أول زيارة لوزير دفاع مصري إلى تركيا منذ 13 عاماً: توسيع للتعاون الدفاعي، فما الذي يعنيه بالنسبة إلى المنطقة؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/16 الساعة 14:50 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/16 الساعة 14:50 بتوقيت غرينتش
لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري/ عربي بوست

كشفت مصادر عسكرية مطلعة لـ"عربي بوست" أن الزيارة التي يجريها وزير الدفاع المصري الفريق أشرف زاهر إلى أنقرة، وهي الأولى لوزير دفاع مصري منذ 13 عاماً، تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا، تتجاوز تبادل الزيارات والتدريبات المشتركة إلى بناء شراكة دفاعية أوسع تشمل التصنيع العسكري، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعلومات، والتنسيق في عدد من الملفات الإقليمية.

وبحسب المصادر، فإن توقيع "خطاب النوايا" للتعاون الدفاعي يعكس انتقال العلاقات بين البلدين من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة التعاون العملي، في ظل تسارع وتيرة التنسيق السياسي والعسكري خلال العامين الماضيين، وتنامي القناعة لدى القاهرة وأنقرة بضرورة بناء مقاربة مشتركة للتعامل مع التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى تداعيات الحروب والصراعات الإقليمية.

ولا تقتصر الزيارة على بحث ملفات التعاون العسكري المباشر بين مصر وتركيا، بل تؤسس لمسار استراتيجي أوسع يهدف إلى توسيع قاعدة التصنيع الدفاعي المشترك، وفتح أسواق جديدة للصناعات العسكرية، وتعزيز التنسيق بين اثنين من أكبر جيوش المنطقة، بما يعكس رغبة مشتركة في تطوير شراكة طويلة الأمد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم.

ماذا تعني زيارة وزير الدفاع المصري إلى تركيا؟

بحسب مصدر عسكري مطلع تحدث إلى "عربي بوست"، فإن زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف زاهر إلى أنقرة لا تكتسب أهميتها من كونها الأولى لوزير دفاع مصري منذ 13 عاماً فحسب، وإنما لأنها تمثل بداية مرحلة جديدة من التعاون العملي بين البلدين، بعد أشهر من الزيارات المتبادلة بين الوفود العسكرية، والاجتماعات التي مهدت للانتقال من استعادة العلاقات إلى بناء شراكة دفاعية أكثر عمقاً.

ويقول المصدر إن توقيت الزيارة يعكس رغبة مشتركة لدى القاهرة وأنقرة في توسيع مجالات التعاون العسكري، بحيث لا تقتصر على التدريبات المشتركة، وإنما تمتد إلى التصنيع الدفاعي، وتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز التنسيق الاستخباراتي، إلى جانب توحيد الرؤى بشأن عدد من التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراعات الإقليمية.

وفي هذا الإطار، وقّع وزير الدفاع المصري أشرف زاهر ونظيره التركي يشار غولر "خطاب نوايا" بشأن التعاون الدفاعي، كما عقد الوزيران اجتماعاً ثنائياً أعقبه اجتماع موسع لوفدي البلدين في مقر وزارة الدفاع التركية، تناول العلاقات العسكرية وسبل تطوير التعاون في مجالات التدريب المشترك، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات.

وبحسب المصدر، لم تقتصر المباحثات على الملفات العسكرية المباشرة، بل شملت أيضاً عدداً من القضايا الاستراتيجية بين مصر وتركيا، من بينها تأمين المصالح المشتركة في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وحماية خطوط الملاحة الدولية، وهي ملفات باتت تشكل أولوية مشتركة للبلدين في ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وتناول جانبٌ مهم من المحادثات توسيع قاعدة الإنتاج الدفاعي المشترك، سواء داخل مصر أو تركيا، مع بحث فرص التعاون في تصنيع الطائرات المسيّرة، والمدرعات، والعربات القتالية، والسفن الحربية، وأنظمة الرادارات، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، بما يعكس توجهاً نحو بناء شراكة صناعية طويلة الأمد، وليس الاكتفاء بصفقات شراء أو تعاون تقني محدود.

كما ناقش الجانبان، وفق المصدر، الجوانب التجارية المرتبطة بالصناعات الدفاعية، بما في ذلك فتح أسواق تصديرية جديدة في إفريقيا والشرق الأوسط، ووضع سلاسل توريد مشتركة، ورسم خرائط لبناء القدرات الصناعية، إلى جانب بحث إمكانية إبرام صفقات تسليح متبادلة بين البلدين، بما يعزز التعاون الاقتصادي والعسكري في آن واحد.

ويؤكد المصدر أن مصر وتركيا اتفقتا كذلك على زيادة وتيرة التدريبات العسكرية المشتركة، وتوسيع برامج نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية في مجال الصناعات الدفاعية، بما يسهم في تعزيز القدرات القتالية وتطوير التصنيع العسكري المحلي.

وتشمل مجالات التعاون المحتملة تطوير طائرات "بيرقدار" و"أنكا"، ومركبات "كيربي" و"كوبرا 2″، إلى جانب استفادة تركيا من الخبرة المصرية المتنامية في إنتاج الذخائر والقنابل الموجهة، في إطار رؤية مشتركة تهدف إلى تقليل الاعتماد على استيراد السلاح، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية.

ويرى المصدر أن الزيارة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز التعاون العسكري المباشر بين مصر وتركيا، وهو ما تعكسه أيضاً المباحثات التي أجراها الوزير المصري مع رئاسة الصناعات الدفاعية التركية.

إذ إن التنسيق بين جيشين يُعدّان من الأكبر والأكثر تسليحاً في المنطقة يمكن أن ينعكس على موازين القوى الإقليمية، في ظل الموقع الجغرافي الذي تتمتع به مصر على البحرين المتوسط والأحمر، والدور المتنامي لتركيا في الصناعات الدفاعية، بما يمنح البلدين فرصاً أوسع لبناء شراكة استراتيجية تمتد آثارها إلى ملفات الأمن الإقليمي والتصنيع العسكري معاً.

من نقل التكنولوجيا إلى بناء قاعدة إنتاج مشتركة

بحسب المصدر العسكري، فإن أحد أبرز محاور المباحثات بين مصر وتركيا تمثل في الانتقال بالتعاون الدفاعي من مرحلة التدريب وتبادل الخبرات إلى مرحلة الإنتاج العسكري المشترك، بما ينسجم مع توجه البلدين نحو توسيع قاعدة التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على استيراد الأسلحة.

ويقول المصدر إن الجانبين بحثا فرص التعاون في عدد من الصناعات الدفاعية، من بينها الطائرات المسيّرة، والمدرعات، والعربات القتالية، والسفن الحربية، وأنظمة الرادارات والدفاع الجوي، إضافة إلى أنظمة الحرب الإلكترونية، مع العمل على وضع سلاسل توريد مشتركة، وتبادل الخبرات التكنولوجية، ورسم خرائط لبناء القدرات الصناعية لدى البلدين.

ويضيف أن التعاون قد يشمل تطوير طائرات "بيرقدار" و"أنكا"، ومركبات "كيربي" و"كوبرا 2″، في مقابل استفادة تركيا من الخبرة المصرية المتنامية في إنتاج الذخائر والقنابل الموجهة، بما يعزز القدرات التصنيعية للطرفين، ويفتح المجال أمام إنتاج مشترك يخدم احتياجاتهما الدفاعية.

كما ناقش الجانبان، وفق المصدر، الجوانب التجارية المرتبطة بهذه الشراكة، وفي مقدمتها فتح أسواق جديدة للصناعات العسكرية في إفريقيا والشرق الأوسط، بما يسمح بزيادة خطوط الإنتاج المشتركة، ويمنح القاهرة وأنقرة فرصاً أوسع للتوسع في الصناعات الدفاعية خارج أسواقهما التقليدية.

ويؤكد المصدر أن هذا التعاون يحقق مكاسب متبادلة للطرفين، فتركيا تستفيد من الموقع الجغرافي لمصر وشبكة علاقاتها داخل العالم العربي والقارة الإفريقية، بما يسهل دخول منتجاتها الدفاعية إلى أسواق جديدة، كما تستفيد من التوسع الذي تشهده مصر في إنشاء المناطق الصناعية العسكرية.

في المقابل، تستفيد القاهرة من التطور الكبير الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية، ومن نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية، إلى جانب تنويع مصادر التسليح وتقليل الاعتماد على موردين تقليديين.

من استعادة العلاقات إلى شراكة عسكرية متصاعدة

لا يأتي هذا التقارب، وفق المعطيات الرسمية، بمعزل عن المسار الذي شهدته العلاقات المصرية – التركية منذ عام 2023، بعد عودة العلاقات السياسية إلى طبيعتها وتبادل الزيارات بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، وهو ما انعكس تدريجياً على مستوى التعاون العسكري.

وتعد زيارة وزير الدفاع المصري إلى أنقرة امتداداً لسلسلة من الخطوات التي مهدت لهذا المسار، إذ كانت أول زيارة لمسؤول عسكري مصري رفيع بعد سنوات القطيعة في عام 2024، عندما زار رئيس أركان الجيش المصري السابق أسامة عسكر تركيا بدعوة من نظيره التركي آنذاك متين غوراك، قبل أن يجري رئيس الأركان الحالي الفريق أحمد خليفة زيارة رسمية إلى تركيا في مايو/ أيار 2025، شهدت انعقاد أول اجتماع للحوار العسكري رفيع المستوى بين البلدين، مع الاتفاق على عقده بصورة سنوية.

وخلال الفترة نفسها، تطور التعاون في مجال الصناعات الدفاعية بصورة ملحوظة، إذ استأنف البلدان مناورات "بحر الصداقة" البحرية، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، إضافة إلى مشروع المقاتلة التركية من الجيل الخامس "كآن"، وتوطين بعض تقنياتها.

كما شهد معرض القاهرة الدولي للصناعات الدفاعية "إيديكس 2025" مشاركة لافتة للصناعات العسكرية التركية، حيث قدمت الطائرة القتالية الخفيفة "حرجيت" عرضاً جوياً، إلى جانب عرض نماذج من طائرات "بيرقدار" المسيّرة، في خطوة عكست مستوى الانفتاح المتزايد بين البلدين في قطاع الصناعات الدفاعية.

وتعزز هذا المسار بتوقيع مذكرة تفاهم في أغسطس/ آب 2025 بين الهيئة العربية للتصنيع وشركة "هافيلسان" التركية، للإنتاج المشترك للطائرة المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي VTOL UAV داخل مصنع "قادر" للصناعات المتطورة، بهدف توطين تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في مصر.

وتتميز هذه المنصة بقدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة في البيئات المعقدة، مع أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات في الوقت الفعلي، ما يجعلها مناسبة لمهام مراقبة الحدود وجمع المعلومات الاستخباراتية.

وسبق ذلك، في مارس/ آذار 2025، توقيع اتفاقية تعاون بين "هافيلسان" ومصنع "قادر" لإنتاج مركبات أرضية غير مأهولة بدعم فني وترخيص من الجانب التركي، بينما شهدت الأشهر الأخيرة تكثيفاً للتدريبات العسكرية المشتركة، من بينها مناورات "العُقاب الذهبي"، إضافة إلى التدريب الجوي المشترك الذي استضافته مصر، ثم المناورات الجوية الثلاثية التي جمعت، للمرة الأولى، مصر وتركيا وأذربيجان.

ماذا يعني التقارب العسكري بين مصر وتركيا للمنطقة؟

يرى محلل سياسي مصري متخصص في الشأن التركي، تحدث إلى "عربي بوست"، أن التطور المتسارع في العلاقات المصرية – التركية، ولا سيما على المستوى العسكري والأمني، يعكس انتقال التعاون بين البلدين إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتجاوز إدارة المصالح الثنائية إلى بناء حالة من الانسجام الجيوسياسي في عدد من الملفات الإقليمية.

ويقول المحلل إن الانفتاح على التعاون العسكري يحمل دلالات خاصة، باعتباره أحد أكثر ملفات العلاقات الثنائية حساسية، ويعكس وجود إرادة سياسية لدى القاهرة وأنقرة لتأسيس شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تنسيق المواقف تجاه التحديات الأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط، في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها أزمات المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب تقديره، يمكن لهذا التقارب أن ينعكس إيجاباً على عدد من الملفات الإقليمية، من خلال المساهمة في بناء هيكل أمني واستراتيجي أكثر تماسكاً، يعتمد على مقاربات تنبع من دول المنطقة نفسها، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي أسهمت، خلال السنوات الماضية، في تعقيد الصراعات الإقليمية.

ويشير إلى أن المنطقة بدأت تشهد مؤشرات على تشكل محور للتنسيق بين مصر وتركيا، إلى جانب دول مثل السعودية وباكستان، انطلاقاً من إدراك مشترك لتزايد المخاطر الإقليمية، سواء المرتبطة بحالة السيولة الجيوسياسية، أو بتداعيات التدخلات الخارجية، فضلاً عن المخاوف من اتساع نطاق التوترات بعد الحرب الإسرائيلية – الإيرانية وانعكاساتها على أمن المنطقة.

ويؤكد المحلل، في الوقت نفسه، أن هذا التنسيق لا يستهدف إنشاء تحالف عسكري بالمعنى التقليدي، وإنما يهدف إلى تعزيز قدرة دول الإقليم على حماية أمنها الجماعي، والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، في مواجهة محاولات إضعاف الدول وتفكيك جيوشها، باعتبار أن الجيوش الوطنية تمثل خط الدفاع الأول أمام أي تهديدات تمس استقرار المنطقة.

ويلفت إلى وجود تقارب واضح في مواقف القاهرة وأنقرة تجاه عدد من القضايا، من بينها رفض عسكرة البحر الأحمر، وتأمين الملاحة الدولية، ومكافحة القرصنة، إضافة إلى التوافق بشأن الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية، وهو ما يمثل أولوية بالنسبة إلى مصر ويحظى، في الوقت نفسه، بدعم واضح من الجانب التركي.

كما يرى أن مستوى التقارب السياسي والعسكري الحالي قد يمنح القاهرة فرصة للعب دور في تخفيف حدة التوتر بين تركيا وكل من قبرص واليونان، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، بما يعزز فرص الحوار ويحد من الاستقطابات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط.

ويتوقع المحلل أن يستمر مسار التعاون العسكري بين البلدين خلال المرحلة المقبلة، مع التركيز على توسيع التصنيع العسكري المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات، وتطوير برامج التدريب، وإجراء مناورات بحرية وجوية بصورة دورية، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر رسوخاً في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

علامات:
تحميل المزيد