كشفت مصادر مصرية مطلعة لـ"عربي بوست" أن القاهرة لا تعارض المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا المطروحة لتقاسم السلطة، لكنها تتحفظ على عدد من بنودها، خشية أن يؤدي تطبيقها بصيغتها الحالية إلى تكريس الانقسام بين شرق البلاد وغربها بدلاً من توحيد مؤسسات الدولة.
وبحسب المصادر، تجري مصر مشاورات مع الولايات المتحدة وتركيا وعدد من الأطراف المعنية لإدخال تعديلات على المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، بما يربط أي ترتيبات سياسية بخارطة طريق واضحة لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وترى القاهرة، وفق المصادر، أن نجاح أي تسوية لا يرتبط بتوزيع المناصب بين الأطراف الليبية بقدر ارتباطه بمعالجة الملفات التي عطلت جميع المبادرات السابقة، وفي مقدمتها توحيد المؤسسة العسكرية، وضبط الحدود، والحد من انتشار السلاح، ومعالجة ملف الهجرة غير النظامية، بما يمنع تحول المرحلة الانتقالية إلى صيغة دائمة لإدارة الانقسام.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع لقاءات سياسية وعسكرية وأمنية استضافتها القاهرة خلال الفترة الأخيرة، شملت مسؤولين ليبيين وأمريكيين، في إطار مساعٍ مصرية لإعادة صياغة بعض جوانب المبادرة الأمريكية، بما يتوافق مع رؤيتها القائمة على الحفاظ على وحدة الدولة الليبية، وإنهاء الانقسام عبر مؤسسات موحدة، وليس من خلال تقاسم النفوذ بين الأطراف المتنافسة.
تحفظ القاهرة على المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا
تؤكد المصادر المصرية أن القاهرة لا ترفض المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا من حيث المبدأ، لكنها ترى أن أي تسوية سياسية يجب ألا تقتصر على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة أو توزيع المناصب بين الأطراف الليبية، بل ينبغي أن تترافق مع خطوات واضحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
ويقول مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن القاهرة أبلغت الجانب الأمريكي أنها منفتحة على مناقشة المبادرة، لكنها اقترحت إدخال تعديلات عليها، بحيث ترتبط أي ترتيبات انتقالية بمسار واضح لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، مع تحديد جدول زمني يقود إلى إجراء الانتخابات، وعدم الاكتفاء بصيغة لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب.
وبحسب المصدر، ناقشت الاجتماعات التي استضافتها القاهرة في 20 يونيو/ حزيران هذه الملاحظات بصورة مفصلة، حيث شدد الجانب المصري على أن نجاح أي اتفاق يتطلب معالجة الملفات التي ظلت تعرقل جهود التسوية في السنوات الماضية، وفي مقدمتها توحيد المؤسسة العسكرية، وانتشار السلاح، وتأمين الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.
وترى القاهرة، بحسب المصادر، أن تشكيل سلطة مشتركة قد يسهم في تخفيف حدة الانقسام، لكنه لن يحقق الاستقرار إذا لم يترافق مع إجراءات لبناء الثقة بين الأطراف الليبية، وإعادة توحيد مؤسسات الدولة، بما يضمن تنفيذ الاتفاق على الأرض، ويحول دون انهياره عند أول خلاف سياسي.
وتضيف المصادر أن مصر تنطلق في موقفها من قناعة بأن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات السياسية التي لا تستند إلى مؤسسات موحدة سرعان ما تتعثر، وهو ما يدفعها إلى التركيز على البعد المؤسسي في أي مبادرة جديدة، بالتوازي مع الحفاظ على مبدأ الاحتكام إلى الانتخابات باعتبارها الطريق الوحيد لإنتاج سلطة شرعية تحظى بقبول مختلف الأطراف الليبية.
ويؤكد المصدر المصري أن القاهرة لا تسعى إلى تعطيل المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، بل إلى زيادة فرص نجاحها، من خلال ضمان ألا تتحول إلى إطار دائم لإدارة الانقسام، وإنما إلى مرحلة انتقالية تنتهي بقيام مؤسسات دولة موحدة قادرة على إدارة البلاد بصورة مستقرة.
توافق على الأهداف مع أنقرة
بحسب المصادر المصرية، لم تقتصر المشاورات التي أجرتها القاهرة على الجانب الأمريكي، بل شملت أيضاً اتصالات مع تركيا، في إطار تنسيق متواصل بين البلدين بشأن مستقبل التسوية السياسية في ليبيا. وتؤكد المصادر أن القاهرة وأنقرة تتفقان على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وإنهاء الانقسام، مع استمرار النقاش حول آليات تنفيذ أي اتفاق سياسي.
ويقول مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن القاهرة ترى أن أي مبادرة لن تحقق نتائجها إذا اقتصرت على توزيع السلطة، ولذلك تركز في مشاوراتها مع أنقرة على ضرورة المضي بالتوازي في مسار توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ومعالجة القضايا التي تمس استقرار ليبيا ودول الجوار.
وبحسب المصدر، تناولت الاتصالات المصرية – التركية ملفات انتشار السلاح، وتأمين الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، باعتبارها ملفات لا تقل أهمية عن الترتيبات السياسية، كما ناقشت سبل تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات بعد استكمال الحد الأدنى من توحيد مؤسسات الدولة.
وتشير المصادر إلى أن القاهرة ترى في التنسيق مع أنقرة عاملاً يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، بالنظر إلى العلاقات التي تربط تركيا بالقوى الفاعلة في غرب ليبيا، وهو ما قد يساعد على تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، تؤكد المصادر أن مصر ما زالت تتمسك بضرورة أن تكون المرحلة الانتقالية محددة زمنياً، وألا تتحول إلى صيغة دائمة لإدارة الأزمة، وهو ما دفعها إلى طرح تعديلات على المبادرة الأمريكية تربط أي ترتيبات سياسية بخطة واضحة لتوحيد المؤسسات، ثم الانتقال إلى الانتخابات.
وترى المصادر أن المشاورات مع تركيا تندرج ضمن تحركات أوسع تجريها القاهرة مع الولايات المتحدة وعدد من الأطراف الإقليمية، بهدف التوصل إلى تسوية تحافظ على وحدة ليبيا، وتمنع إعادة إنتاج الانقسام الذي عطل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
تنسيق مع واشنطن واتصالات مع الشرق
بالتوازي مع هذه المشاورات، كثفت القاهرة لقاءاتها مع مسؤولين ليبيين وأمريكيين، في إطار مساعيها لإعادة صياغة بعض جوانب المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، وبحث الضمانات التي يمكن أن تساعد على تنفيذها.
وتؤكد المصادر أن زيارة صدام حفتر إلى القاهرة جاءت في هذا السياق، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين مصريين تناولت تطورات المشهد الليبي، والمبادرة الأمريكية، وملف توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب مستقبل المرحلة السياسية.
كما شهدت القاهرة لقاءات بين مسؤولين مصريين ونظرائهم الأمريكيين المعنيين بالملف الليبي، ركزت على الملاحظات المصرية بشأن المبادرة، وعلى ضرورة أن تترافق الترتيبات السياسية مع خطوات عملية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، ما يمنع انهيار أي اتفاق في المستقبل.
وبحسب المصادر، شدد المسؤولون المصريون خلال هذه اللقاءات على أن المؤسسة العسكرية تمثل إحدى الركائز الأساسية للاستقرار في ليبيا، وأن استمرار انقسامها سيجعل من الصعب تنفيذ أي تسوية سياسية أو الحفاظ عليها، حتى في حال الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة.
وتضيف المصادر أن القاهرة نقلت هذا التصور إلى مختلف الأطراف التي التقتها، مؤكدة أن هدفها ليس تعديل شكل السلطة التنفيذية فقط، وإنما ضمان أن تقود أي تسوية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، ما يشمل المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية.
وترى المصادر أن تكثيف هذه اللقاءات يعكس حرص مصر على الحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف الليبية والدولية، والعمل على تقريب وجهات النظر قبل الانتقال إلى أي ترتيبات سياسية جديدة، ما يزيد فرص نجاح المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا ويجنب البلاد العودة إلى دوامة الانقسام.
مؤسسات موحدة قبل تقاسم السلطة
تؤكد المصادر المصرية أن الهدف من التحركات التي تقودها القاهرة لا يقتصر على تعديل المبادرة الأمريكية، وإنما التوصل إلى تسوية تنهي الانقسام المؤسسي الذي تعيشه ليبيا، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس موحدة.
ويقول مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن القاهرة ترى أن أي اتفاق سياسي ينبغي أن يرتبط بخطة متدرجة لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، مع وضع جدول زمني واضح لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم يعيد إنتاج الأزمة.
وبحسب المصادر، ما زالت مصر تعتبر أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل أحد أهم شروط نجاح أي تسوية، انطلاقاً من أن استمرار الانقسام داخلها سيصعّب تنفيذ أي اتفاق سياسي، كما سيبقي ملفات السلاح والحدود والهجرة غير النظامية رهينة تعدد مراكز القرار.
وتضيف المصادر أن القاهرة تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف الليبية والدولية، انطلاقاً من قناعة بأن أي تسوية لن تكون قابلة للاستمرار إذا لم تحظَ بتوافق ليبي واسع، وإذا لم تقترن بخطوات عملية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، بالتوازي مع الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية.
وترى المصادر أن مصر تتعامل مع المبادرة الأمريكية باعتبارها إطاراً يمكن تطويره، وليس مشروعاً نهائياً، ولذلك تسعى إلى إدخال تعديلات تضمن أن تكون الانتخابات هي المحطة الأخيرة للمرحلة الانتقالية، لا مجرد محطة جديدة ضمن سلسلة من الترتيبات المؤقتة.
وتخلص المصادر المصرية إلى أن نجاح المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا لن يتوقف على الاتفاق بين الأطراف الليبية حول تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، وإنما على قدرتها على معالجة الأسباب التي أبقت الانقسام قائماً طوال السنوات الماضية.
فمن وجهة نظر القاهرة، لا يكفي توزيع المناصب بين الشرق والغرب لتحقيق الاستقرار، إذا بقيت المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية منقسمة، أو إذا غابت خارطة طريق واضحة تنتهي بانتخابات تفرز مؤسسات شرعية موحدة.
ولهذا، تواصل مصر مشاوراتها مع الولايات المتحدة وتركيا، إلى جانب اتصالاتها مع مختلف القوى الليبية، في محاولة لإعادة صياغة بعض جوانب المبادرة الأمريكية، ما يجعلها مدخلاً لإنهاء المرحلة الانتقالية وبناء دولة ليبية موحدة، بدلاً من أن تتحول إلى صيغة جديدة لإدارة الانقسام السياسي.