خاص: مصادر تكشف أسباب تحفظ مصر والسعودية على مبادرة بولس بشأن ليبيا، وعلاقة الأمر بحرب السودان

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/17 الساعة 10:47 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/17 الساعة 10:48 بتوقيت غرينتش
مصر تعترض على بعض بنود المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا/ عربي بوست

لم يعد النقاش الدائر حول المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا يقتصر على أسماء الشخصيات المرشحة لإدارة المرحلة المقبلة، أو على شكل الحكومة التي يجري العمل على تشكيلها، بل امتد إلى طبيعة الدولة التي يمكن أن تنتجها هذه التسوية، وما إذا كانت ستنهي فعلاً الانقسام الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد، أم ستعيد إنتاجه داخل مؤسسات رسمية جديدة.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة لـ"عربي بوست" أن مصر والسعودية لا تعارضان المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، لكنهما تتحفظان على الصيغة المطروحة، انطلاقاً من مخاوف من أن تتحول إلى تسوية تمنح مراكز القوة العسكرية والاقتصادية شرعية سياسية جديدة، من دون توفير ضمانات كافية لإخضاعها لمؤسسات الدولة.

هذا التحفظ لا يرتبط فقط بمستقبل السلطة في ليبيا، وإنما يعكس قراءة أوسع للتطورات الإقليمية، إذ تربط القاهرة والرياض نجاح أي تسوية بقدرتها على معالجة تداعيات الحرب في السودان، وتأمين الحدود الجنوبية، والحد من شبكات تهريب السلاح والمقاتلين، وحماية أمن البحر الأحمر، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار ليبيا لن يتحقق بمجرد تشكيل حكومة جديدة، بل ببناء مؤسسات قادرة على فرض سيادتها داخل البلاد وعلى حدودها.

خلاف حول آليات التنفيذ

بحسب المصادر الدبلوماسية، برزت ملامح هذا الموقف خلال الاجتماع الذي استضافته القاهرة في 20 يونيو/ حزيران 2026، وجمع وزير الخارجية المصري ونظيريه السعودي والتركي، إلى جانب مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، حيث شكّل اللقاء محطة أساسية لتبادل الرؤى بشأن مستقبل المبادرة الأمريكية، من دون أن ينتهي إلى توافق كامل حول كيفية تنفيذها.

وتوضح المصادر أن المجتمعين اتفقوا على أن الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن ليبيا تحتاج إلى سلطة تنفيذية موحدة تنهي حالة الازدواجية التي شلت عمل مؤسسات الدولة، إلا أن النقاش تركز على كيفية الوصول إلى هذه النتيجة، والضمانات المطلوبة لمنع تحول المرحلة الانتقالية الجديدة إلى نسخة معدلة من التجارب السابقة.

وبحسب المصادر، لم يصدر عن القاهرة أو الرياض أي رفض للمبادرة الأمريكية، كما لم تعترضا على مبدأ إشراك القوى المؤثرة في المشهد الليبي ضمن أي تسوية سياسية مقبلة، لكنهما شددتا على أن نجاح أي اتفاق لن يقاس بسرعة تشكيل حكومة جديدة، وإنما بمدى قدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري والاقتصادي، وإنهاء حالة تعدد مراكز النفوذ.

وتلفت المصادر إلى أن البيان السعودي الرسمي الصادر عقب الاجتماع اكتفى بالإشارة إلى مشاركة الوزراء الثلاثة ومسعد بولس، من دون الدخول في تفاصيل النقاشات المتعلقة بالمبادرة الأمريكية أو بمستقبل السلطة التنفيذية، وهو ما عكس، بحسب تقديرها، استمرار المشاورات بشأن عدد من الملفات الحساسة التي لم تُحسم بعد، وفي مقدمتها شكل الحكومة المقبلة، وآليات إدارة المؤسسة العسكرية، وطبيعة المرحلة الانتقالية.

وترى القاهرة والرياض، وفق المصادر، أن أي مبادرة لا تتضمن ترتيبات واضحة لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتنظيم إدارة الموارد السيادية، ووضع جدول زمني ملزم للانتخابات، قد تنتهي إلى نقل الانقسام من خارجه إلى داخله، بحيث تصبح السلطة التنفيذية الجديدة إطاراً يجمع القوى المتنافسة، من دون أن يمتلك القدرة على فرض سلطة الدولة أو إنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة.

لهذا السبب، تؤكد مصادر "عربي بوست" أن التحفظ المصري والسعودي على المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا لا يرتبط بصدام حفتر أو بأي شخصية بعينها، وإنما بالسؤال الذي يسبق تشكيل أي حكومة: هل ستخضع القوى العسكرية والسياسية النافذة لسلطة المؤسسات، أم أن المؤسسات نفسها ستصبح خاضعة لتوازنات هذه القوى؟

وتضيف المصادر أن هذا هو جوهر الاختلاف، فبينما تنطلق واشنطن من قناعة بأن إشراك مراكز القوة القائمة يمثل المدخل الأكثر واقعية لإنهاء الانقسام وتجنب العودة إلى المواجهة العسكرية، ترى القاهرة والرياض أن الواقعية السياسية يجب أن تقترن بضمانات مؤسسية تحول دون منح هذه القوى شرعية سياسية إضافية، من دون أن تتخلى عن أدوات نفوذها العسكرية والاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، لا تعارض الدولتان فكرة التوصل إلى تفاهم بين أبرز الفاعلين الليبيين، لكنهما تشددان على أن يكون هذا التفاهم خطوة أولى نحو بناء دولة موحدة، لا صيغة جديدة لتقاسم السلطة. ولذلك، فإن تحفظهما يتركز على آليات التنفيذ أكثر من مبدأ المبادرة نفسه، وعلى قدرة السلطة المقبلة على إدارة البلاد بمؤسساتها، لا بتوازنات القوى التي أفرزها الانقسام خلال السنوات الماضية.

ماذا تريد واشنطن؟

بحسب المصادر الدبلوماسية، تنطلق المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا التي يقودها مسعد بولس من قراءة تعتبر أن الأزمة الليبية وصلت إلى مرحلة يصعب معها تجاوز القوى التي تمتلك النفوذ الفعلي على الأرض، وأن أي محاولة لبناء سلطة تنفيذية جديدة من دون إشراك هذه القوى ستكون عرضة للتعثر أو الانهيار مع أول اختبار سياسي أو أمني.

وتوضح المصادر أن هذه المقاربة تقوم على التعامل مع الواقع القائم، لا مع التصورات النظرية، إذ ترى واشنطن أن إنهاء الانقسام يتطلب جمع أبرز مراكز النفوذ داخل إطار سياسي واحد، بما يسمح بإعادة توحيد المؤسسات التنفيذية والاقتصادية، وتهيئة الظروف لإطلاق مرحلة انتقالية جديدة تنتهي بإجراء انتخابات عامة.

وتنسجم هذه القراءة مع ما كشفته صحيفة "فايننشال تايمز"، التي تحدثت عن تحرك يقوده بولس لإقناع الأطراف الليبية بتشكيل حكومة موحدة تضم ممثلين عن الشرق والغرب، مع منح صدام حفتر دوراً محورياً داخل السلطة الجديدة، باعتبار أن معسكر الشرق أصبح لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأضافت الصحيفة أن المبادرة لا تقتصر على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بل تشمل أيضاً توحيد المؤسسات المالية، وفي مقدمتها الميزانية العامة، بما يسمح بإنهاء حالة الانقسام الإداري، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وتحريك الاقتصاد الليبي الذي تأثر سنوات طويلة بالانقسام السياسي.

كما أشارت وكالة رويترز إلى أن واشنطن كثفت خلال الأشهر الماضية اتصالاتها مع مختلف الأطراف الليبية، في إطار جهودها لدفعهم نحو تسوية سياسية تعيد توحيد مؤسسات الدولة، وتوفر بيئة أكثر استقراراً للاستثمارات الأجنبية، ولا سيما في قطاع النفط.

ولا تنفصل المبادرة الأمريكية عن تحركات إقليمية أوسع، من بينها وساطة باكستانية ساهمت خلال الأشهر الماضية في تقريب وجهات النظر بين عدد من الأطراف المعنية بالملف الليبي، وفي تهيئة مناخ أكثر هدوءاً لمناقشة مستقبل السلطة التنفيذية، إلى جانب المشاورات التي أجرتها واشنطن مع مصر والسعودية وتركيا وعدد من الدول الأوروبية.

وتضيف المصادر أن التصور الأمريكي يتحدث عن مرحلة انتقالية تمتد لنحو 36 شهراً، تتولى خلالها حكومة موحدة إدارة المؤسسات التنفيذية، والعمل على توحيد الأجهزة الإدارية والاقتصادية، تمهيداً للوصول إلى انتخابات عامة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة التي عرفتها ليبيا منذ عام 2011.

إلا أن القاهرة والرياض، وفق المصادر، تتحفظان على عدد من عناصر هذه المقاربة، فهما لا تعارضان إشراك القوى الفاعلة في أي تسوية، لكنهما تخشيان أن يؤدي منحها مواقع متقدمة داخل السلطة الجديدة، قبل إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى تكريس موازين القوى الحالية، بدلاً من نقلها تدريجياً إلى مؤسسات الدولة.

ولهذا السبب، تشدد الدولتان على أن نجاح أي مبادرة لا يقاس بسرعة تشكيل حكومة موحدة، وإنما بقدرتها على توحيد المؤسسة العسكرية، وإدارة الموارد السيادية، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار، بما يمنع تحول السلطة الجديدة إلى مجرد إطار سياسي يجمع القوى المتنافسة، من دون أن يمتلك القدرة على فرض سلطة الدولة أو إنهاء الانقسام بصورة فعلية.

جوهر الأزمة بالنسبة إلى القاهرة

تؤكد المصادر الدبلوماسية أن أحد أهم أسباب التحفظ المصري والسعودي على المبادرة الأمريكية يرتبط بغياب تصور واضح لمعالجة تداعيات الحرب في السودان وانعكاساتها المباشرة على جنوب ليبيا، إذ تعتبر القاهرة أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للحياة إذا بقيت الحدود الجنوبية مفتوحة أمام تهريب السلاح والمقاتلين وتداخل الصراعات الإقليمية.

وبحسب المصادر، تحتل منطقة الكفرة موقعاً محورياً في هذه الحسابات، بحكم وقوعها عند المثلث الحدودي بين ليبيا والسودان وتشاد، وتحولها خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة عبور رئيسية لشبكات تهريب السلاح والوقود والمهاجرين، فضلاً عن ارتباطها بالتطورات العسكرية في إقليم دارفور.

وتنسجم هذه المخاوف مع ما نشرته رويترز بشأن استخدام مناطق في جنوب ليبيا كممرات لوجستية مرتبطة بالحرب السودانية، في ظل استمرار المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وما يرافقها من حركة للمقاتلين والإمدادات عبر الحدود. كما أشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى استمرار تدفق السلاح والمقاتلين عبر جنوب ليبيا، رغم الجهود الدولية الرامية إلى الحد من هذه الظاهرة.

وتضيف المصادر أن تقارير أخرى، من بينها ما نشرته "أسوشيتد برس"، وما ورد في دراسات صادرة عن مؤسسة "سبل السلام"، سلطت الضوء على هشاشة الوضع الأمني في الجنوب الليبي، وعلى تنامي نفوذ شبكات التهريب في منطقتَي الكفرة والعوينات، ما يجعل الجنوب أحد أكثر الملفات حساسية في أي تسوية سياسية مقبلة.

وترى القاهرة، وفق المصادر، أن معالجة الانقسام بين طرابلس وبنغازي لن تكون كافية إذا بقي الجنوب خارج السيطرة الفعلية للدولة، لأن استمرار الفوضى في هذه المنطقة سيؤثر بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري، وسيبقي الحدود مع السودان مفتوحة أمام انتقال السلاح والمقاتلين، فضلاً عن انعكاساته على أمن البحر الأحمر ومسارات التجارة الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، تطرح القاهرة سؤالاً تعتبره أساسياً قبل المضي في أي تسوية: هل ستكون السلطة التنفيذية الجديدة قادرة على فرض سيطرتها على الكفرة والجنوب الليبي، وضبط الحدود، وإنهاء نشاط شبكات التهريب، أم أن هذه المناطق ستظل خاضعة لموازين القوى المحلية والإقليمية نفسها، ما يعني أن المبادرة ستوحد مؤسسات الحكم في الشمال، لكنها ستترك أحد أكثر الملفات الأمنية تعقيداً من دون معالجة حقيقية؟

ماذا تقول القاهرة والرياض؟

لا يقتصر الموقف المصري والسعودي، بحسب المصادر الدبلوماسية، على التحفظات التي أُبلغت إلى الجانب الأمريكي خلال المشاورات الأخيرة، بل يستند أيضاً إلى قراءة أوسع لمسار الأزمة الليبية، تقوم على أن إنهاء الانقسام السياسي لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع إعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والهيئات السيادية.

وفي هذا السياق، يرى الصحفي المصري علاء فاروق أن المقاربة المصرية لا تنطلق من رفض المبادرة الأمريكية، وإنما من تقييم لطبيعة المخاطر التي قد تترتب على تنفيذها إذا لم تقترن بضمانات مؤسسية واضحة. ويقول إن القاهرة تنظر إلى ليبيا باعتبارها امتداداً مباشراً لأمنها القومي، ولذلك تضع في مقدمة أولوياتها توحيد المؤسسة العسكرية، وضبط الحدود، وإنهاء حالة تعدد مراكز القرار، قبل الانطلاق نحو أي ترتيبات سياسية طويلة الأمد.

ويضيف فاروق أن التجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات السياسية التي لم تستند إلى مؤسسات قادرة على فرض القانون سرعان ما أعادت إنتاج الانقسام، ولذلك فإن تشكيل حكومة موحدة، على أهميته، لن يكون كافياً إذا بقي القرار الأمني والعسكري موزعاً بين مراكز نفوذ متعددة.

وفيما يتعلق بصدام حفتر، يرى فاروق أن التحفظ المصري لا يرتبط بمجرد دخوله إلى السلطة، بل بوضعه في موقع متقدم قبل توحيد المؤسسة العسكرية.

وأضاف أن تولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي أو موقعاً مماثلاً قد يمنحه، بحسب الصيغة القانونية التي ستُعتمد، موقع القائد الأعلى للجيش وصلاحيات مؤثرة في العمليات العسكرية والملفات الحدودية، ومنها التحركات المتصلة بالسودان.

كما يلفت إلى أن الجنوب الليبي أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، بفعل ارتباطه بالحرب في السودان، وبحركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وهو ما يجعل أي سلطة جديدة مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سيادتها في هذه المناطق، لا الاكتفاء بإدارة التوازنات السياسية في طرابلس وبنغازي.

ويؤكد الصحفي المصري، لـ"عربي بوست"، أن القاهرة لا تطرح مبادرة بديلة، وقد تدعم المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا إذا تضمنت جدولاً واضحاً لانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، وسبقتها تسوية سياسية شاملة وتوحيد للمؤسسات والجيش والمناصب السيادية، إلى جانب إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، ما يسمح بإجراء الانتخابات في بيئة مستقرة.

وبحسب المصادر، يتقاطع هذا التقدير مع الرؤية السعودية، التي لا تعارض، من حيث المبدأ، توحيد السلطة التنفيذية أو دعم الجهود الأمريكية، لكنها ترى أن أي مرحلة انتقالية يجب أن تقود إلى مؤسسات تمتلك القرار السيادي، لا إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة على الأرض.

وفي الإطار نفسه، يرى الباحث السعودي مالك الروقي أن المبادرات الدولية الخاصة بليبيا حققت خلال السنوات الماضية اختراقات سياسية محدودة، لكنها لم تنجح في بناء مؤسسات مستقرة، لأن معظمها انطلق من التوافق بين الشخصيات والقوى النافذة، أكثر من انطلاقه من مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة.

ويؤكد الروقي أن استقرار ليبيا لن يتحقق بمجرد تشكيل حكومة جديدة، وإنما بقدرتها على إدارة الموارد السيادية، وضبط الحدود، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتكررة، وتنقل البلاد إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي.

وتخلص المصادر إلى أن هذا هو جوهر التحفظ المصري والسعودي على المبادرة الأمريكية، فالقاهرة والرياض لا تعارضان إشراك القوى المؤثرة في أي تسوية، لكنهما تشددان على أن يكون ذلك جزءاً من عملية تنقل النفوذ تدريجياً إلى مؤسسات الدولة، لا وسيلة لمنح هذه القوى شرعية سياسية إضافية مع احتفاظها بأدوات القوة نفسها.

هل توحد المبادرة ليبيا؟

رغم الحراك السياسي الذي تقوده واشنطن، يرى عدد من الباحثين أن نجاح المبادرة لن يتحدد فقط بقدرتها على جمع الفرقاء الليبيين داخل سلطة تنفيذية واحدة، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذا التوافق إلى مشروع لبناء الدولة، لا مجرد إعادة تنظيم العلاقة بين مراكز النفوذ القائمة.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون شمال أفريقيا جلال حرشاوي أن المقاربة الأمريكية تنطلق من منطق براغماتي، يقوم على التعامل مع موازين القوى كما هي، ومحاولة احتوائها داخل إطار سياسي واحد، بدلاً من انتظار تهيئة ظروف مثالية قد لا تتوافر في المستقبل القريب.

ويشير حرشاوي إلى أن هذا النهج قد ينجح في خفض مستوى التوتر ووقف حالة الانقسام المؤسسي، لكنه يطرح، في المقابل، سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بمن سيسيطر فعلياً على مؤسسات الدولة بعد تشكيل السلطة الجديدة، وهل ستصبح هذه المؤسسات قادرة على احتواء القوى المسلحة، أم ستبقى خاضعة لتوازناتها؟

ويضيف أن إشراك القوى الأكثر نفوذاً قد يكون خطوة ضرورية لإنجاح المرحلة الانتقالية، لكن ذلك يظل محفوفاً بالمخاطر إذا لم يترافق مع برنامج واضح لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ونقل أدوات القوة تدريجياً إلى مؤسسات الدولة، بحيث لا تتحول الشرعية السياسية الجديدة إلى غطاء دائم لموازين القوى القائمة.

ومن جانبه، يرى الباحث الأمريكي كاميرون هدسون أن معظم المبادرات الدولية المتعلقة بليبيا ركزت على إنتاج توافقات سياسية سريعة، لكنها لم تمنح الاهتمام الكافي لبناء المؤسسات، وهو ما يفسر تعثر عدد من الاتفاقات السابقة رغم الدعم الدولي الذي حظيت به.

ويشير هدسون إلى أن المرحلة الانتقالية الجديدة يجب أن ترتبط بخريطة طريق واضحة نحو الانتخابات، وألا تتحول إلى مرحلة مفتوحة زمنياً تعيد إنتاج الحكومات الانتقالية التي عرفتها ليبيا خلال السنوات الماضية.

كما يحذر من أن أي سلطة لا تمتلك السيطرة على المؤسسة العسكرية والحدود والموارد السيادية ستبقى عاجزة عن فرض سيادة الدولة، حتى لو حصلت على اعتراف دولي واسع.

مستقبل المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا

تخلص المصادر الدبلوماسية إلى أن الخلاف القائم بين واشنطن من جهة، والقاهرة والرياض من جهة أخرى، حول تفاصيل المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، لا يتعلق بضرورة إنهاء الانقسام الليبي، وإنما بالطريق المؤدي إلى ذلك.

فبينما تراهن الولايات المتحدة على أن جمع مراكز القوة داخل سلطة تنفيذية واحدة سيمثل مدخلاً واقعياً للاستقرار، ترى مصر والسعودية أن هذه المقاربة تحتاج إلى ضمانات مؤسسية تحول دون انتقال النفوذ العسكري والاقتصادي إلى داخل أجهزة الدولة من دون تغيير حقيقي في طبيعة السلطة.

وبذلك، لا يبدو أن مستقبل المبادرة الأمريكية سيتحدد فقط بقدرتها على تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب، أو بتشكيل حكومة جديدة، بل بالإجابة عن السؤال الذي يطرح نفسه في جميع النقاشات الإقليمية والدولية حول ليبيا: هل ستنجح هذه المبادرة في بناء دولة موحدة، أم إنها ستمنح مراكز القوة القائمة إطاراً سياسياً جديداً يعيد إنتاج الانقسام بصورة مختلفة؟

وبالنسبة إلى القاهرة والرياض، فإن معيار النجاح لن يكون سرعة ولادة السلطة التنفيذية، وإنما قدرتها على نقل ليبيا من مرحلة إدارة التوازنات بين القوى المتنافسة إلى مرحلة بناء دولة تمتلك مؤسسات فاعلة، وهو التحدي الذي سيحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا ستشكل بداية لحل مستدام، أم مجرد محطة جديدة في مسار الأزمة الليبية.

تحميل المزيد