبة في أن تفعل الأدوار السياسية والدبلوماسية لألية التشاور التي تضم الدول الأربع، ومن المتوقع أن يكون هذا الرباعي حاسماً في الترتيبات الإقليمية الجديدة التي يجري الاستعداد لها في الوقت الحالي.
وأوضح المصدر ذاته أن التنسيق بين الدول الأربع سوف يستمر أيضاً لأن هناك عدو مشترك يتمثل في إسرائيل التي تتمادى في التحرش بمصر عبر دفع إثيوبيا لتصعيد ملف سد النهضة ومناكفة تركيا من خلال سوريا وكذلك الضغط على السعودية للتوقيع على اتفاق للتطبيق دون تقديم تنازلات سياسية ترتبط بالقضية الفلسطينية، وبالمثل الوضع لباكستان إذ تعمل إسرائيل على دعم جارتها الهند ودفعها للاشتباك معها، كما أن المشروعات التوسعية الإسرائيلية لا تتماشى مع مصالح الدول الأربع التي ستقف حائلاً أمام مخططات الحكومات الإسرائيلية المتطرفة.
وشدد المصدر ذاته على أن الدول الأربع من المتوقع أن يكون لديهم تنسيق سياسي متصاعد خلال الفترة المقبلة على مستوى تنسيق المواقف ومجابهة التحديات الاقتصادية بخاصة وأن هذه الدول لا تريد أن تكون خارج هندسة المشهد الإقليمي وتسعى أن تحدد دول المنطقة مستقبلها عن أن تقوم أطراف من خارجها بهذه المهمة وعدم تكرار تجارب سابقة لم تحدد فيه المنطقة مصيرها وكان تقسيم دولها لصالح دول خارجية، وبالتالي فإن اجتماع الآلية الرباعية الأسبوع القادم في اسطنبول من المتوقع أن يشهد مباحثات معمقة للتأكيد على التعاون المستمر وسيكون ذلك هو الاجتماع الخامس في غضون أربعة أشهر.
وذكر المصدر ذاته أن القاهرة والدول الثلاث الشريكة في اتفاق مكة سوف يتجهون نحو تحقيق تهدئة مع إيران يما يحقق توازن قوى في المنطقة وليس من المستبعد أن يكون هناك تقارب مع طهران بناء على علاقات حسن الجوار بخاصة في ظل استمرار التهديد الإسرائيلي المدعوم أميركياً وقد يتم دمج إيران شريطة عدم التدخل في شؤون الدول وبالتالي فإن الألية الرباعية يمكن أن تصبح خماسية، مشيراً إلى أن القاهرة تعمل على بناء شبكة معلوماتية مع كلاً من السعودية وتركيا تحديداً بما لا يقود للانخراط في صراعات تستفيد منها إسرائيل، ولعل ذلك ما يجعل القرار المصري بشأن الانضمام إلى اتفاقية مكة متأنياً ويخضع لمزيد من الدراسة للجوانب الفنية والاستراتيجية لكن حسم قرار الانضمام لن يستغرق وقتاً طويلاً.
اجتماع في إسطنبول
أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية، اليوم الأربعاء، أن وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان سيعقدون اجتماعاً رباعياً في مدينة إسطنبول في وقت لاحق من شهر أغسطس الجاري، لمناقشة آخر التطورات السياسية وقضايا الأمن الإقليمي.
وقالت الوزارة، في بيان، إن الاجتماع يأتي في إطار استمرار المشاورات والتعاون بين الدول الأربع بشأن التطورات السياسية والأمن الإقليمي، مشيرة إلى أن الاتفاق على عقد اللقاء في جاء عقب اتصال هاتفي بين نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
وبحسب تقارير صحفية، من المتوقع أن تتناول المشاورات موقف مصر من إمكانية الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان الاتفاقية في وقت سابق من أغسطس الجاري، فيما تدرس القاهرة خيار الانضمام إليها، ومن المنتظر أن يشكل الاجتماع منصة لمواصلة المشاورات بين الدول الأربع حول التطورات المتسارعة في المنطقة، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق في التعامل مع الملفات الإقليمية المشتركة.
وكانت الدول الأربع قد عقدت سلسلة من الاجتماعات خلال الأشهر الماضية، في إطار بحث ترتيبات الأمن الإقليمي والتعامل مع التطورات المتسارعة في المنطقة. وقد استضافت القاهرة في يونيو الماضي اجتماعاً لوزراء خارجية الدول الأربع لبحث التطورات الإقليمية وجهود وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ضمن مسار بدأ بلقاءات سابقة في الرياض وإسلام أباد وأنطاليا.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن انضمام مصر إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها تركيا مؤخرا مع السعودية وباكستان أمر ممكن، مؤكداً أن الاتفاقية تتيح انضمام دول أخرى مستقبلا.
أوضح أردوغان، في لقاء خاص مع قناة "الجزيرة"، مساء الأحد الماضي، أن الاتفاقية تنص على اتخاذ الدول الموقعة خطوات موحدة في حال تعرض إحداها لاعتداء خارجي.
أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن القاهرة منخرطة في إطار رباعي مع السعودية وباكستان وتركيا، إلى جانب تمتعها بعلاقات ثنائية متميزة مع الدول الثلاث في مجالات متعددة، وذلك رداً على تساؤل بشأن احتمالية انضمام مصر إلى "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الموقع بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، الجمعة الماضية.
وقال الوزير المصري إنه عندما يتعلق الأمر بإبرام اتفاقات دفاعية، فإن ذلك يتطلب إجراء دراسة شاملة ودقيقة من قبل الجهات المعنية بالدولة، وفي ضوء ما ينص عليه الدستور المصري، مؤكداً أن مصر تتعامل بجدية كاملة مع هذه الملفات التي ترتكز على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل التحديات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة.
التعامل المصري
وبحسب مصدر دبلوماسي مصري فإن عدم انضمام القاهرة إلى اتفاقية مكة للدفاع لا يعني تراجعاً في العلاقات المصرية مع أي من الدول الثلاث، ويمكن القول بأن القاهرة تتعامل مع الاتفاق باعتباره ترتيباً دفاعياً محدداً لا يتطابق بالضرورة مع شبكة علاقاتها الاستراتيجية الأوسع، لكن ذلك لن يؤثر على مجمل علاقاتها الثنائية مع أي من هذه الدول، مضيفاً: "فمثلا العلاقات المصرية-السعودية تبدو أكبر من أي تحالف دفاعي بعينه. فالقاهرة والرياض تجمعهما شراكة سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، فضلاً عن التنسيق بشأن أزمات المنطقة، خصوصاً غزة والسودان وأمن البحر الأحمر".
وأضاف المصدر أن العلاقة مع تركيا تحديداً شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالاً من التوتر إلى التطبيع والتنسيق السياسي المتزايد، ومن اللافت أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن مصر قد تنضم لاحقاً إلى اتفاقية مكة بعد تسوية بعض المسائل الفنية، مؤكداً أن الرؤية التركية تستهدف توسيع الاتفاق وعدم قصره على الدول الثلاث، مشيراً إلى أن التواصل لم يتوقف بين القاهرة وأنقرة بعد توقيع الاتفاق؛ فقد استمر التنسيق المصري-التركي حول الترتيبات الأمنية الإقليمية وخفض التصعيد.
وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية الباكستانية فبحسب الدبلوماسي هي تقوم على تعاون سياسي ودفاعي تاريخي، وهناك مساحة للتنسيق في القضايا الإقليمية، لكن طبيعة المصالح المصرية تختلف عن طبيعة المصالح الباكستانية في بعض الملفات الأمنية، وبالتالي فإن عدم انضمام القاهرة إلى اتفاق مكة لا يعني أنها تضع نفسها في مواجهة إسلام آباد أو الرياض أو أنقرة، وإنما يعني أن التعاون الدفاعي المصري مع هذه الدول يمكن أن يستمر عبر القنوات الثنائية ومتعددة الأطراف من دون أن يتحول إلى التزام دفاعي جماعي، وهو موقف قابل للتغير حال قررت القاهرة المشاركة في التحالف.
ولفت إلى مصر لا تريد أن تُحشر في محور عسكري مغلق، خصوصاً في منطقة شديدة الاستقطاب، مشيراً إلى أن السياسية الخارجية المصرية تعبر عن أن القاهرة تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع السعودية وتركيا وباكستان، وفي الوقت نفسه الحفاظ على هامش حركة مستقل في التعامل مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، لافتاً إلى أن مصر حتى الآن اختارت التعاون مع أطراف تحالف مكة من دون الانضمام إلى تحالفهم، مشيراً إلى أنها تحافظ على الشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية مع السعودية وتركيا وباكستان، لكنها تفضل أن تظل قراراتها الدفاعية مرتبطة بتقديرها المباشر لمصالح الأمن القومي المصري، لا بالتزامات دفاع جماعي جديدة.
ووقعت السعودية وتركيا وباكستان "اتفاق مكة للدفاع المشترك" في 7 أغسطس الحالي، ونص أحد أبرز بنوده على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على جميع الأطراف، إلا أن المسؤولين في الدول المشاركة شددوا منذ توقيع الاتفاق على طبيعته الدفاعية، وعلى أنه لا يستهدف أي دولة.
والأسبوع الماضي أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال زيارته إلى مصر، أن العلاقات التركية المصرية تشهد زخمًا متناميًا، مشيرًا إلى أن مصر و تركيا دولتان مهمتان في المنطقة والعالم، وأن التاريخ والجغرافيا تحملان البلدين مسؤولية كبيرة تجاه استقرار الشرق الأوسط والمحيط الإقليمي.
وقال فيدان، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي بمدينة العلمين، إن العلاقات المصرية التركية ستسهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، مؤكدًا أهمية مواصلة التنسيق والتعاون بين القاهرة وأنقرة في مواجهة التحديات الإقليمية.
وأوضح فيدان أن العلاقات بين مصر و تركيا تشهد تطورًا متواصلًا، مؤكدًا أن البلدين يمتلكان أهمية كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي، وأن التطورات الجارية في المنطقة تستدعي تعزيز التنسيق بينهما، وقال فيدان إن بلاده تسعى إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع مصر، وتعزيز التعاون المشترك بما يتناسب مع مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
ويحسب محلل سياسي مصري فإن بقاء الآلية الرباعية بعد الإعلان عن التحالف الثلاثي يحمل دلالة سياسية، إذ يمكن أن توفر لمصر موقعاً داخل ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة حتى في حال قررت في النهاية عدم الانضمام إلى اتفاقية مكة، وهو ما تعكسه التحركات والاتصالات المتزايدة بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان منذ التوقيع على الاتفاق في مكة، وذلك في ظل ما تفرضه التطورات الراهنة من حاجة إلى تنسيق أوسع وترتيبات أكثر فاعلية للتعامل مع الأزمات المتلاحقة في المنطقة.
وتوقع أن يتجاوز اجتماع اسطنبول المرتقب جهود الدول الأربع في خفض التصعيد بالمنطقة، وأن ينتقل بشكل أكبر لكي يتطرق إلى طبيعة الدول الأربع وثقلها السياسي والاستراتيجي وقدرتها على التأثير في دوائر إقليمية متعددة، وهو ما يمهد لتحويل الالية الرباعية إلى إطار سياسي يضم الدول الأربع في ظل تشابك الملفات الإقليمية، من غزة والسودان وليبيا إلى أمن البحر الأحمر والممرات البحرية وملفات الطاقة.