هجوم دمياط: تفاصيل عن تحقيقات مصر في استهداف منشآت الطاقة، ولماذا تعتبر الغاز الإسرائيلي خارج الحسابات؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/02 الساعة 14:40 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/02 الساعة 18:34 بتوقيت غرينتش
مصر تواصل التحقيقات في هجوم دمياط/ عربي بوست

تواصل السلطات المصرية تحقيقاتها لكشف الجهة التي تقف وراء استهداف سفينتين داخل ميناء دمياط بطائرة مسيّرة، وأعاد هجوم دمياط تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه البنية التحتية للطاقة في شرق البحر المتوسط، وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي إلى ممرات تصدير النفط والغاز.

وبعد مرور أيام على الحادث، لم تعلن القاهرة بعد نتائج التحقيقات أو هوية الجهة المنفذة، بينما توالت بيانات النفي من أطراف دارت حولها الشبهات، في وقت أكدت فيه مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" أن جميع السيناريوهات لا تزال قيد الفحص، وأن خيارات الرد المصري ستتحدد بعد اكتمال التحقيقات.

ويأتي هجوم دمياط في مرحلة تشهد فيها مصر توسعاً في دورها كمركز إقليمي لنقل الغاز الطبيعي وتغييزه، وهو ما يفسر الحساسية التي تتعامل بها الدولة مع أي استهداف لمنشآت الطاقة، بالتوازي مع تمسكها بتنويع مصادر الإمداد، ورفض التحول إلى طرف يعتمد بصورة كاملة على الغاز الإسرائيلي.

من يقف وراء الطائرة المسيّرة؟

تقول مصادر مطلعة على التحقيقات لـ"عربي بوست" إن فرق التحقيق عثرت على بقايا الطائرة المسيّرة التي استهدفت سفينتي التغييز والتخزين داخل ميناء دمياط، ويجري حالياً إخضاعها لتحليل فني واستخباراتي لتحديد الجهة التي تقف وراء الهجوم، وطبيعة المنظومة المستخدمة في تنفيذه.

وأوضح مصدر مطلع أن الطائرة من فئة "الذخائر المتسكعة" أو ما يُعرف بالطائرات الانتحارية، وهي مسيّرات تصطدم مباشرة بالهدف قبل الانفجار، وتستخدمها عدة أطراف في المنطقة، من بينها إسرائيل وإيران وبعض الجماعات الحليفة لهما، الأمر الذي يجعل توجيه الاتهام إلى أي طرف في هذه المرحلة أمراً سابقاً لأوانه.

وأضاف أن الجهات المختصة تراجع صور الأقمار الصناعية وبيانات المراقبة لتحديد مسار المسيّرة، وما إذا كانت دخلت عبر الحدود أو أُطلقت من البحر بواسطة قارب أو سفينة صغيرة، مشيراً إلى أن التحقيقات أصبحت في مراحلها الأخيرة، تمهيداً للإعلان عن تفاصيل هجوم دمياط.

ورجّح المصدر أن تكون الطائرة قد حلقت على ارتفاع منخفض للغاية، وأن إطلاقها تم، على الأرجح، من عرض البحر، موضحاً أن تنفيذ هجوم من ارتفاعات عالية يبقى مستبعداً في ظل وجود منظومة رادارية ودفاع جوي متطورة تؤمّن الساحل الشمالي، إضافة إلى قرب ميناء دمياط من قواعد جوية مصرية، وتمركز الأسطول الشمالي المكلف بحماية منشآت الغاز في شرق المتوسط.

ورغم ذلك، لم تستبعد المصادر فرضيات أخرى، من بينها احتمال ضلوع جماعات مسلحة تنشط في العراق أو لبنان، بالنظر إلى أن بعض هذه الجماعات تمتلك قدرات على تشغيل طائرات مسيّرة يصل مداها إلى مئات الكيلومترات، مع التأكيد، في الوقت نفسه، أن التحقيقات لم تحسم أي سيناريو حتى الآن.

وأشار المصدر إلى أن مصر سبق أن تعرضت لحوادث مشابهة، عندما سقطت 3 طائرات مسيّرة أطلقها الحوثيون باتجاه الأردن وإسرائيل بعد اندلاع الحرب على غزة، موضحاً أن القاهرة تعاملت، آنذاك، عبر قنوات الاتصال مع الجهات المعنية، ولم تتطور الأحداث إلى مواجهة مباشرة.

في المقابل، يرى المصدر أن إسرائيل تبقى من بين الأطراف التي قد تستفيد من تعطيل عمل سفن التغييز المصرية، في ظل الضغوط التي تمارسها بعض الشركات الإسرائيلية لدفع القاهرة إلى توقيع اتفاقات جديدة لاستيراد الغاز من حقل "تمار"، وربط مصر بصورة أكبر بمنظومة الطاقة التي تضم إسرائيل وقبرص واليونان، وهو مسار تتحفظ عليه القاهرة، خشية أن تصبح رهينة لمصدر واحد لتأمين احتياجاتها من الغاز.

وتتعامل الأجهزة المصرية مع جميع الفرضيات بالقدر نفسه من الجدية، على أن تحديد المسؤولية لن يستند إلى الاعتبارات السياسية، وإنما إلى الأدلة الفنية والاستخباراتية التي يجري جمعها، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب بشأن طبيعة الرد والخطوات التي ستلي إعلان نتائج التحقيقات.

القاهرة والارتهان للإمدادات الإسرائيلية

كشفت مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" أن التحقيقات لا تقتصر على تحديد الجهة المنفذة للهجوم، بل تمتد إلى تحليل الدوافع الاستراتيجية وراء استهداف سفينتي التغييز والتخزين، في ظل الدور المتنامي الذي تؤديه مصر كمركز إقليمي لاستقبال الغاز المسال، وإعادة ضخه إلى الشبكة المحلية، وتصديره إلى الأسواق الخارجية.

وترى المصادر أن إسرائيل تبقى من بين الأطراف التي قد تستفيد من تعطيل عمل سفن التغييز المصرية، في وقت تتعرض فيه القاهرة لضغوط للتوقيع على اتفاقات جديدة لاستيراد الغاز عبر حقل "تمار"، وربط السوق المصرية بصورة أكبر بمنظومة الطاقة التي تضم إسرائيل وقبرص واليونان، وتتجه نحو الأسواق الأوروبية.

وتتحفظ القاهرة على أي ترتيبات تجعل أمنها الطاقوي مرتبطاً بمصدر واحد؛ ولذلك تعمل، منذ أشهر، على تنويع مصادر الإمداد، وتشجيع الاستثمارات في الإنتاج المحلي، والتوسع في استقدام الغاز المسال من أسواق مختلفة، ما يضمن الحفاظ على هامش واسع من الاستقلالية في إدارة ملف الطاقة.

ووفق مصادر "عربي بوست"، فإن هذا التوجه يفسر حرص الحكومة على عدم توقيع اتفاق جديد لاستيراد الغاز الإسرائيلي، رغم احتياجات السوق المحلية، مؤكدة أن مصر تنظر إلى تنويع الإمدادات باعتباره جزءاً من أمنها القومي، وليس مجرد خيار اقتصادي.

وفي السياق ذاته، أوضح مصدر بوزارة البترول لـ"عربي بوست" أن الهجوم كان يمكن أن يؤثر في استقرار إمدادات الكهرباء، لولا نجاح الحكومة في تنفيذ خطط بديلة، كان من أبرزها التعاقد مسبقاً على سفينة تغييز أردنية للعمل في حالات الطوارئ، الأمر الذي أسهم في احتواء آثار هجوم دمياط ومنع حدوث اضطرابات في منظومة الطاقة.

وأضاف المصدر أن استقرار إمدادات الغاز بعد الهجوم يعكس كفاءة خطط الطوارئ التي أعدتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، مؤكداً أن تعدد مصادر الإمداد والبدائل التشغيلية منح القاهرة مرونة كبيرة في مواجهة الأزمة، ونفى، في الوقت نفسه، وجود اتفاق جديد مع إسرائيل لتوريد الغاز.

خيارات الرد على هجوم دمياط

بحسب مصادر مطلعة لـ"عربي بوست"، فإن جميع الخيارات لا تزال مطروحة أمام الدولة المصرية بعد اكتمال التحقيقات بشأن هجوم دمياط، إلا أن طبيعة الرد ستحددها نتائج الأدلة الفنية والاستخباراتية، وليس الضغوط السياسية أو الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع في المنطقة.

وتؤكد المصادر أن القاهرة لا تنوي التسرع في اتخاذ خطوات عسكرية، وأن المرحلة الأولى ستقوم على استكمال التحقيقات، يليها تحرك سياسي ودبلوماسي قد يشمل تحميل الجهة المنفذة، أو الحكومات أو الجهات التي تقف خلفها، المسؤولية الكاملة عن تبعات الاعتداء على منشآت الطاقة المصرية.

وتضع مصر في اعتبارها وجود محاولات لجرها إلى مواجهة إقليمية واسعة؛ ولذلك ترفض الانخراط في أي تحالفات تستهدف جماعات أو ميليشيات مرتبطة بإيران، مع استعدادها، في المقابل، لتعزيز التنسيق الأمني لحماية الملاحة في البحرين الأحمر والمتوسط، إذا اقتضت الضرورة.

كما ترى المصادر أن أي مشاركة مصرية في عمليات عسكرية واسعة قد تحقق أهداف أطراف تسعى إلى توسيع الحرب، وفي مقدمتها إسرائيل، وهو ما تحرص القاهرة على تجنبه، بعد أن تحملت بالفعل كلفة اقتصادية وأمنية كبيرة نتيجة الصراعات الإقليمية المتلاحقة.

وفي هذا السياق، أكدت الحكومة المصرية أن التحقيقات الأولية أثبتت أن الحريق الذي اندلع في السفينتين نجم عن طائرة مسيّرة، بينما شدد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي على أن الأجهزة الأمنية تواصل عملها لتحديد مصدرها، واصفاً طريقة التعامل مع هجوم دمياط بأنها نموذج لإدارة الأزمات، بعدما جرى احتواء الحريق سريعاً، وفصل السفينتين لمنع امتداد النيران.

كما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، استمرار التحقيقات لكشف ملابسات الهجوم، محذراً من خطورة التصعيد الذي تشهده المنطقة، وداعياً إلى تحرك دولي يمنع اتساع رقعة المواجهة، ويحافظ على أمن الشرق الأوسط واستقراره.

كيف احتوت مصر تداعيات الهجوم؟

حرصت الحكومة المصرية على التأكيد، منذ الساعات الأولى لهجوم دمياط، أن العمل داخل ميناء دمياط لم يتوقف، وأن حركة استقبال السفن ومغادرتها، وعمليات الشحن والتفريغ، استمرت بصورة طبيعية، في رسالة استهدفت طمأنة الأسواق وشركات الشحن والمستثمرين إلى أن الهجوم لم يؤثر في كفاءة أحد أهم موانئ الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وأكدت الحكومة أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الحريق الذي اندلع في سفينتي التغييز والتخزين نتج عن استهدافهما بطائرة مسيّرة، مع استمرار التحقيقات لكشف ملابسات الهجوم، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على الأمن القومي والمصالح المصرية.

وأوضح مدبولي أن التعامل مع هجوم دمياط جرى وفق أعلى درجات الجاهزية، مشيراً إلى أن فرق الطوارئ نجحت في احتواء الحريق سريعاً، وفصل السفينتين لمنع انتقال النيران، فيما اقتصرت الأضرار الأكبر على سفينة التغييز، بينما تعرضت سفينة التخزين لأضرار محدودة، دون تسجيل أي إصابات بشرية.

وفي السياق ذاته، شدد السيسي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، على أن الجهات المختصة تواصل التحقيقات لكشف تفاصيل الهجوم، محذراً من خطورة التصعيد الإقليمي، وداعياً إلى تحرك دولي يمنع اتساع رقعة المواجهة، ويحافظ على أمن المنطقة.

لماذا يتجاوز الهجوم الحدود المصرية؟

ترى مصادر بوزارة البترول لـ"عربي بوست" أن الرسالة الأخطر وراء استهداف ميناء دمياط تتمثل في أن الصراع لم يعد يقتصر على الخليج العربي أو البحر الأحمر، بل امتد ليشمل البنية التحتية للطاقة في شرق البحر المتوسط، في محاولة لإثارة القلق حول أمن خطوط إمداد النفط والغاز العالمية.

وتتحرك القاهرة سريعاً للحفاظ على ثقة شركات الشحن وأسواق التأمين ومستثمري الطاقة، عبر التأكيد على كفاءة منظومة التأمين وخطط الطوارئ، خاصة مع تزايد أهمية الموانئ المصرية في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، والمخاوف المرتبطة بباب المندب، وهو ما يعزز الاعتماد الدولي على مسارات الطاقة عبر البحر المتوسط.

وفي هذا الإطار، أكد وزير البترول كريم بدوي استقرار منظومة إمدادات الغاز الطبيعي، موضحاً أن خطط الطوارئ والبدائل التشغيلية التي أعدتها الوزارة مسبقاً أثبتت فعاليتها في التعامل مع هجوم دمياط، ما ضمن استمرار إمدادات الغاز إلى محطات الكهرباء والقطاعات الحيوية دون اضطرابات.

كما راجع الوزير، خلال زيارته للمركز القومي للتحكم في الشبكة القومية للغاز الطبيعي، خطة تأمين احتياجات السوق المحلية خلال شهر أغسطس/ آب، واطلع على مختلف سيناريوهات التشغيل، موجهاً بسرعة التعامل مع أي متغيرات قد تؤثر في استقرار منظومة الإمداد.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي، إذ يبلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي نحو 3.8 مليارات قدم مكعبة يومياً، مقابل طلب يتجاوز 6.2 مليارات قدم مكعبة.

ويرتفع الطلب إلى أكثر من 7 مليارات قدم مكعبة خلال فترات الذروة، ما يجعل استمرار عمل سفن التغييز وتأمين واردات الغاز المسال ضرورة أساسية لاستقرار سوق الطاقة.

وتخلص مصادر حكومية إلى أن هجوم دمياط لن يغير فقط إجراءات تأمين الموانئ المصرية، بل سيدفع أيضاً إلى إعادة تقييم منظومة حماية منشآت الطاقة في شرق المتوسط، في ظل تنامي استهداف البنية التحتية للطاقة كأداة ضغط في الصراعات الإقليمية.

وهو ما يفسر، وفق مصادر "عربي بوست"، تمسك القاهرة بسياسة تقوم على تعزيز الأمن، وتنويع مصادر الطاقة، وتجنب الانجرار إلى مواجهات قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

تحميل المزيد