مصادر تكشف كواليس زيارة عون إلى أمريكا، وكيف تسعى إدارة ترامب لدمج لبنان في رؤيتها للمشرق العربي الجديد

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/20 الساعة 12:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/21 الساعة 07:35 بتوقيت غرينتش
أمريكا تضغط على لبنان في ملف سلاح حزب الله/ عربي بوست

لم تعد زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن مجرد محطة لبحث المساعدات العسكرية أو الدعم الاقتصادي، بل تحولت زيارة عون إلى أمريكا، وفق مصادر حكومية لبنانية رفيعة وأخرى دبلوماسية غربية، إلى اختبار لمشروع أميركي أوسع لإعادة رسم توازنات المشرق العربي بعد الحرب مع إيران، ووضع لبنان ضمن منظومة إقليمية جديدة تضم سوريا والعراق.

وتكشف مصادر "عربي بوست" أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى لبنان باعتباره الحلقة الأخيرة في هذا المشروع، الذي يقوم على تعزيز دور مؤسسات الدولة، وربط بيروت بمشاريع تعاون سياسي وأمني واقتصادي مع دمشق وبغداد، بالتوازي مع تقليص النفوذ الإيراني ومنع انزلاق المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهة.

وحمل عون إلى البيت الأبيض ملفات تتجاوز العلاقات الثنائية، في مقدمتها الضغط على إسرائيل لتنفيذ انسحابها من الأراضي اللبنانية، وتعزيز قدرات الجيش، وإطلاق المرحلة العملية من اتفاق الإطار، إلى جانب بحث مستقبل العلاقة مع سوريا، والدور الذي ترغب واشنطن في أن تؤديه تركيا ضمن الترتيبات الإقليمية الجديدة.

لماذا ذهب عون إلى واشنطن الآن؟

تقول مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" إن جدول أعمال زيارة عون إلى أمريكا لن يقتصر على الملفات التقليدية المرتبطة بالمساعدات أو الإصلاحات الاقتصادية، بل سيحمل تصوراً متكاملاً لدور لبنان إقليمياً في المرحلة المقبلة، انطلاقاً من قناعة مشتركة بين بيروت وواشنطن بأن التحولات التي شهدتها المنطقة مؤخراً فتحت الباب أمام مقاربة مختلفة للملف اللبناني.

وتوضح المصادر أن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى لبنان باعتباره أزمة منفصلة تحتاج إلى إدارة أمنية أو سياسية، بل بات جزءاً من رؤية أشمل لإعادة ترتيب المشرق العربي، تقوم على ربط لبنان وسوريا والعراق بشبكة تعاون في مجالات الأمن والطاقة والنقل والبنية التحتية، بما يرسخ دور مؤسسات الدولة ويحد من عودة النفوذ الإيراني.

في هذا السياق، برز دور المبعوث الأميركي توم باراك، الذي تتحدث المصادر عن توليه عملياً تنسيق المسارات اللبنانية والسورية والعراقية ضمن رؤية واحدة، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة تعاون إقليمي أكثر استقراراً، بعيداً عن صيغ التحالفات العسكرية التقليدية.

وترى واشنطن أن التراجع النسبي للنفوذ الإيراني، والانفتاح العراقي على محيطه العربي، والتحولات التي شهدتها سوريا، تمثل فرصة لإطلاق هذا المشروع، فيما تعتبر أن نجاحه يبقى مرهوناً بقدرة لبنان على استعادة دور مؤسساته، وتحويل الهدوء الأمني إلى تسوية سياسية مستدامة، وهو ما يمنح زيارة عون بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية.

أهداف زيارة عون إلى أمريكا

كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن الرئيس جوزيف عون سيبلغ الإدارة الأميركية أن أي تقدم في تنفيذ اتفاق الإطار أو في مسار تثبيت سلطة الدولة جنوباً يبقى رهناً بإلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، وفي مقدمتها الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي ما تزال تحتلها.

وتوضح المصادر أن الرئاسة اللبنانية تعتبر استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي العقبة الأساسية أمام استكمال التفاهمات الداخلية المرتبطة بحصرية السلاح بيد الدولة، إذ يصعب، وفق هذا التصور، إقناع مختلف القوى اللبنانية بالمضي في تنفيذ الاتفاق بينما لا تزال إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية.

لهذا، سيطلب عون من الرئيس الأميركي الانتقال من مرحلة إدارة المفاوضات إلى مرحلة فرض تنفيذها، عبر ممارسة ضغط مباشر على حكومة نتنياهو لإطلاق المرحلة الثانية من الانسحابات، ومنع تل أبيب من تحويل الاتفاق إلى مسار تفاوضي مفتوح يتيح لها الإبقاء على وجودها العسكري بذريعة المتطلبات الأمنية.

وتشير مصادر دبلوماسية غربية إلى أن واشنطن أصبحت أكثر اقتناعاً بأن استمرار الجمود الميداني يهدد بنسف التفاهمات التي جرى التوصل إليها، لذلك تدفع نحو خطوات عملية تعيد تثبيت الاتفاق على الأرض، بينما يواصل نتنياهو ربط أي انسحاب بالحصول على ترتيبات أمنية إضافية تتعلق بقدرات حزب الله، في ظل حساباته المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية.

اختبار المرحلة الجديدة

بحسب مصادر حكومية لبنانية تحدثت لـ"عربي بوست"، ستحتل خطة إنشاء "المناطق التجريبية" مساحة أساسية في زيارة عون إلى أمريكا، باعتبارها أول اختبار عملي لاتفاق الإطار، وليس مجرد إجراء أمني محدود في جنوب لبنان.

وتؤكد المصادر أن الجيش اللبناني أبلغ الجانب الأميركي جاهزيته الكاملة للانتشار فور تنفيذ أي انسحاب إسرائيلي، وأن خطط الانتشار على الأرض أصبحت مكتملة، فيما يبقى تنفيذها مرتبطاً حصراً بقرار تل أبيب الانسحاب من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها.

وترى الدولة اللبنانية أن نجاح هذه التجربة جنوب الليطاني سيشكل نموذجاً يمكن البناء عليه لاحقاً لتوسيع انتشار الجيش في مناطق أخرى، بما يعزز تدريجياً سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ويحول الاتفاق من تفاهم سياسي إلى واقع ميداني.

في السياق نفسه، سيحمل عون إلى واشنطن ملفاً متكاملاً حول احتياجات المؤسسة العسكرية، يتضمن الدعم اللوجستي والتقني وبرامج التدريب والتجهيز، إضافة إلى تحسين أوضاع العسكريين، انطلاقاً من قناعة لبنانية بأن نجاح الجيش في تنفيذ المهام المنتظرة منه يحتاج إلى تمويل مستدام، وليس إلى مساعدات ظرفية.

وتؤكد المصادر أن واشنطن ما تزال تنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره الركيزة الأساسية لأي ترتيبات أمنية مقبلة، وأنها لا تبحث إجراء أي تغيير في قيادته، خلافاً لما تروج له بعض الأوساط، مشيرة إلى أن الإدارة الأميركية تدعم استمرار التنسيق القائم بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، وتعتبره أحد عناصر استقرار المرحلة المقبلة.

علاقة جديدة بين بيروت ودمشق

لا يقتصر التصور الأميركي للمرحلة المقبلة على تثبيت الهدوء في جنوب لبنان، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين بيروت ودمشق بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها سوريا خلال الفترة الأخيرة، وفق ما أكدته مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست".

إذ إن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية سيكون أحد الملفات الأساسية على طاولة عون وترامب، انطلاقاً من قناعة أميركية بأن استقرار لبنان لن يكتمل من دون إقامة علاقة مستقرة مع دمشق، تقوم على احترام سيادة البلدين، والتنسيق في أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وتنظيم عودة النازحين، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.

وتشدد المصادر على أن واشنطن لا تسعى إلى إعادة إنتاج النفوذ السوري الذي حكم لبنان لعقود، بل تعمل على بناء علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين، ضمن مشروع إقليمي يربط لبنان بسوريا والعراق، ويستند إلى مؤسسات الدولة بدلاً من الأدوار الأمنية التقليدية.

في هذا الإطار، سيؤكد الرئيس عون تمسك بيروت بتطوير العلاقات مع دمشق عبر القنوات الرسمية، مع رفض أي عودة للتدخل العسكري أو الأمني السوري في الشأن اللبناني، وحصر التعاون بين البلدين في الملفات المشتركة، وفي مقدمتها ضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب.

الوجه الإقليمي للمشروع الأميركي

كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" أن الإدارة الأميركية تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكاً أساسياً في إنجاح الترتيبات الجديدة الخاصة بلبنان، مستفيدة من علاقاتها المتقدمة مع دمشق، وقنواتها المفتوحة مع الحكومة اللبنانية وعدد من القوى السياسية.

وترغب واشنطن في أن تضطلع أنقرة بدور سياسي واقتصادي يسهم في تثبيت الاستقرار، وتنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق، ولا سيما في ملفات أمن الحدود، وعودة النازحين، ومنع انتقال أي توتر من الساحة السورية إلى الداخل اللبناني، من دون أن يتحول الحضور التركي إلى نفوذ منفرد أو إلى ساحة تنافس جديدة مع إسرائيل.

ولا تنفصل هذه الرؤية عن البعد الاقتصادي للمشروع الأميركي، إذ تشير المصادر إلى أن ملف الطاقة سيشكل أحد أبرز محاور المحادثات في واشنطن، سواء عبر تشجيع الاستثمارات الأميركية في قطاع النفط والغاز اللبناني، أو من خلال ربط لبنان بمشاريع الطاقة والنقل التي يجري العمل عليها بين العراق وسوريا وتركيا.

وترى واشنطن أن دمج لبنان في هذه الشبكة الاقتصادية سيمنحه فرصة للاستفادة من حركة إعادة الإعمار والتجارة الإقليمية، ويؤسس لاستقرار طويل الأمد يقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة، بالتوازي مع الترتيبات الأمنية التي يجري التفاوض بشأنها ضمن تصور جديد لموقع لبنان داخل معادلات المشرق العربي.

نتنياهو بين الاتفاق والتصعيد

في المقابل، لا تبدو الطريق أمام المشروع الأميركي معبدة بالكامل، إذ تؤكد مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" أن الحسابات السياسية داخل إسرائيل تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المسار الذي تعمل واشنطن على تثبيته في لبنان.

وتوضح المصادر أن نتنياهو ينظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها آخر الملفات الأمنية المفتوحة قبل الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يدفعه إلى محاولة توظيفها سياسياً، سواء عبر التوصل إلى اتفاق يضمن عودة المستوطنين إلى شمال إسرائيل ويقدمه بوصفه إنجازاً أمنياً، أو من خلال فرض وقائع عسكرية جديدة إذا تعثر المسار التفاوضي.

وتخشى الإدارة الأميركية من أن تتحول الحسابات الانتخابية الإسرائيلية إلى عامل تعطيل للترتيبات التي تعمل عليها في لبنان، إذ إن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجنوب اللبناني، بل سيهدد أيضاً مسار إعادة ترتيب العلاقات بين لبنان وسوريا، ويعرقل مشاريع التعاون الاقتصادي والإقليمي التي تسعى واشنطن إلى إطلاقها.

لهذا، تركز الولايات المتحدة حالياً على دفع جميع الأطراف نحو خطوات تنفيذية تمنع العودة إلى المواجهة، انطلاقاً من قناعة بأن تثبيت الاستقرار في لبنان أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل توازنات المنطقة، وليس مجرد ملف ثنائي بين بيروت وتل أبيب.

لبنان أمام اختبار المشروع الأميركي

تجمع المصادر الحكومية اللبنانية والدبلوماسية الغربية التي تحدثت لـ"عربي بوست" على أن نتائج زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن لن تُقاس بحجم المساعدات التي قد يعلن عنها، ولا بالبيانات السياسية التي ستصدر عقب اللقاءات، بل بمدى نجاحها في تحويل الرؤية الأميركية إلى خطوات عملية على الأرض.

فإذا تمكنت واشنطن من دفع إسرائيل إلى تنفيذ الانسحاب، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وإطلاق المرحلة التنفيذية من اتفاق الإطار، بالتوازي مع بناء علاقة مؤسساتية مستقرة بين بيروت ودمشق وإدماج لبنان في مشاريع التعاون الإقليمي، فإن البلاد ستكون أمام مرحلة مختلفة، عنوانها استعادة الدولة تدريجياً لسلطتها، وربط استقرارها بالتحولات التي يشهدها المشرق العربي.

أما إذا بقي الانسحاب الإسرائيلي معلقاً، واستمرت الخلافات حول تنفيذ الاتفاق، أو طغت الحسابات السياسية داخل إسرائيل على الجهود الأميركية، فإن المشروع برمته سيواجه أول اختبار حقيقي، وسيظل لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية، بدلاً من أن يتحول إلى نموذج للتسويات التي تراهن عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب في مرحلة ما بعد الحرب مع إيران.

وبذلك، لا تبدو زيارة عون مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل مفترق طرق قد يحدد شكل الدور الذي سيؤديه لبنان في الخريطة الإقليمية الجديدة، وحدود قدرة الولايات المتحدة على ترجمة رؤيتها السياسية إلى واقع قابل للحياة في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط تعقيداً.

تحميل المزيد