بعث الوفد الوزاري المصري الموسع الذي زار تشاد نهاية الأسبوع الماضي والتقى الرئيس محمد إدريس ديبي، برسائل عديدة تتجاوز الشراكات التي جرى الإعلان عنها والاتفاقيات ومذكرات التعاون التي طالت مجالات تنموية عديدة، بخاصة وأن مصر أعلنت أنها دخلت في "شراكة تنموية طويلة الأمد" مع تشاد ما يشير لوجود خلفيات سياسية وأمنية وضعت أسس لشراكة استراتيجية بين البلدين في ظل جهود مصرية لإخماد نيران الحرب المشتعلة في السودان المجاور وتضييق الخناق على وصول الإمدادات اللوجيستية التي تجعل قوات الدعم السريع قادرة على استكمال المعارك للعام الرابع على التوالي.
أكثر من مجرد تعاون تنموي
وقال مصدر مصري مطلع، إن زيارة الوفد المصري بقيادة وزير الخارجية السفير بدر عبد العاطي يتجاوز كونه مجرد تعاون تنموي أو باعتبارها جاءت لعقد دورة جديدة من اللجنة المشتركة المشكلة بين البلدين، بخاصة مع الإعلان عن تدشين شراكة طويلة الأمد مع إنجامينا وبالتالي فإن ذلك يشير إلى سياقات أمنية وسياسية تغلف هذا التعاون مع دولة لديها موقع مهم للغاية لأمن السودان ومنطقة الساحل والصحراء، كما أن نوعية الشراكة التي ضمت اتفاقيات في البنية التحتية والصحة والتعليم، بالتوازي مع دفع التعاون الاقتصادي والاستثماري والطيران المدني، تشي بأن هناك تعاون أعمق بين البلدين، وأن القاهرة تسعى إلى بناء نفوذ تراكمي داخل تشاد، عبر استدامة المشروعات المتوافق عليها وهي تختلف عن مجرد زيارة سياسية أو اتفاق أمني بين البلدين.
وأضاف المصدر ذاته أن القاهرة لديها هدف مهم في أن يكون الأمن والاستقرار في السودان وانعكاسه على المصالح المصرية نقطة مهمة تضعها تشاد في اعتبارها ضمن حساباتها تجاه السودان دون أن يكون ذلك مطلباً نحو الانحياز الكامل للرؤية المصرية ولكن الهدف هو تحييدها عن الانضمام إلى محاور معادية تتشكل بواسطة إثيوبيا وقوات الدعم السريع وأطراف أخرى عربية وأفريقية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن مصر تدرك بأن مطالبة تشاد بالتخلي عن قوات الدعم السريع قد يكون ليس بالأمر السهل بسبب الجغرافيا والتداخل القبلي والاقتصادي مع دارفور، لكن رغبتها الحالية هو تغيير حسابات انجامينا، وذلك من خلال تدشين شراكة تحقق من ورائها تشاد التي تعاني اضطرابات داخلية مكاسب أفضل من استمرار انخراطها ولو بشكل غير مباشر في الحرب السودانية.
ولفت إلى أن القاهرة استطاعت خلال الأشهر الماضية عبر اتصالات عديدة مع الجانب التشادي أن تحصل على ضوء أخضر لكي تتحول إلى أحد الشركاء الفاعلين في استقرار السودان، ولعل ذلك ما عبرت عنه التصريحات التي جاءت خلال لقاء وزير الخارجية المصري بالرئيس التشادي يوم الجمعة الماضية، والتي تحدثت عن "تكثيف التنسيق والتشاور لإرساء السلام والأمن والاستقرار في المنطقة".
وذكر المصدر ذاته أن تقديم الدعم التنموي لتشاد يمكن أن يساهم مباشرة في مزيد من إجراءات ضبط الحدود الرخوة مع السودان وبالتالي الحد من تهريب السلاح والمقاتلين إلى الأراضي السودانية وكذلك منع استغلال الأراضي التشادية كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية داخل السودان، والأكثر من ذلك فإن القاهرة يمكن أن تكون شريكة في مسألة ضبط الحدود، هذا بالإضافة إلى الحصول على موقف تشادي إيجابي بشأن دعم تسوية سياسية في السودان في حال التوصل إلى تفاهمات مستقبلية، مشيراً إلى أن مصر لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى ولكنها تبحث عن مقاربات يمكن أن يتم توظيفها للحد من التوترات في دول الجوار خاصة وأن هناك خطراً داهماً من الحدود الجنوبية نتيجة إطالة أمد الحرب السودانية.
واستقبل الرئيس التشادي، منذ أيام الوفد الوزاري المصري الذي يضم وزراء الخارجية، والصحة، والنقل، والتعليم العالي. وأشاد بعمق العلاقات التي تجمع بلاده مع مصر، إلى جانب التعاون المثمر في شتى المجالات
وكانت القضايا الإقليمية، وخصوصاً الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء وتطورات الأوضاع في السودان حاضرة في محادثات الرئيس التشادي مع الوفد الوزاري المصري. وحسب بيان الخارجية المصرية، فقد توافق الجانبان على تكثيف التنسيق والتشاور لإرساء دعائم السلم والأمن والاستقرار في المنطقة.
لقاءات وقضايا
وخلال "منتدى الأعمال المصري – التشادي"، الذي انعقد مؤخرا شدد عبد العاطي على تطلع بلاده لزيادة الاستثمارات والتبادل التجاري وإقامة مشروعات مشتركة، لا سيما في مجالات الزراعة، والثروة الحيوانية، والطاقة المتجددة، والصحة، والتعليم، والري، والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي.
وأكد وزير الخارحية المصرية على الأهمية الاستراتيجية لمشروع الطريق البري الرابط بين مصر وليبيا وتشاد، إلى جانب تعزيز الربط الجوي والخدمات اللوجستية، باعتبارها مشروعات تسهم في دعم التكامل الاقتصادي في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، حسب الخارجية المصرية.
وعقد وزير النقل المصري كامل الوزير، لقاءين منفصلين مع أمير إدريس، وزير البنية التحتية وفك العزلة وصيانة الطرق بجمهورية تشاد، وفاطمة جوكوني، وزيرة النقل والطيران المدني والأرصاد الجوية بجمهورية تشاد، وذلك لبحث دفع أوجه التعاون المشترك في مجالات النقل والبنية التحتية واللوجستيات والطرق والسكك الحديدية والنقل الحضري والنقل النهري.
وتناولت المباحثات تعزيز التعاون في مجال المناطق اللوجستية، حيث تم بحث توفير واستغلال مساحات مناسبة لإنشاء مناطق لوجستية على امتداد الممر اللوجيستي، خاصة في مدينتي إنجامينا وأم جرس، بما يسهم في دعم حركة التجارة وتداول ونقل البضائع، وربط مناطق الإنتاج والاستهلاك بمنافذ التجارة، وتعظيم الاستفادة من الممرات اللوجستية التي تربط تشاد بالدول المجاورة والموانئ البحرية.
وشهد اللقاء التباحث حول آخر مستجدات الموقف التنفيذي للممر اللوجستي التنموي "برنيس – أسوان – توشكى – شرق العوينات – الكفرة – إنجامينا"، والذي يمتد حتى مدينة دوالا بالكاميرون، بإجمالي طول يقارب 4300 كيلومتر، ليكون أحد أهم محاور الربط اللوجستي التي تستهدف تعزيز الاتصال بين شرق أفريقيا وغربها.
هذا المحور سيخفض زمن نقل البضائع والتجارة بين مصر وتشاد من نحو ثلاثة أشهر إلى أسبوع واحد فقط، وشدد وزير النقل على ضرورة الإسراع في تنفيذ هذه المشروعات في وقت يشهد فيه العالم متغيرات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة فرضت واقعًا جديدًا على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وبحسب مصدر مسؤول فإن حجم المشروعات المتفق على تنفيذها مع دولة تشاد يشير إلى أن الهدف ليس فقط الحرب في السودان ولكن لدى القاهرة رغبة في منافسة النفوذ الإقليمي المتصاعد في منطقة الساحل والصحراء بخاصة وأن تلك المنطقة وهي (حزام جغرافي يمتد من السنغال غرباً إلى السودان وإريتريا شرقاً) أضحت ساحة تنافس إقليمي ودولي شديدة التعقيد، مشيراً إلى أن طبيعة المشروعات تمنح القاهرة موطئ قدم أقوى في منطقة الساحل والصحراء، وتتيح لها أن تكون حاضرة في دولة تقع بين ليبيا والسودان وأفريقيا الوسطى والكاميرون.
أبرز المشروعات
ولفت إلى أن المشروعات ركزت على تسهيل حركة النقل التجاري والبشري من خلال الركاب وكذلك الشحن الجوي وهي أدوات نفوذ بحد ذاتها، لأنه إذا عززت القاهرة مشروعات في مجالات تجارية واستثمارية وصحية وتعليمية وتنموية فإن تشاد لن تنظر إلى القاهرة باعتبارها مجرد طرف يريد التأثير في موقفها تجاه السودان لكنها تصبح تتعامل مع دولة لديها مصالح استراتيجية معها، وأن ذلك لا يمنع القاهرة أيضاً من بناء شبكة أمان وراء هذه المشروعات في دول مجاورة لها تشهد صراعات وتؤثر فيها تشاد بدرجة أو بأخرى أبرزها ليبيا والتي تمتلك حدوداً مع دولة تشاد إلى جانب السودان.
وذكر أن التحرك المصري تجاه تشاد، والذي برز نهاية الأسبوع الماضي بعد مشاورات وزيارات متبادلة خلال السنوات الماضية، يهدف للسير في مسارات عديدة بالتوازي أبرزها بناء شراكة تنموية طويلة الأمد مع إنجامينا وخلق مصالح مشتركة بين البلدين وخلق ستار أمني يمكن أن يحد من الصراعات في دول الجوار المصري، وبالتالي تقديم بديل سياسي وأمني لتشاد، بخاصة وأن هناك حدود شاسعة مع السودان وهناك شبكات لتهريب البشر والسلاح، إلى جانب قطع الطريق على تحويل تشاد إلى نقطة إمداد وتمويل إقليمية واسعة لصراعات مازالت قائمة في دول الجوار المصري.
وعلى المستوى الرسمي تؤكد تشاد أنها تقف على الحياد تماماً من الحرب الدائرة في السودان وتنفي تماماً دعمها لقوات الدعم السريع، لكن تقارير دولية ومحللين يشيرون إلى وجود تعاطف وتداخل قبلي وحدود رخوة تُستخدم لمرور الإمدادات، بينما تتهم الخرطوم انجامينا بغض الطرف عن دعم لوجستي وعسكري يمر عبر أراضيه.
وتتبع تحقيق أجرته "رويترز" ونشر في 15 يوليو ثلاث طائرات بوينغ قديمة تشغلها شركات مرتبطة بستيفن شوليس، وهو جندي سابق في القوات الخاصة بالجيش الأميركي متعاقد منذ فترة طويلة مع الحكومة الأميركية، من مطار في تشاد إلى مراكز لوجستية تستخدمها قوات الدعم السريع في السودان وليبيا والصومال.
وأفادت "رويترز" بأن إحدى الطائرات – وهي من طراز بوينغ 737 – كانت تقل مقاتلين من قوات الدعم السريع عندما تم تدميرها في مايو 2025، لكن الكثير من الأمور ظلت غامضة بشأن حمولة الطائرات.
وذكر التقرير أن ثلاث طائرات من طراز 727 – واحدة بيعت في البرازيل لشركة مرتبطة بشوليس واثنتان تم شراؤهما من شركة كاليتا تشارترز 2 في ميشيغان – ظهرت في تشاد من نوفمبر 2024 وعملت انطلاقاً من ساحة الطائرات العسكرية بمطار انجامينا.
وأشار التقرير إلى أنه بين يناير ويوليو 2026، هبطت عدة طائرات من طراز بوينغ 727 وبعض طائرات النقل من طراز إليوشن إي.إل 76 في نيالا في جنوب دارفور ليلاً.
وجاء في تقرير الأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع استخدمت الممر الجوي بين انجامينا ونيالا لنقل مقاتلين ومرتزقة أجانب ومعدات عسكرية، منها طائرات مسيرة وأسلحة، إلى دارفور.
وكشفت تقاريرٌ نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" والمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية أن الإمارات أنشأت خطاً لإمداد الدعم السريع بالأسلحة من قواعدها العسكرية إلى مدينة أم جرس التشادية، حيث تُنقل الأسلحة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع في السودان.
وأكد مصدر دبلوماسي مصري، أن مصر تنظر إلى تشاد باعتبارها بوابة اقتصادية مهمة نحو منطقة وسط أفريقيا والساحل والصحراء، وهو ما يفسر اهتمام القاهرة بمشروع الربط الإقليمي الذي يربطها بليبيا وتشاد عبر طريق بري مشترك، لأن ذلك يعد بمثابة تعزيز للتعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث من جانب كما أنه أحد أدوات ضبط الأمن في ظل حالة السيولة الأمنية التي تعانيها المنطقة، مشيراً إلى أن التعاون مع تشاد بشأن السودان يحقق مصلحة أيضاً لإنجامينا التي تستضيف أعدادا كبيرة من اللاجئين وطالتها شظايا الحرب وتخشى من تمددها إلى داخلها، وهناك سعي مشترك من الجانبين لإنهاء الصراع بما يخفف من تكلفته الإنسانية والأمنية أيضاً.
ولفت إلى أن هناك توافق في الرؤى بين مصر وتشاد بشأن التعامل مع التحديات الأمنية والتوترات السياسية في محيطهما الإقليمي، ولا سيما تلك الناجمة عن الأزمة الليبية، وانتشار التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، مشيراً إلى أن التعاون له أبعاد أمنية لم تكن حاضرة بشكل مباشر خلال الزيارة الأخيرة لكن جرى التفاهم بشأنها من قبل وهي تتعلق بتبادل المعلومات السياسية والأمنية، هذا بالإضافة إلى تنسيق الدولتين بشأن اتخاذ مواقف موحدة تجاه الأزمة السودانية تحت المظلة الأممية وفي الفعاليات والمناسبات الدولية.
وتنظر القاهرة إلى دولة تشاد باعتبارها شريكاً استراتيجياً ودولة محورية في منطقة وسط أفريقيا والساحل، وفق وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي أشار خلال "منتدى الأعمال المصري – التشادي" الذي أقيم في العاصمة إنجامينا، إلى التزام بلاده ببناء شراكة تنموية طويلة الأمد مع تشاد، تقوم على الاستثمار والإنتاج ونقل الخبرات وبناء القدرات.
وفرَّ أكثر من 918,760 لاجئاً سودانياً إلى شرق تشاد حتى 31 مارس الماضي، وصارت مدينة الطينة، الواقعة شرق تشاد، من جبهات القتال في ظل تزايد دور إنجامينا في الحرب السودانية. وقد وُجِّهت أصابع الاتهام إلى الدعم السريع على إثر ضربة جوية بإحدى المسيَّرات استهدفت الطينة في منتصف مارس، وأسفرت عن مقتل 20 شخصاً كانوا في عزاءٍ، ما دفع مئات السكان إلى حمل السلاح.