كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة أن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى إسطنبول ولقاءه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا تندرج في إطار العلاقات التركية اللبنانية التقليدية، بل تمثل بداية تحرك تركي أوسع تجاه لبنان، بعد أشهر من المشاورات التي أجرتها أنقرة مع دمشق وواشنطن وعدد من العواصم العربية، إلى جانب اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين.
وبحسب مصادر "عربي بوست"، فإن أنقرة ترى أن التحولات التي شهدتها المنطقة بعد الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، وسقوط النظام السوري السابق، وبدء النقاش حول ترتيبات جنوب لبنان، أوجدت واقعاً جديداً يجعل استقرار لبنان جزءاً من إعادة رسم التوازنات في المشرق، لا ملفاً منفصلاً عن التطورات في سوريا وشرق المتوسط.
وتضيف المصادر، التي تحدثت مفضلة عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع، أن القيادة التركية ستطرح خلال اللقاء رؤية جديدة لدور أنقرة في لبنان، تقوم على ربط الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية ضمن مقاربة واحدة، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار لبنان أصبح جزءاً من التوازنات الجديدة التي تتشكل في المشرق.
لماذا تعود تركيا إلى لبنان الآن؟
التحرك التركي تجاه لبنان لا يرتبط بتطور لبناني آني، بقدر ما يعكس قراءة أنقرة للتحولات التي شهدتها المنطقة خلال العام الأخير. فالحرب الإسرائيلية-الإيرانية، وما تبعها من إعادة فتح ملفات البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل سوريا وغزة ولبنان وأمن شرق المتوسط، دفعت أنقرة إلى إعادة تقييم موقعها في هذه الترتيبات.
وبحسب المصدر الحكومي اللبناني، فإن القيادة التركية تعتبر أن السنوات الماضية سمحت لإسرائيل بتوسيع نفوذها في رسم الترتيبات الأمنية الإقليمية، مستفيدة من الانقسامات العربية، وتراجع النفوذ الإيراني، وتعثر عدد من المبادرات السياسية.
لكن سقوط النظام السوري السابق، وقيام سلطة جديدة في دمشق تربطها علاقات وثيقة بتركيا، منح صناع القرار الأتراك فرصة لإعادة بناء توازن إقليمي يحد من احتكار إسرائيل لإدارة ملفات المنطقة.
من هذا المنطلق، لم تعد تركيا تنظر إلى لبنان باعتباره ساحة منفصلة، وإنما امتداداً للاستقرار الذي تسعى إلى تثبيته في سوريا. فنجاح المرحلة الجديدة في دمشق، وفق التقدير التركي، سيظل منقوصاً إذا بقي لبنان يعيش أزمات سياسية وأمنية مستمرة، أو إذا ظلت الحدود اللبنانية-السورية عرضة للتوتر والتهريب والاضطرابات العسكرية.
ويضيف المصدر أن هذا التصور دفع أنقرة إلى بلورة رؤية متكاملة للملف اللبناني، جرى بحثها خلال الأشهر الماضية مع عدد من العواصم العربية والغربية، وتستند إلى الربط بين المسارات الأمنية والسياسية والاقتصادية، باعتبار أن معالجة كل ملف بصورة منفصلة ستقود إلى تسويات ناقصة يصعب الحفاظ عليها.
وتقوم هذه الرؤية على 3 مسارات متوازية: تثبيت الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة لأي ترتيبات أمنية، وإطلاق مسار سياسي داخلي لمعالجة ملف سلاح حزب الله في إطار اتفاق الطائف، بعيداً عن الضغوط العسكرية أو فرض الوقائع بالقوة.
وبحسب المصدر، ترى تركيا أن معالجة هذه الملفات بصورة منفصلة ستؤدي إلى إفشال أي تسوية، لذلك تربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار لبنان لا يتحقق بالترتيبات العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى إدماجه في مشاريع التنمية الإقليمية، وربطه بمسارات الطاقة والنقل والاستثمار التي يجري العمل عليها بين تركيا وسوريا ودول الخليج وشرق المتوسط.
وتنظر أنقرة أيضاً إلى لبنان من زاوية اقتصادية واستراتيجية، إذ إن مشاريع الربط بين الخليج وسوريا ثم تركيا وأوروبا، سواء عبر شبكات النقل أو الطاقة أو المرافئ، تجعل من لبنان جزءاً من هذه المنظومة. وترى أن بقاءه خارجها، أو تحوله إلى ساحة صراع مفتوح، سيؤثر سلباً في الرؤية الاقتصادية التي تعمل على تطويرها مع شركائها الإقليميين.
الجنوب وسلاح حزب الله في صلب المحادثات
بحسب المصدر الحكومي اللبناني، لن يقتصر جدول أعمال لقاء أردوغان وسلام على العلاقات الثنائية، بل سيركز بصورة أساسية على مستقبل الوضع في جنوب لبنان، والمسار السياسي والأمني المرتبط باتفاق الإطار، إضافة إلى مستقبل العلاقات اللبنانية-السورية.
ويقول المصدر لـ"عربي بوست" إن رئيس الحكومة اللبنانية سيستمع إلى تقييم تركي مفصل لمسار المفاوضات الجارية، وللمواقف الأمريكية والإسرائيلية، وللهوامش التي تعتقد أنقرة أنه لا يزال بالإمكان استثمارها قبل انتقال المفاوضات إلى مراحل أكثر تعقيداً.
وترى تركيا أن إسرائيل تسعى إلى استغلال المفاوضات لفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنحها حرية حركة واسعة داخل الجنوب اللبناني، وهو ما تتحفظ عليه أنقرة، لأنها ترى أن أي اتفاق لا ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل سيبقى مصدراً دائماً للتوتر، وسيؤسس لجولة جديدة من المواجهة بدلاً من إنهاء أسبابها.
في المقابل، ستؤكد القيادة التركية أن معالجة ملف سلاح حزب الله لا يمكن أن تنجح إذا بقيت منفصلة عن بقية عناصر التسوية. فأنقرة ترى أن أي تقدم في هذا الملف يجب أن يبدأ بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ثم تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وصولاً إلى إطلاق حوار لبناني داخلي يستند إلى اتفاق الطائف، بعيداً عن الضغوط العسكرية أو محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة.
العلاقات مع سوريا والشراكة الاقتصادية
إلى جانب الملفات الأمنية، سيبحث الجانبان، بحسب المصدر، مستقبل العلاقات اللبنانية-السورية في ضوء التفاهمات القائمة بين أنقرة ودمشق.
وترى تركيا أن تنظيم العلاقة بين الدولتين عبر المؤسسات الرسمية سيشكل أحد ركائز الاستقرار في المشرق، سواء في ما يتعلق بضبط الحدود، أو مكافحة التهريب، أو التعاون الاقتصادي، أو إدارة ملف عودة اللاجئين السوريين.
ويضيف المصدر أن الجانب الاقتصادي سيحضر بقوة في المحادثات، إذ ستعرض أنقرة استعدادها لتوسيع استثماراتها في لبنان، والمساهمة في مشاريع إعادة إعمار المناطق المتضررة، إلى جانب بحث فرص التعاون في مجالات الطاقة، وتطوير المرافئ، وربط لبنان بالمشاريع الإقليمية للنقل والسكك الحديدية التي تعمل تركيا على تنفيذها بالتنسيق مع سوريا وعدد من الدول العربية.
ويؤكد المصدر أن أنقرة تنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها جزءاً من رؤية أشمل تربط الأمن بالتنمية، وتقوم على إعادة دمج لبنان في محيطه الاقتصادي، بالتوازي مع تثبيت الاستقرار السياسي والأمني.
ومن هذا المنطلق، لا تتعامل تركيا مع زيارة نواف سلام باعتبارها محطة دبلوماسية عابرة، بل كبداية لمسار سياسي واقتصادي أوسع تسعى من خلاله إلى ترسيخ حضورها في لبنان، ضمن مقاربة تربط بين استقرار بيروت ودمشق، ومستقبل التوازنات في شرق المتوسط.