من إسقاط الاتفاق إلى منع شرعنته.. حزب الله وبري يعيدان رسم استراتيجيتهما لمواجهة اتفاق الإطار مع إسرائيل

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/06 الساعة 17:46 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/06 الساعة 17:46 بتوقيت غرينتش
اتفاق الإطار مع إسرائيل أثار انقسامات داخل لبنان/ عربي بوست

كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة، وأخرى مقربة من حزب الله، لـ"عربي بوست" أن النقاش داخل الثنائي الشيعي لم يعد يدور حول إسقاط اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، بل حول كيفية منعه من التحول إلى مرجعية سياسية ودستورية ملزمة للدولة اللبنانية.

ويأتي ذلك، وفق ما ذكرته مصادر "عربي بوست"، بعدما أظهرت مراجعات داخلية واتصالات مع قوى سياسية لبنانية من اتجاهات مختلفة أن موازين القوى الداخلية والإقليمية لم تعد تسمح بخوض مواجهة سياسية واسعة لإسقاط اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، كما حدث مع اتفاق 17 مايو/ أيار 1983.

وبحسب المصادر، فإن سلسلة المشاورات التي أجراها الثنائي الشيعي خلال الأسابيع الماضية قادت إلى إعادة تقييم أولوياته السياسية، بعدما تبين أن غالبية القوى المتحفظة على الاتفاق لا تعارضه بصورة مطلقة، وإنما تركز اعتراضاتها على بعض بنوده وآليات تنفيذه، كما أنها لا تبدي استعداداً للدخول في مواجهة مفتوحة مع السلطة أو المجتمع الدولي.

وهو ما دفع حزب الله وحركة أمل إلى الانتقال من استراتيجية إسقاط الاتفاق إلى العمل على الحد من آثاره السياسية والقانونية، ومنع اكتسابه شرعية دستورية يمكن البناء عليها مستقبلاً.

وفي هذا السياق، برزت مقاربة جديدة يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، تقوم على إدارة الاعتراض من داخل المؤسسات الدستورية، بالتوازي مع مقاربة يعتمدها حزب الله تفصل بين المسار السياسي والمسار الميداني، في وقت زادت فيه التسريبات المتعلقة بالملحق الأمني للاتفاق المخاوف لدى معارضيه، بعدما اعتبروها تنقل مركز الالتزامات من إسرائيل إلى الدولة اللبنانية.

لماذا تراجع خيار إسقاط الاتفاق؟

لم يعد السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية اللبنانية هو كيفية إسقاط اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، بل كيفية الحد من مفاعيله السياسية والقانونية. فبحسب مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست"، أجرى الثنائي الشيعي، خلال الفترة الماضية، سلسلة مراجعات داخلية واتصالات مع شخصيات وقوى سياسية من اتجاهات مختلفة، لقياس إمكان بناء اعتراض سياسي واسع على الاتفاق.

وتقول المصادر إن هذه المشاورات أظهرت أن غالبية القوى المتحفظة لا ترغب في خوض مواجهة مفتوحة مع السلطة أو مع المجتمع الدولي، وأن اعتراضها يتركز على بعض البنود وآليات التنفيذ أكثر من رفض مبدأ الاتفاق بصورة مطلقة.

هذا الواقع، وفق المصادر، دفع قيادة الثنائي إلى إعادة تقييم أولوياتها، والانتقال من منطق إسقاط الاتفاق إلى استراتيجية تقوم على تجريده من أي شرعية دستورية، والإبقاء عليه في حدود إطار سياسي لم يكتسب بعد قوة الإلزام القانونية.

وتؤكد مصادر مقربة من حزب الله أن النقاش داخل أوساط الثنائي انتقل بالفعل من سؤال: "كيف يمكن إسقاط الاتفاق؟" إلى سؤال أكثر واقعية: "كيف يمكن منع تحوله إلى أمر واقع؟". فالاتصالات التي أجريت مع قوى سياسية وشخصيات معارضة أظهرت، بحسب المصادر، عدم وجود أي كتلة سياسية مستعدة لتحمل كلفة مواجهة شاملة مع السلطة أو مع البيئة الدولية الداعمة لمسار التفاوض.

ولم يكن هذا التحول، بحسب المصادر، نتيجة موازين القوى الداخلية فقط، بل جاء أيضاً نتيجة قراءة أوسع للبيئة الإقليمية. فقد أظهرت النقاشات التي دارت بين القوى اللبنانية أن عدداً من الدول العربية، رغم تحفظه على بعض مضامين الاتفاق وآليات تنفيذه، لا يعارض مبدأ التفاوض مع إسرائيل، وإنما يركز على مسألة الضمانات والالتزامات المتبادلة.

وترى المصادر أن هذه القراءة أسقطت عملياً الرهان على وجود غطاء عربي لأي مواجهة لبنانية تهدف إلى إسقاط الاتفاق، وهو ما دفع المعترضين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، والانتقال إلى استراتيجية طويلة الأمد تقوم على استنزاف الاتفاق سياسياً وقانونياً، بدلاً من خوض معركة خاسرة لإسقاطه دفعة واحدة.

بري يعيد رسم قواعد المواجهة

في موازاة المراجعات التي أجراها الثنائي الشيعي، برز رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه صاحب المقاربة الأكثر ميلاً إلى إدارة الاعتراض من داخل المؤسسات الدستورية، بدلاً من الدفع نحو تشكيل جبهة سياسية جديدة لإسقاط الاتفاق.

وبحسب مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست"، اتجهت تحركات بري إلى إبقاء النقاش محصوراً في الإطارين الدستوري والقانوني، انطلاقاً من قناعة بأن الاتفاق لم يستكمل مساره الدستوري داخل لبنان، إذ لم يُعرض على المؤسسات المختصة لإقراره، وهو ما يفتح الباب أمام الطعن في مدى إلزاميته القانونية.

وتُظهر اللقاءات التي عقدها بري مع عدد من القيادات السياسية، ومن بينهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إضافة إلى اتصالاته مع وليد جنبلاط، أن الهدف لم يكن تأسيس تحالف سياسي جديد أو إطلاق مواجهة واسعة، بل البحث عن مقاربة مشتركة تمنع تكريس الاتفاق مرجعيةً ملزمةً للدولة اللبنانية، مع تجنب الانزلاق إلى صدام داخلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

وتفيد المعلومات بأن بري بات مقتنعاً بأن تكرار تجربة إسقاط اتفاق 17 مايو/ أيار عام 1983 لم يعد خياراً واقعياً في ظل موازين القوى الحالية، وأن الأولوية أصبحت منع الاتفاق من اكتساب شرعية دستورية يمكن البناء عليها لاحقاً.

وانطلاقاً من هذه المقاربة، اعتمد بري، بحسب المعلومات، خطاباً أقل تصعيداً في العلن، مقابل تشديده في لقاءاته السياسية على أن أي التزام لا يمر عبر المؤسسات الدستورية لا يمكن أن يرتب موجبات قانونية على الدولة اللبنانية. ولذلك، انتقل النقاش من الاتفاق نفسه إلى الآليات الدستورية التي يفترض أن تمنحه الصفة القانونية، وهي مسألة لا تزال، حتى الآن، موضع تجاذب بين القوى السياسية.

وتكشف المصادر أيضاً أن القراءة المشتركة لدى المعترضين لا تستند فقط إلى المسار الدستوري، بل إلى التطورات الميدانية. فإلى جانب عدم استكمال إجراءات إقرار الاتفاق داخلياً، ترى هذه القوى أن الحكومة الإسرائيلية لم تتعامل معه باعتباره تسوية نهائية.

إذ واصلت عملياتها العسكرية والأمنية، وهو ما عزز قناعة المعترضين بأن الوقائع الميدانية ما زالت تتقدم على النصوص السياسية، وأن أي التزام لبناني أحادي قد يرتب التزامات على الدولة اللبنانية لا يقابلها تنفيذ إسرائيلي مماثل.

لماذا يتصرف حزب الله وكأن الاتفاق غير موجود؟

في موازاة المقاربة التي يقودها نبيه بري داخل المؤسسات الدستورية، اعتمد حزب الله مساراً مختلفاً يقوم على الفصل بين التعاطي السياسي مع الاتفاق والواقع الميداني في الجنوب.

وبحسب مصادر مقربة من الحزب تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن قيادة حزب الله لا تعتبر اتفاق الإطار ملزماً لها، انطلاقاً من قناعة بأنه لم يكتسب بعد الشرعية القانونية والدستورية داخل لبنان، سواء لأنه لم يُقر عبر المؤسسات الدستورية المختصة، أو لأن إسرائيل نفسها لم تتعامل معه باعتباره اتفاقاً نهائياً، واستمرت في تنفيذ عملياتها العسكرية والأمنية في الجنوب.

وتقول المصادر إن هذه القراءة دفعت الحزب إلى الفصل بين المسار السياسي والمسار الميداني، بحيث يستمر نشاطه العسكري وفق قواعد الاشتباك التي يراها مناسبة، من دون التسليم بأن الاتفاق فرض واقعاً جديداً على المقاومة.

وتضيف أن الحزب يرى أيضاً أن السلوك الإسرائيلي أسهم في إضعاف الاتفاق منذ الأيام الأولى لتوقيعه، من خلال استمرار عمليات الاغتيال والقصف، والإعلانات المتكررة للجيش الإسرائيلي عن استهداف عناصر يقول إنهم ينتمون إلى حزب الله داخل المناطق الحدودية.

ومن وجهة نظر الحزب، فإن استمرار هذه العمليات يعني عملياً أن إسرائيل لم تلتزم بما ورد في الاتفاق، وبالتالي لا يمكن مطالبة لبنان أو المقاومة بالتقيد بالتزامات أحادية لا يقابلها تنفيذ مماثل من الجانب الإسرائيلي.

إلا أن التطور الذي أعاد خلط الأوراق، بحسب المعطيات، تمثل في تسريب الملحق الأمني المرفق باتفاق الإطار، والذي أثار موجة واسعة من الاعتراض داخل الأوساط السياسية والعسكرية اللبنانية.

فلم يعد الجدل، وفق المعطيات، يقتصر على مبدأ التفاوض أو آليات تنفيذ الاتفاق، بل امتد إلى مضمون الالتزامات الأمنية التي يتضمنها الملحق، ولا سيما ما يتعلق بإعادة هيكلة آليات العمل الأمني والعسكري في الجنوب، وربط الانسحاب الإسرائيلي بسلسلة من الشروط التنفيذية التي يُفترض بلبنان إنجازها أولاً.

وترى القوى المعترضة، بحسب المعلومات، أن هذه الصياغات تنقل مركز الثقل من التزامات الاحتلال إلى التزامات الدولة اللبنانية، وتمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لتأجيل أي انسحاب أو إعادة انتشار، بحجة عدم اكتمال التنفيذ اللبناني، وهو ما عزز تمسك حزب الله والثنائي الشيعي باستراتيجية التعامل مع الاتفاق باعتباره إطاراً سياسياً لا يتمتع حتى الآن بأي شرعية دستورية أو قانونية ملزمة.

صراع تفسير اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

تكشف المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست" أن الخلاف داخل لبنان لم يعد يتمحور حول بقاء اتفاق الإطار أو إسقاطه، بل حول الجهة التي تملك حق تفسيره وآليات تطبيقه.

فبينما تعتبر السلطة أن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل يفتح الباب أمام مسار سياسي وأمني جديد، تتمسك القوى المعترضة بأنه لا يكتسب أي قوة قانونية ما لم يستكمل مساره الدستوري، وما دامت إسرائيل نفسها تتعامل معه بصورة انتقائية عبر استمرار عملياتها العسكرية.

وترى المصادر الحكومية اللبنانية أن هذا التباين في المقاربتين يفسر انتقال الثنائي الشيعي من استراتيجية المواجهة المباشرة إلى إدارة معركة طويلة الأمد داخل المؤسسات، تقوم على منع الاتفاق من التحول إلى مرجعية دستورية، مع تجنب أي صدام سياسي أو أمني واسع قد يؤدي إلى نتائج معاكسة.

وفي المقابل، يواصل حزب الله الفصل بين المسار السياسي والواقع الميداني، انطلاقاً من قناعته بأن الاتفاق لا يزال يفتقد إلى الشرعية القانونية، وأن استمرار إسرائيل في تنفيذ عملياتها العسكرية والأمنية يضعف الأساس الذي يقوم عليه، ويحول دون إلزام لبنان أو المقاومة بتنفيذ التزامات أحادية.

في المحصلة، لا تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمعركة هدفها إسقاط اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، بقدر ما تتجه إلى صراع سياسي ودستوري حول تفسيره وحدود تطبيقه.

إذ إن الثنائي الشيعي، وفق المصادر، حسم انتقاله من محاولة إسقاط الاتفاق إلى استراتيجية تقوم على استنزافه سياسياً وقانونياً، بينما يواصل نبيه بري إدارة هذا المسار من داخل المؤسسات، في حين يتعامل حزب الله مع الاتفاق باعتباره غير مكتمل الشرعية، ويواصل الفصل بين المسارين السياسي والميداني.

وفي ظل استمرار العمليات الإسرائيلية، وغياب توافق لبناني حول آليات التعامل مع الاتفاق، تبقى الأزمة مفتوحة على تجاذب طويل، عنوانه ليس وجود الاتفاق في حد ذاته، وإنما مدى قدرته على التحول إلى مرجعية دستورية وسياسية ملزمة للدولة اللبنانية، أو بقاؤه إطاراً سياسياً محل نزاع بين الأطراف اللبنانية.

تحميل المزيد