القرن الأفريقي: تفاصيل تحرك مصري لمواجهة التوغل الإسرائيلي في “أرض الصومال” بتنسيق مع الصومال وإريتريا

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/25 الساعة 13:34 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/25 الساعة 13:35 بتوقيت غرينتش
التحركات المصرية تأتي للرد على رغبات إسرائيلية في التوسع بالقرن الأفريقي/ عربي بوست

تكثف مصر تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية في القرن الأفريقي لاحتواء ما تصفه مصادر مطلعة بمحاولات إسرائيلية لإعادة رسم موازين النفوذ في جنوب البحر الأحمر، عبر تعزيز حضورها في إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، بالتوازي مع استمرار الضغوط الإثيوبية للحصول على منفذ بحري.

وقالت مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة على الموضوع لـ"عربي بوست" إن القاهرة تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها جزءاً من مشهد إقليمي مترابط يمتد من السودان إلى البحر الأحمر، ويستهدف تقويض توازنات الأمن في المنطقة.

وأضافت المصادر أن الاجتماعات التي استضافتها القاهرة مؤخراً، وجمعت وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا، بحضور كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لم تقتصر على تنسيق المواقف السياسية.

إذ حملت الاجتماعات رسائل مباشرة إلى واشنطن وتل أبيب وأديس أبابا، مفادها أن أي تغيير في معادلات الأمن في القرن الأفريقي سيواجَه بتنسيق متزايد بين الدول الثلاث، مع استمرار الرهان المصري على المسار الدبلوماسي لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

جبهة إقليمية لاحتواء التحركات الإسرائيلية

بحسب مصدر مصري مطلع على الاجتماعات الأخيرة، فإن القاهرة سعت، من خلال اللقاءات الثلاثية، إلى إظهار وجود موقف موحد بين مصر والصومال وإريتريا في مواجهة التحركات التي تقودها إسرائيل وإثيوبيا في القرن الأفريقي، مع توظيف الحضور الأميركي للدفع نحو احتواء الأزمة قبل تحولها إلى صدامات ميدانية تهدد الاستقرار الإقليمي.

وقال المصدر إن الرسالة الأساسية التي أرادت القاهرة إيصالها تتمثل في أن الدول المعنية مباشرة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي لن تقبل فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" أو عبر محاولات إثيوبيا الحصول على منفذ بحري خارج الأطر القانونية، وهو ما تعتبره مصر تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.

وترى القاهرة أن التحركات الإسرائيلية والإثيوبية لا يمكن فصلها عن الأزمات المتشابكة التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها الحرب في السودان، حيث تعتقد أن استمرار الدعم الخارجي لبعض أطراف النزاع يسهم في إطالة أمد الصراع ويفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

كما تسعى مصر، وفق مصدر لـ"عربي بوست"، إلى دفع واشنطن إلى القيام بدور أكثر فاعلية في كبح هذه التطورات، انطلاقاً من أن انفلات الأوضاع سيهدد أيضاً المصالح الأميركية في المنطقة.

وتؤكد المصادر أن القاهرة لا تتبنى خيار التصعيد، لكنها تعمل، في الوقت نفسه، على توسيع شبكة التنسيق مع حلفائها في القرن الأفريقي، بهدف منع أي ترتيبات أمنية أو عسكرية جديدة تُفرض خارج إرادة الدول المشاطئة للبحر الأحمر، مع الاحتفاظ بأوراق سياسية وإقليمية يمكن استخدامها إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة.

تقع أرض الصومال في موقع استراتيجي حساس في منطقة القرن الأفريقي (عربي بوست)
تقع أرض الصومال في موقع استراتيجي حساس في منطقة القرن الأفريقي (عربي بوست)

ماذا تريد القاهرة من الولايات المتحدة؟

لم يكن حضور مسعد بولس اجتماعات القاهرة تفصيلاً بروتوكولياً، بل جاء، وفق مصادر مصرية، في إطار مساعٍ لفتح مسار سياسي يمنع تحول التنافس في القرن الأفريقي إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، في ظل تقاطع ملفات البحر الأحمر والسودان وليبيا مع التنافس الدولي على المنطقة.

ويقول مصدر دبلوماسي مصري إن القاهرة ترى أن واشنطن تمتلك القدرة على التأثير في عدد من الأطراف المنخرطة في أزمات المنطقة، سواء فيما يتعلق بالحرب في السودان أو التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، أو حتى التحركات الإسرائيلية في القرن الأفريقي، وهو ما يجعل التنسيق معها ضرورة لتفكيك الصراعات المتداخلة قبل اتساعها.

وبحسب المصدر، فإن مصر أبلغت الجانب الأميركي استعدادها لدعم أي تحرك سياسي يفضي إلى وقف الحرب في السودان، ودفع العملية السياسية في ليبيا، واحتواء التوتر في القرن الأفريقي، باعتبار أن هذه الملفات تمثل، من وجهة نظر القاهرة، معادلة أمنية واحدة يصعب التعامل مع كل أزمة فيها بمعزل عن الأخرى.

كما طرحت القاهرة، خلال الاجتماعات، أهمية معالجة الخلافات بين واشنطن وأسمرة، بما في ذلك مسألة العقوبات الأميركية على إريتريا، باعتبار أن تخفيف التوتر بين الطرفين قد يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي ويمنح الولايات المتحدة مساحة أوسع للتحرك في المنطقة.

وتشير المصادر إلى أن الرهان المصري لا يقوم على بناء اصطفاف عسكري، بقدر ما يستهدف استثمار الحضور الأميركي للضغط من أجل منع فرض ترتيبات جديدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي خارج إطار القانون الدولي، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

وتستند التحركات المصرية الأخيرة إلى مسار من التقارب السياسي والعسكري مع الصومال وإريتريا بدأ خلال العامين الماضيين، في إطار سياسة تستهدف دعم وحدة الأراضي الصومالية، وتعزيز التنسيق مع الدول المطلة على البحر الأحمر في مواجهة التحولات الجارية في المنطقة.

وخلال هذه الفترة، وقعت القاهرة ومقديشو بروتوكولاً للتعاون العسكري والأمني، أعقبته اتفاقات لرفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب تقديم مساعدات عسكرية ولوجستية للجيش الصومالي، في وقت أكدت فيه مصر استمرار دعمها لبناء المؤسسات الأمنية الصومالية وتعزيز قدرتها على بسط سيادتها على كامل أراضيها.

وفي موازاة ذلك، عززت القاهرة تنسيقها مع إريتريا، حيث يتمسك البلدان بموقف مشترك يعتبر أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مع رفض أي ترتيبات أو أدوار أمنية تفرضها أطراف غير مطلة على البحر الأحمر، في إشارة إلى الطموحات الإثيوبية للوصول إلى منفذ بحري، وما تعتبره القاهرة محاولات إسرائيلية لتوسيع حضورها في الإقليم.

وترى مصادر مصرية أن هذه التحالفات لم تعد تقتصر على التعاون الثنائي، بل تطورت إلى آلية تنسيق ثلاثية بين مصر والصومال وإريتريا للتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية في القرن الأفريقي، في ظل قناعة لدى القاهرة بأن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر حساسية.

"أرض الصومال".. نقطة الارتكاز في الصراع؟

ترى القاهرة أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" والانفتاح المتزايد عليه لا يقتصران على إقامة علاقات سياسية مع كيان انفصالي، وإنما يشكلان مدخلاً لإعادة رسم موازين القوى في جنوب البحر الأحمر، عبر بناء موطئ قدم إسرائيلي على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

وتقول مصادر مصرية إن هذا التحول يفسر جانباً كبيراً من الحراك الدبلوماسي المصري خلال الأشهر الأخيرة.

وتعززت هذه المخاوف بعد إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن بلاده تعاونت مع الإقليم لسنوات بصورة غير معلنة، مع إبداء رغبته في الارتقاء بالعلاقات الأمنية إلى مستوى جديد، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن وجود عسكري إسرائيلي محدود داخل الإقليم، رغم نفي تل أبيب وقيادة "أرض الصومال" تلك المعلومات.

وتعتبر القاهرة أن مجرد انتقال التعاون إلى مستوى أمني معلن يمثل تحولاً استراتيجياً يستدعي إعادة ترتيب مواقف الدول المعنية بأمن البحر الأحمر.

وترى المصادر أن التحركات الإسرائيلية تتقاطع مع الطموحات الإثيوبية للوصول إلى منفذ بحري، بما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في البحر الأحمر قد تغير التوازنات القائمة منذ عقود.

لذلك، تواصل مصر رفضها الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وتدعم الحكومة الفيدرالية في مقديشو داخل المحافل الدولية، باعتبار أن الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية يمثل، من وجهة نظرها، أحد مرتكزات استقرار القرن الأفريقي.

هل يتجه القرن الأفريقي إلى مرحلة أكثر اضطراباً؟

بحسب مصادر مصرية وخبراء في الشأن الأفريقي، فإن التوتر الحالي يتجاوز الخلافات التقليدية المرتبطة بسد النهضة أو النزاع حول المنافذ البحرية، ليعكس تنافساً أوسع على النفوذ في منطقة باتت تمثل إحدى أهم ساحات الصراع الإقليمي والدولي، في ظل تداخل ملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويشير خبير في الشأن الأفريقي إلى أن التقارب المصري مع الصومال وإريتريا يدفع، في المقابل، إلى رفع مستوى التأهب لدى إثيوبيا وإسرائيل، الأمر الذي يزيد احتمالات التصعيد إذا تعثرت المساعي الدبلوماسية.

وفي الوقت نفسه، تؤكد القاهرة أنها لا تسعى إلى مواجهة عسكرية، لكنها ترى أن تجاهل التحولات الجارية قد يسمح بفرض واقع جديد يضر بمصالحها الاستراتيجية وبأمن الدول المطلة على البحر الأحمر.

وتحذر المصادر من أن المنطقة تقف أمام مجموعة من الأزمات المتزامنة؛ فالحرب في السودان لم تنتهِ بعد، والتوتر بين إثيوبيا وإريتريا مرشح للتجدد، بينما تزداد المنافسة على النفوذ في البحر الأحمر مع الانخراط الإسرائيلي المتنامي في "أرض الصومال".

وفي حال أخفقت الجهود السياسية التي تقودها أطراف إقليمية ودولية، فقد تتبلور تحالفات أكثر وضوحاً، وتنتقل المنافسة من الضغوط السياسية والدبلوماسية إلى صراعات أمنية وعسكرية أوسع، وهو السيناريو الذي تقول القاهرة إنها تسعى إلى تجنبه عبر تكثيف التنسيق مع شركائها الإقليميين.

الوضع في القرن الأفريقي

يشهد القرن الأفريقي منذ عام 2024 تصاعداً في التنافس الإقليمي والدولي على البحر الأحمر، بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي للحصول على منفذ بحري، وهو ما رفضته الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وعدّته انتهاكاً لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.

وفي المقابل، كثفت مصر دعمها السياسي والعسكري للحكومة الصومالية، باعتبار أن الحفاظ على وحدة الصومال يمثل أحد مرتكزات استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وفي أغسطس/ آب 2024، وقعت القاهرة ومقديشو بروتوكولاً للتعاون العسكري والأمني، أعقبته شحنات من المعدات العسكرية المصرية، قبل أن يرتقي البلدان بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية مطلع عام 2025، مع استمرار التنسيق بين مصر والصومال وإريتريا في الملفات الأمنية والإقليمية.

وخلال الفترة نفسها، تكررت المواقف المصرية الرافضة للمطالب الإثيوبية بالحصول على منفذ بحري خارج الأطر القانونية، مع التشديد على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له.

وازدادت حدة التوتر أواخر العام الماضي، بعدما أعلنت إسرائيل اعترافها بإقليم "أرض الصومال"، قبل أن يكشف وزير الدفاع الإسرائيلي، الشهر الماضي، عن تعاون أمني غير معلن استمر سنوات بين الجانبين، بالتزامن مع تقارير إعلامية تحدثت عن وجود عسكري إسرائيلي داخل الإقليم، وهو ما نفته تل أبيب وقيادة "أرض الصومال".

ومنذ ذلك الحين، صعّدت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية، مؤكدةً رفضها أي خطوات من شأنها تغيير التوازنات الأمنية في البحر الأحمر أو المساس بوحدة الأراضي الصومالية.

تحميل المزيد