تحركات مصرية تستبق خططاً إثيوبية لبناء سدود جديدة

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/13 الساعة 16:31 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/13 الساعة 16:31 بتوقيت غرينتش
تحركات مصرية مكثفة لمنع تغيير قواعد إدارة مياه النيل/ عربي بوست

عاد الحديث عن بناء سدود إثيوبية جديدة على نهر النيل في محاولة لاستنساخ تجربة سد النهضة، يتصدر مشهد العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، وذلك بعد أن خرج وزير الري المصري هاني سويلم، الأسبوع الماضي بتصريحات أكد فيها أن بلاده لن تسمح لإثيوبيا ببناء سدود جديدة، وهو ما قابلته أديس  أبابا بمزيد من التصعيد بعد أن وجهت انتقادات للقاهرة عبر تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الأدوات التي تمتلكها القيادة السياسية في مصر للتعامل مع مخططات يمكن أن تصبح واقعاً.

وقال مصدر مصري مطلع، أن ما نشرته صحف إثيوبية وأفريقية وإسرائيلية بشأن تخطيط إثيوبيا لبناء ثلاث سدود جديدة أمر ليس بالجديد، بل أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة على مدار ما يقرب من 5 عقود تشير إلى أنها تنوي بناء 4 سدود على نهر النيل بينهم سد النهضة الذي انتهت أديس أبابا من تشييده وتشغيله بالفعل، مشيراً إلي أن إقدام إثيوبيا في الوقت الحالي على تنفيذ مخططاتها أمر غير متوقع ومن الصعب حدوثه في ظل توترات سياسية وأمنية داخلية تُصعب من المهمة في وقت تتبنى فيه القاهرة سياسة ضاغطة على الحكومة الإثيوبية لدفعها نحو تقديم تنازلات بشأن التنسيق معها بشأن تشغيل سد النهضة.

وأوضح المصدر ذاته أن تجربة سد النهضة قابلة للتكرار وأن أديس أبابا يمكن أن تنتظر لكي تسنح الفرصة لذلك ويمكن أن تنتظر حدوث أي قلاقل أو اضطرابات مصرية لتدفع نحو تدشين سدود جديدة مثلما كان الوضع بالنسبة لسد النهضة في عام 2011 بالتزامن مع ثورة يناير التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، مشيراً إلى أن التعامل بفاعلية إيجابية مع هذه المخططات يتطلب تعاملاً أسوة بما كان يُقدم عليه نظام مبارك أيضاً والذي  كان يضع الملف في جعبة أجهزة الأمن القومي التي نجحت في عرقلة بناء السد قبل سقوط النظام.

شكل التعامل

وشدد المصدر ذاته إلى أن التعامل مع أي سدود إثيوبية جديدة لن يكون في إطار الصراع أو النزاع الثنائي بين مصر وإثيوبيا ولكن أزمة سد النهضة برهنت على أن نزاع المياه يمتد إلى خارج إطار حوض النيل وتأخذ شكل صراعات إقليمية ودولية مع دخول أطراف أخرى على الخط لديها مصلحة في بناء السد من جانب وتضييق الخناق على القاهرة من ناحية أخرى وفي مقدمتها إسرائيل وكذلك الدول التي تساهم في بناء السدود ويمكن أن تحقق فوائد اقتصادية ورائها، مقللاً من إمكانية التعويل على أية حلول تفاوضية باعتبار  أن الأمر لا يرتبط بخلاف فني ولكنه يأخذ طابع أمني وسياسي وإقليمي.

ولفت المصدر ذاته إلى أن القاهرة مع ذلك لا تضع الحلول الخشنة في المقدمة وسوف تسير إلى اتجاهات عديدة استباقاً لاي تحرك إثيوبي في هذا الاتجاه، والتي بدأت بتوجيه رسائل حاسمة من جانب وزير الري قال فيها إن مصر لن تسمح ببناء سدود إثيوبية جديدة وهو ما يبرهن على جدية التعامل مع أي خطوة في هذا الاتجاه، لافتاً إلى أنه من المتوقع أن تتجه القاهرة إلى تدويل الملف وتحويل قضية السدود الجديدة إلى قضية إقليمية ودولية، وليس مجرد خلاف مصري–إثيوبي باعتبار أن أي دولة على نهر عابر للحدود لا تستطيع إقامة مشروعات ضخمة تؤثر في دول المصب من دون تنسيق مسبق، وسيكون هذا التحرك عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والدول المؤثرة، إضافة إلى تكثيف التنسيق مع السودان.

وذكر  أن تحول قضايا المياه إلى صراعات إقليمية يجعل مصر لن تنظر إلى ما يحدث على نهر النيل بمعزل عن بقية ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وهذا يتضح من اتساع التحرك المصري في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، بالتوازي مع الأزمة الإثيوبية، هذا إلى جانب المتابعة الفنية والمعلوماتية الدقيقة في حال حدوث أي تحركات إثيوبية لبناء سد جديد والتعرف على موقعه وحجم التخزين به وطريقة تشغيله وتأثيره التراكمي مع سد النهضة.

خطط إثيوبيا

وتتضمن المخططات الإثيوبية المعلنة إنشاء ثلاثة سدود إضافية هي سد مندايا بسعة 27.7 مليار متر مكعب، وسد بيكوابو بسعة 32 مليار متر مكعب، وسد كاردوبي بسعة 40.4 مليار متر مكعب، ليبلغ إجمالي التخزين المحتمل في السدود الأربعة نحو 200 مليار متر مكعب. وتتمثل الخطورة في أن فاقد التبخر من بحيرات هذه السدود يتراوح بين 2 و3 مليارات متر مكعب سنويًا لكل سد، مما يقلص الحصة السنوية المحددة بـ 55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاق 1959.

وأكدت "وكالة الأنباء الإثيوبية" الرسمية أن أديس أبابا وضعت أخيراً خططاً لبناء مزيد من سدود الطاقة الكهرومائية والري، وتهدف هذه الخطط إلى تسريع التنمية الاقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع إنتاج الكهرباء، وتقوية الدور الريادي للبلاد في مجال التكامل الإقليمي من خلال الربط الكهربائي العابر للحدود.

وقال موقع "أفريكا إنتليجنس" في نهاية يوليو الماضي، إن إثيوبيا تخطط لرفع طاقتها التخزينية إلى 224 مليار متر مكعب، من خلال إنشاء ثلاثة سدود جديدة، سعتها المستهدفة نحو 140 مليار متر مكعب؛ أي ما يقارب ضعف سعة سد النهضة التي تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب.

ونقل الموقع ذاته عن مسؤول إثيوبي كبير لم يوضح هويته، القول إن أحد أهم أهداف بناء السدود الثلاثة هو تخفيف الضغط الهيدرولوجي على سد النهضة، وإطالة عمره التشغيلي من خلال تقليل سرعة تدفق المياه، إضافة إلى رفع الطاقة التخزينية وإنتاج الكهرباء.

كما أشارت منصة "ناتسيف" الإسرائيلية إلى أن المشاريع الجديدة التي ستقام في المجرى الأعلى لنهر النيل الأزرق، ستضم سدود "ماندويا" و"كرادوبي" و"بيكو آبو"، وجميعها تقع في مناطق أعلى من موقع سد النهضة، وتوقعت "ناتسيف" في تقرير لها نهاية يوليو الماضي أن يمنح إنشاء السدود الجديدة أديس أبابا "سيطرة غير مسبوقة على تدفق مياه النيل الأزرق، الذي يُساهم بنحو 59 إلى 68% من مياه نهر النيل، الذي تعتمد عليه مصر لتغطية نحو 97% من احتياجاتها المائية.

وفي المقابل شدد وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة، مساء الثلاثاء الماضي، أن المعلومات المتعلقة باعتزام إثيوبيا إنشاء أربعة سدود، من بينها السد الحالي، ليست جديدة، وقال إن "هذا شيء معروف، لكن هل الدولة المصرية ستسمح بأي أمر آخر يحدث؟ لا".

فيما اعتبرت وكالة الأنباء الرسمية الاثيوبية على لسان خبراء هذا التصريح بمثابة "تصعيد كبير في الخطاب المصري"، مؤكدين أن مثل هذه المواقف تهدف إلى تقييد حق الدولة الواقعة على المنبع في تنفيذ مشروعات التنمية داخل أراضيها.

ونقلت الوكالة عن المدير التنفيذي لمركز أبحاث ابتكار السياسات، سولومون زينا، قوله: "علينا أن نمضي قدماً ونفعل ما فعلناه مع سد النهضة الإثيوبي الكبير… يتعين على البلاد المضي قدماً وبناء مزيد من السدود".

العرض الإثيوبي والرد المصري

وقال مسؤول مصري سابق إن إثيوبيا سبق وأن عرضت دراسات جدوى على القاهرة بشأن إقامة 4 سدود بينهم سد النهضة في عام 2010 لكن القاهرة أبدت اعتراضات عليها في ذلك الحين نتيجة لتضررها سلبياً منها، لكن أديس أبابا استغلت سقوط النظام في بناء سد النهضة والآن تسعى للتعامل مع موقف مصري يستند إلى الدبلوماسية ومنح فرص عديدة للتفاوض بدلاً من الحلول الخشنة للاتجاه نحو تمرير خططها، لكنه أشار إلى أن القاهرة هذه المرة لن تسمح ببناء سدود كثيرة لأن ذلك سيحكم على مصر بالفناء، ففي تلك الحالة ستكون إثيوبيا متحكمة بشكل كامل في مياه النيل الأزرق الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي لمصر والسودان.

لكن المصدر ذاته شدد على أن القاهرة تضع الأمور في نصابها وترفض أن تنجر إلى محاولات إثيوبية لشغلها بقضايا جانبية على حساب القضية الأم المتمثلة في التوصل لاتفاق بشأن تشغيل سد النهضة، لافتاً إلى أن أديس أبابا لن تتمكن من فرض أمر واقع جديد على مصر طالما أن الظروف الداخلية في مصر مستقرة ويمكن أن يتحقق الدعم الشعبي لأي تحرك خشن في مواجهة الخطط الجديدة.

ولفت المصدر ذاته إلى أن مصر سوف تتجه إلى الأمم المتحدة للنظر في هذه المخططات حال لاحظت القاهرة أن هناك توجهاً رسمياً نحوها وذلك لوقف أي تحرك قبل حدوثه، وسيكون ذلك بمثابة إعلام مصر المجتمع الدولي بأنها سوف تدافع عن مصالحها المائية الوجودية بجميع السبل، بخاصة وأن السدود المقترحة ستكون لها آثار سلبية جسيمة على دولتي المصب، بل أن تداعياتها ستكون أكبر بكثير من تأثيرات سد النهضة كونها سوف تحجز كميات ضخمة جداً من المياه لملء بحيراتها، مما سيؤثر بشكل مباشر على كمية المياه المندفعة نحو السودان ومصر.

وسبق أن أكد دبلوماسي مصري بوزارة الخارجية في تصريحات خاصة أن هناك عوامل عديدة تقود إثيوبيا للتفكير في بناء سد جديد في مقدمتها ضمان بقاء سد النهضة أطول فترة ممكنة عبر زيادة عمره الافتراضي، والتعامل مع بعض المشكلات الهندسية التي تترتب على تخزين كميات كبيرة من المياه خلفه.

وأوضح المصدر ذاته، أن الدراسات الهندسية الإثيوبية تشير لضرورة إنشاء ثلاث سدود أخرى بما يساهم في تخفيف الحمل عن سد النهضة الذي يستوعب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من المياه، والتي تتضمن كميات كبيرة من الطمي الذي يؤثر على البنية الهندسية للسد.

وأوضح أن الدولة المصرية تتوقع الإعلان عن تشييد السدود الجديدة في أي لحظة، وهي ترتبط باتخاذ قرار سياسي إثيوبي في ظل خلافات متصاعدة بين الدولتين تجعل من مسألة حبس المياه وعدم السماح لها بالتدفق في سنوات الجفاف أحد الأسلحة المتطورة في مواجهة الدولة المصرية.

وفي شهر يونيو الماضي قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن أديس أبابا تواصل الإجراءات الأحادية دون تنسيق مع مصر والسودان، محذرا من انعكاسات سلبية على دولتي المصب، واتهم إثيوبيا بإدارة سد النهضة المطل على نهر النيل "بشكل مسيس" عبر إجراءات أحادية ضد مصر والسودان.

وقال عبد العاطي إن قضية المياه "وجودية"، وتمثل أولوية بالنسبة لمصر، مؤكدا أنه "لا يمكن التهاون بشأنها".

​​​​​​​وتستمر الخلافات بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، الذي بدأت أديس أبابا إنشائه عام 2011، وافتتحته في سبتمبر 2025، وتطالب القاهرة والخرطوم بالتوصل إلى اتفاق ثلاثي قانوني وملزم ينظم عمليتي الملء والتشغيل قبل استكمالهما.

في المقابل، ترى إثيوبيا أن المشروع لا يتطلب توقيع اتفاق ملزم، وتؤكد أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى، ما أدى إلى تجميد المفاوضات لثلاثة أعوام، قبل استئنافها عام 2023، ثم توقفها مجددا في 2024.

وأظهرت دراسات مصرية أنّه في حال إنشاء إثيوبيا السدود وملئها خلال العقود الأربعة المقبلة، فإنّ ذلك قد يؤدي لعجز مائي سنوي على مصر خلال فترات الملء والتشغيل بنحو 8 مليارات متر مكعب، فضلاً عن تخفيض كمية الكهرباء المولدة من السدّ العالي وخزان أسوان بحوالي 600 ميغاوات.

أما في حالة استخدام مياه السدود الأربعة في الزراعة، فسيزيد العجز المائي لمصر ليصل إلى 19 مليار متر مكعب سنوياً من حصتها في مياه النيل، البالغة نحو 55.5 مليار متر مكعب، ويقلل إنتاج الكهرباء المتولدة من السد العالي وخزان أسوان بمقدار 1000 ميغاوات سنوياً، بحسب الدراسات.

علامات:
تحميل المزيد