لهذه الأسباب لم تشارك مصر في “تحالف مكة” بين السعودية وتركيا وباكستان

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/10 الساعة 08:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/10 الساعة 08:15 بتوقيت غرينتش
تنسيق مشترك بين مصر ودول الخليج وإسلامية/ عربي بوست

منذ أن تم الإعلان عن التحالف الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان يتم طرح أسئلة عديدة حول أسباب الغياب المصري عن هذا التحالف بخاصة وأنه يأتي بعد أيام من موقف مصري بدا أكثر بعداً عن الانضمام إلى التحالف البحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة وهو أيضاً جاء بمبادرة سعودية، الأمر الذي أحدث جدلاً وترتب عليه تعدد وتباين الآراء حول أبعاد الموقف المصري بخاصة مع سرعة التحولات الجيوسياسية في المنطقة وترجيح احتمالات التصعيد خلال الفترة المقبلة.

تعقيد المشهد

وقال مصدر مصري مسؤول إن الموقف المصري له عدة أبعاد أولها تأكيد القاهرة على أنها لن تنزلق إلى صراعات يمكن أن تزيد المشهد تعقيداً في الشرق الأوسط والحفاظ على مسافة آمنة من الجميع تُمكنها من الدخول كوسيط دون أن يتحول الصراع الآني بين إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية شاملة في المنطقة، وهو موقف يرتبط برغبتها في الاستقلال عن أي طرف بما يجعلها قادرة على إحداث اتزان بين أطراف مختلفة، وهو الأمر الذي يفوت الفرصة على إسرائيل التي تبحث عن حرب سنية شيعية بأي وسيلة تقود لتبديد مقدرات المنطقة وتمنحها قدرة على التوسع.

لكن المصدر ذاته لم يغلق الباب نهائياً أمام انضمام مصر للتحالف الثلاثي مشيراً إلى أن "التحالف مرحب به كونه لا يضم أطراف تهدف إلى تصعيد الأوضاع في المنطقة (دون أن يوضح ماهية هذا الطرف)، لافتاً إلى أن مصر ليس لديها مانع في أن تتحرك في تحالف رباعي ينطلق من أرضية سياسية عبر الحوار تقود لحل أزمات المنطقة وليس اتخاذ الخيار العسكري وسيلة للحل، لإدراكها بأن ذلك سوف يؤدي في النهاية لأن يخسر الجميع، حتى وإن حقق أي طرفاً انتصاراً على الآخر فإن ذلك سوف يخلق عداوات عديدة بين دول المنطقة ولن يقود إلى استقرار قريب في حين أنه من الممكن حل الأزمات الراهنة سياسياً.

وأشار المصدر ذاته أن الدخول في حرب بين أي من الدول العربية في مجابهة مجموعات ومليشيات محسوبة على إيران أمر سيقود لا محالة إلى اتساع دائرة الصراع ويفتح جبهات عديدة في حين أنه مثلاً يمكن احتواء الأزمة في اليمن سياسياً بخاصة وأن الأرضية كانت ممهدة خلال الأشهر الماضية للتوصل إلى حل ينهي الصراع وهو أمر يبقى تكلفته المالية والاقتصادية وكذلك كلفته السياسية أقل كثيراً من كلفة الدخول في حرب موسعة، بخاصة وأن هناك علاقات جيدة بين باكستان وإيران وكذلك الوضع بالنسبة لتركيا وكان من الممكن أن تلعب مصر أيضاً أدوار وساطة مع دول الخليج والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد.

ولفت إلى أن مصر لديها هدف رئيسي يتمثل في الابتعاد عن الرؤية الأميركية- الإسرائيلية للمنطقة والتي تهدف إلى إضعاف دول المنطقة لصالح تمدد دولة الاحتلال مشيراً إلى أن القاهرة مازالت لديها قناعة بأنه يجب أن يكون هناك مسار لتعاون عربي إسلامي يضم الدول الفاعلة بما فيهم إيران، باعتبار أن ذلك مقدمة لتسوية أزمات المنطقة وبما لا يضمن الانخراط في مزيد من الصراعات الجانبية، وتعتبر أن ذلك هو المحرج الأكثر عقلانية والأكثر قابلية للحدوث، مشيراً إلى أن حسابات الاقتصاد والأمن القومي العربي تبقى حاضرة في المواقف المصرية بشأن عدم الانضمام لتحالفات تحمل أوجه عسكرية في ظل حالة من الفوضى التي تشهدها المنطقة.

وأضاف أن القاهرة ترى أن الانزلاق إلى صراع عسكري مع مجموعات مسلحة أو دول سيقود لخسائر فادحة وهو أمر يشكل قلقاً بالنسبة إليها في ظل تحديات اقتصادية صعبة تعانيها، وفي المقابل تسعى لأن يكون العمل في إطار الآلية الرباعية "مصر وتركيا والسعودية وباكستان" ذات طابع مؤسسي سياسي يساهم في احتواء الأزمات وليس ترك مساحات يمكن أن تقود إلى حرب شاملة ستقود حتما إلى غلق باب المندب وحالة شلل شبه تامة في قناة السويس وبالتالي تبديد قدرات المنطقة في حروب بينية، وهو ما يحقق مصلحة أميركية لديها رغبة في التراجع لكي تحل محلها قوى إقليمية أخرى تقف أمام إيران، بخاصة وأن هناك رصداً لخروج قواعد أميركية من عدد من دول الخليج خلال الأسابيع الماضية.

وأشار إلى أن مسألة الانتقال إلى الإطار المؤسسي للآلية الرباعية طرحه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على وزراء خارجية دول تركيا والسعودية وباكستان في  شهر يونيو الماضي ومازالت القاهرة لديها رغبة في الانتقال لمستويات أكثر فعالية بين الدول الأربع، لافتاً إلى أن مصر ترفض أن يكون هناك حصاراً على أي دولة عربية وليس لديها غضاضة في أن يكون هناك تحالف عربي إسلامي لكن يحمي أمن المنطقة ويكون ذلك وفق أسس عادلة ومتفق عليها.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد دعا في شهر يونيو الماضي إلى إطار مؤسسي للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان، وذلك خلال لقاء عُقد بالقاهرة بحضور وزراء الخارجية: السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني محمد إسحاق دار، والمصري بدر عبد العاطي.

وكان أول اجتماع بين وزراء الدول الأربع في العاصمة السعودية الرياض في 20 مارس 2026، ثم عُقد اجتماع ثانٍ في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في 29 من الشهر ذاته، ثم اجتماع ثالث في أنطاليا التركية في 17 أبريل.

ووقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الجمعة، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف "اتفاقية دفاعية" مشتركة في مدينة مكة.

وجاء في النص الذي نشرته الدول الثلاث أن اتفاقية مكة تمت "انطلاقا من الروابط التاريخية الراسخة بين الدول الثلاث، وبناء على روابط الأخوة والتضامن الإسلامي التي تجمعها، واستنادا إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق، وأنها تعكس حرص الدول الثلاث على تعزيز أمنها المشترك وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم سعيا إلى مستقبل آمن ومزدهر".

ونص البيان على أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وأي هجوم مسلح خارجي تتعرض له أي من الأطراف الثلاثة هجومًا موجهًا ضد الجميع، كما تعنى بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

ووضحت الخارجية السعودية أن هذه الاتفاقية لا تمثل توجهًا لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي، ولا تأتي على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية والقوية على المستويات الخليجية والعربية والدولية، كما أنها لا تشكل تهديدًا لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تعد تصعيدًا للتوتر بين أي طرفين.

الرؤية المصرية

 وتوقع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انضمام مصر إلى تحالف "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك، الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان في مدينة مكة المكرمة يوم الجمعة، قائلا في مقابلة مع وكالة الأناضول الرسمية السبت، إن مصر "شريك طبيعي" لتركيا في مختلف القضايا، معربا عن اعتقاده بأنها "ستكون موجودة بيننا كجزء من التحالف" خلال المرحلة المقبلة و أن بعض "النقاط الفنية" لا تزال قيد المعالجة، موضحا أنه "لن يكون هناك سبب يمنع مصر من الانضمام" بعد استكمالها وتفعيلها.

وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من مصدر مطلع فإن القاهرة لم تعارض الانضمام إلى التحالف الرباعي لكنها تتحدث عن ضرورة أن يكون هناك تصور سياسي من هذا التحالف إذ أن أي تحالفات دفاعية أو عسكرية لابد أن يكون واضحاً ما المغزى السياسي منها، مشيراً إلى أن دوائر قريبة من الحكومة ليها مخاوف من الانخراط في حرب ضد إيران وبالتالي تحقيق هدف إسرائيل الرئيسي بعد أن ابتعدت بشكل مباشر عن الضربات التي اكتفت الولايات المتحدة أخيراً توجيهها، في حين تذهب القاهرة باتجاه ضرورة احتواء التصعيد الحالي، واختارت أن تبقى طرفاً قادراً على لعب الوساطة.

وأشار إلى أن الموقف من الانضمام إلى التحالف البحري مازال لم يتم التوصل فيه إلى قرار نهائي وهناك دراسة للموقف السياسي والأمني ومن أوجه مختلفة بخاصة وأن الموقف الدبلوماسي المصري المعلن هو رفض فرض أي ترتيبات أمنية أو أدوار من دول غير مشاطئة بالبحر الأحمر، والتأكيد على أن إدارته وتأمينه مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه وهو أمر لا يتحقق بالنسبة للتحالف الأمني الذي تقوده السعودية.

ولفت إلى أن مصر لديها موقف سياسي مرحب بهذا التحالف كونه يمكن أن يواجه أي اعتداءات تشكل تهديداً لأمن الملاحة لكن مسألة المشاركة تحسمها أبعاد أمنية وسياسية مختلفة بخاصة وأن هناك إصرار من دوائر أمنية بعدم الانخراط في أي صراع قائم في المنطقة بالوقت الحالي والنأي عن النفس بشأن التورط في أي مواجهات عسكرية، وكذلك عدم الدخول في أي تحالفات تؤدي إلى مزيد من الصراعات داخل العالم الإسلامي، والعمل على حل المشكلات بالوسائل السلمية، السياسية والدبلوماسية، بخاصة فيما يتعلق بالحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإيران.

ونشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية قبل أيام تصريحات على لسان مصدر مطلع أكد فيها أن مسألة المشاركة المصرية في تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة العالمية لا يزال قيد الدراسة والتقييم.

وأوضح المصدر أن ذلك يأتي في إطار استكمال مراجعة مختلف الجوانب القانونية والدستورية ذات الصلة، واستيفاء الإجراءات اللازمة وفقًا للأطر الدستورية والقانونية المنظمة، أخذاً في الاعتبار أهمية الحصول على موافقة مجلس النواب.

وأعلنت السعودية يوم 30 يوليو الماضي، تدشين تحالف دفاعي بحري لـ"تعزيز التعاون الدفاعي، وحماية الملاحة بالبحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وخليج عدن"، بمشاركة 14 دولة وفي حضور ممثلين عن 43 بلدا إلى جانب الاتحاد الأوروبي.

ورغم مشاركة مصر إلى جانب تركيا وباكستان والسودان وجيبوتي بالبيان الذي يؤيد إنشاء "تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات"، لكن جاءت التصريحات عبر الوكالة الرسمية لتشي بوجود موقف آخر من مسألة المشاركة به.

تحميل المزيد