مخاوف من توسع الحرب إلى شمال الليطاني.. مصادر لعربي بوست: إسرائيل تبدأ حصاراً ضد مرتفعات علي الطاهر جنوبي لبنان، وهذه أهميتها

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/17 الساعة 07:49 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/17 الساعة 07:53 بتوقيت غرينتش
الاحتلال الإسرائيلي يبدأ حصارا على مرتفعات علي الطاهر شمال الليطاني / عربي بوست

تدخل المواجهة في جنوب لبنان مرحلة أكثر تعقيداً، مع انتقال التركيز الإسرائيلي تدريجياً من المناطق الحدودية جنوب نهر الليطاني إلى مواقع استراتيجية شماله، في مقدمتها سلسلة مرتفعات علي الطاهر والدبشة والطهرة، بالتوازي مع محاولة الجيش الإسرائيلي توسيع شروط انسحابه وربطها بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله خارج المنطقة الحدودية.

تكشف مصادر عسكرية لبنانية لـ"عربي بوست" أن الجيش الإسرائيلي رفع مستوى نشاطه حول مرتفعات علي الطاهر في شمال الليطاني، التي تتمتع بموقع استراتيجي يشرف على النبطية ويرتبط بجغرافيا جبل الريحان وإقليم التفاح، معتبرة أن إسرائيل تنظر إلى المنطقة باعتبارها إحدى العقد العسكرية الأساسية لحزب الله شمال الليطاني، وتقول إن منشآت وأنفاقاً عسكرية موجودة فيها.

بحسب المصادر، لا تشير التحركات الحالية بالضرورة إلى قرار إسرائيلي باقتحام المنطقة فوراً، بل إلى محاولة فرض حصار ميداني عليها من أكثر من محور، ولا سيما من جهة كفرتبنيت والنبطية الفوقا، بالتوازي مع مراقبة جوية مكثفة وعمليات تستهدف طرق الحركة والإمداد.

تحدثت كذلك تسريبات إسرائيلية في الصحف العبرية، عن اكتشاف فتحات لأنفاق وإغلاق بعضها، إلا أن المعطيات اللبنانية تفيد بأن حزب الله لا يزال يمتلك منافذ محدودة إلى المنطقة، رغم الصعوبة المتزايدة في استخدامها، بحسب المصادر الميدانية، التي ترى في الخطوة الإسرائيلية رهاناً على الاستنزاف والحصار لدفع الحزب إلى إخلاء الموقع، قبل الذهاب إلى عملية برية قد تؤدي إلى توسيع المواجهة.

محاولة لتجنب معركة علي الطاهر شمال الليطاني

في موازاة الضغط العسكري، يكشف مسؤول حكومي لبناني رفيع لـ"عربي بوست"، عن أن فكرة إخلاء حزب الله للمنشآت الموجودة في المنطقة وتسليمها إلى الجيش اللبناني طُرحت كأحد المخارج الممكنة لتجنب معركة واسعة.

لكن الحزب رفض الصيغة المطروحة، فيما لا يريد الجيش اللبناني أن يتحول انتشاره إلى مدخل لمواجهة داخلية. كما تخشى بيروت سيناريو ينسحب فيه الحزب ويدخل الجيش، قبل أن تطالب إسرائيل لاحقاً بإخلاء الموقع أو الدخول إليه بحجة التحقق من إزالة المنشآت العسكرية.

لهذا، يجري البحث في صيغة أوسع يمكن أن يلعب فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري دوراً، بشأن خروج الحزب ودخول الجيش مقابل ضمانات بعدم دخول القوات الإسرائيلية، بالتوازي مع وقف عمليات الهدم والتجريف. 

إلا أن مسؤولاً حكومياً يقول إن لبنان لن يكون مستعداً لتنفيذ خطوة بهذا الحجم من دون مقابل إسرائيلي واضح ومسبق.

وتتجاوز المخاوف اللبنانية مرتفعات علي الطاهر

نفسها، إذ قالت مصادر عسكرية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي شق خلال الفترة الماضية ستة طرق عسكرية تربط مناطق جنوب الليطاني بشماله، بما يوفر محاور يمكن استخدامها إذا تقرر توسيع العمليات البرية. 

كما تكثفت التحركات في القطاع الغربي، ولا سيما في محيط مجدل زون والمنصوري، حيث تكتسب المنطقة أهمية بسبب إشرافها على الطرق المؤدية إلى صور.

وتخشى الجهات الرسمية اللبنانية من أن تكون إسرائيل بصدد بناء "حزام أهداف" متحرك، بحيث تنتقل بعد الانتهاء من موقع إلى آخر تعتبره جزءاً من البنية العسكرية لحزب الله، وصولاً إلى جبل الريحان وإقليم التفاح، بحسب المصادر ذاتها.

كاتس يفتح شروط الانسحاب

هذه المخاوف تعززت بعد زيارة وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى جنوب لبنان، فقد أعلن بداية أن إسرائيل لن تنسحب من "المنطقة الأمنية" تحت أي ظرف، قبل أن يعدّل موقفه بعد اعتراض أمريكي، ويربط الانسحاب باستكمال نزع سلاح حزب الله وإزالة ما تعتبره تل أبيب تهديداً لأمنها.

وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" إن واشنطن أبلغت الجانب الإسرائيلي بأن وجوداً عسكرياً دائماً داخل لبنان لا ينسجم مع اتفاق الإطار، لكن المشكلة تكمن في تعريف شروط الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

وأوضحت أن ربط الانسحاب بإزالة "التهديد" في كل لبنان يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لتوسيع نطاق مطالبها، وإذا كانت علي الطاهر في شمال الليطاني هي الهدف اليوم، يمكن الانتقال لاحقاً إلى الريحان أو إقليم التفاح أو أي موقع آخر تزعم الاستخبارات الإسرائيلية أنه يمثل تهديداً.

وتابعت بأن "هذه النقطة تقود إلى العقدة الأساسية في المفاوضات، وهي آلية التحقق، ويفترض اتفاق الإطار مساراً متزامناً تتقدم بموجبه الدولة اللبنانية في حصرية السلاح وانتشار الجيش وإزالة المنشآت العسكرية، فيما تعيد إسرائيل انتشار قواتها تدريجياً وصولاً إلى الحدود. لكن لم يتم حتى الآن الاتفاق على الجهة التي ستقرر أن كل مرحلة أُنجزت فعلاً".

وأفاد دبلوماسي غربي مطلع على الاتصالات بأن الخلاف يدور حول سؤال بالغ الحساسية: "من يمنح شهادة إنجاز المهمة؟"

فإذا أعلن الجيش اللبناني إزالة المنشآت العسكرية من منطقة محددة، تستطيع إسرائيل الاعتراض بالقول إن معلوماتها الاستخباراتية تشير إلى استمرار وجود تهديد، وبالتالي رفض تنفيذ الانسحاب المقابل. لذلك يجري البحث عن طرف ثالث يتولى التحقق، من دون التوصل بعد إلى صيغة نهائية تحدد الدول المشاركة وصلاحياتها، بحسب المصدر ذاته.

وكان هذا الملف في صلب زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، الجنرال الأمريكي جوزف كليرفيلد، إلى بيروت، ويكشف مسؤول حكومي لبناني رفيع أن كليرفيلد اطلع على مقترحات لبنانية تتعلق بالمناطق التجريبية وآليات تطبيقها والتحقق من تنفيذها، كما تسلم تقارير عن خروقات إسرائيلية، بينها العودة إلى زوطر الغربية وعرقلة انتشار الجيش واستمرار عمليات الهدم والتفجير.

وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست"، إن واشنطن لا تريد نشر قوات أمريكية لتنفيذ مهمات التفتيش على الأرض، وتفضل دوراً إشرافياً، على أن تتولى قوات من دول أخرى جانباً من التحقق الميداني. 

وتابعت بأن إسرائيل تفضل دوراً رئيسياً للولايات المتحدة وبريطانيا ولا تمانع مشاركة إيطاليا، فيما تعتبر أطراف أوروبية أن أي مشاركة أوروبية يجب أن تكون منسقة على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتفترض مشاركة فرنسا وألمانيا.

ووفق المصادر ذاتها، فإن جزء كبيراً من الحكومة اللبنانية يسعى لمشاركة دول إقليمية فاعلة تحقق أيضاً جانباً من الثقة للبنان، وعلى رأسها تركيا ومصر، لذا فإن نائب رئيس الحكومة طارق متري سيزور أنقرة والقاهرة قريباً لجس نبص الدولتين حول إمكانية مشاركتها بأي قوة دولية جنوب لبنان.

بيروت تطالب "خطوة مقابل خطوة"

وقالت مصادر حكومية رفيعة إن الموقف اللبناني الذي نُقل إلى كليرفيلد يقوم على قاعدة أساسية، لا يمكن أن تستمر بيروت في تنفيذ التزامات متتالية فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بتقييم تل أبيب وحدها.

وتريد بيروت اعتماد مبدأ "خطوة مقابل خطوة"، فإذا انتشر الجيش في منطقة، وأزال المنشآت وصادر الأسلحة، وثبتت آلية التحقق ذلك، يجب أن يكون الموقع الذي ستنسحب منه إسرائيل في المقابل محدداً مسبقاً.

ويخشى لبنان أن يؤدي غياب هذه القاعدة إلى تحويل اتفاق الإطار إلى عملية مفتوحة زمنياً، بحيث تكون الالتزامات اللبنانية قابلة للقياس، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بتقدير أمني يمكن تغييره باستمرار.

ويزداد الأمر تعقيداً بسبب العمليات الإسرائيلية المستمرة. فمصادر عسكرية لبنانية أفادت بأن الجيش أبلغ كليرفيلد أن التوغلات والتفجيرات والتجريف تعرقل انتشاره وتنفيذ المهمات المطلوبة منه، إلى جانب تعطيل عودة السكان وإعادة مؤسسات الدولة إلى القرى.

وبذلك تنشأ دائرة مغلقة، وهي أن العمليات الإسرائيلية تعيق تنفيذ الالتزامات اللبنانية، ثم يتحول بطء التنفيذ إلى مبرر إسرائيلي لعدم الانسحاب، على حد قول المصادر.

قطيعة الرئيس وحزب الله

في الداخل، يواجه المسار عقبة إضافية تتمثل في تراجع التواصل بين بعبدا وحزب الله، بحسب مسؤول حكومي رفيع، أكد لـ"عربي بوست" أن التواصل المباشر بين الرئيس جوزيف عون والحزب شبه متوقف، فيما يحاول المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير إعادة فتح قنوات غير مباشرة بين الطرفين، من دون أن تنجح المساعي حتى الآن في إعادة الحوار السياسي.

لكن المصادر ذاتها تتحدث عن مؤشرات إلى مرونة أكبر لدى حزب الله، وإمكانية العودة إلى طرح "استراتيجية للأمن الوطني" تسمح بمناقشة مستقبل السلاح ضمن رؤية دفاعية أشمل، بدلاً من التعامل معه كبند منفصل تحت الضغط الإسرائيلي.

وتكتسب إعادة التواصل أهمية مباشرة، لأن أي تسوية في علي الطاهر في شمال الليطاني أو غيرها تحتاج إلى تفاهم يسمح للجيش بتسلم المواقع من دون صدام داخلي.

روما مستمرة.. لكن الميدان أسرع

ورغم الحديث عن احتمال تعليق لبنان مشاركته في المفاوضات احتجاجاً على استمرار العمليات الإسرائيلية، أكد مسؤول حكومي رفيع لـ"عربي بوست" أن بيروت ستذهب إلى الجولة المقبلة في روما متى تم تحديد موعدها.

وقال إن الرئيس عون لا يرى بديلاً أقل كلفة من إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، فيما تدفع واشنطن في الاتجاه نفسه، رغم أن إسرائيل تربط أي تقدم إضافي بنتائج ملموسة في المناطق التجريبية وملف سلاح حزب الله.

بدوره، قال دبلوماسي غربي إن الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في 27 تشرين الأول/أكتوبر تضيق هامش التسوية أكثر، إذ سيكون من الصعب على حكومة بنيامين نتنياهو تقديم انسحاب من جنوب لبنان في ذروة حملة انتخابية تتمحور حول الأمن ونتائج الحرب.

لهذا، تتحول علي الطاهر في شمال الليطاني إلى اختبار يتجاوز أهميتها العسكرية، وفق تقديره، موضحاً: "فإذا نجحت واشنطن في إنتاج صيغة يخرج بموجبها حزب الله من المنشآت، ويتسلمها الجيش اللبناني، بالتوازي مع ضمان الانسحاب الإسرائيلي، يمكن أن تتحول المنطقة إلى نموذج للمراحل اللاحقة".

وتابع: "أما إذا فشلت التسوية وقررت إسرائيل حسم الملف عسكرياً، فإن الخشية اللبنانية هي أن تكون علي الطاهر بداية انتقال المواجهة بصورة أوسع إلى شمال الليطاني".

وقال: "عندها يصبح السؤال الذي يحدد مستقبل اتفاق الإطار ليس فقط متى تنسحب إسرائيل، بل من يحدد أن التهديد انتهى، وأين تنتهي جغرافياً الحدود التي تريد إسرائيل فرض شروطها الأمنية داخلها؟".

ومن دون حسم هاتين النقطتين، تخشى بيروت أن تتحول المفاوضات من مسار يفترض أن يقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي، إلى غطاء لمرحلة طويلة تحتفظ خلالها إسرائيل بالأرض كورقة ضغط، بينما تتحرك أهدافها العسكرية تدريجياً من الحدود إلى عمق الجنوب اللبناني، بحسب المصدر الحكومي.

تحميل المزيد