خاص: طهران تعيد تقييم تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن وسط خلافات داخلية ومحاولات لتوحيد الجبهة

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/01 الساعة 15:25 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/01 الساعة 15:25 بتوقيت غرينتش
جهود في إيران للاستمرار في الاتفاق الموقع مع الولايات المتحدة/ عربي بوست

كشفت مصادر إيرانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن القيادة السياسية والعسكرية في طهران كثفت مؤخراً اجتماعاتها لتقييم مسار تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن، في ظل تزايد الشكوك داخل المؤسسة العسكرية بشأن مدى التزام واشنطن ببنود الاتفاق، وظهور مؤشرات تعتبرها بعض مراكز القرار الإيرانية محاولة لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية، بالتوازي مع استمرار المسار الدبلوماسي.

ويقود رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، جهوداً لإقناع قيادات في الحرس الثوري بضرورة مواصلة تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن، في وقت يرى فيه عدد من القادة العسكريين أن واشنطن تسعى إلى كسب الوقت عبر المفاوضات، بينما تعمل في المقابل على تقليص النفوذ الإيراني في ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها لبنان ومضيق هرمز.

وتشير مصادر "عربي بوست" إلى أن هذا الجدل لم يعد يقتصر على تقييم العلاقة مع واشنطن، بل امتد إلى كيفية إدارة المرحلة المقبلة، بين فريق يدعو إلى منح المسار الدبلوماسي فرصة كاملة، وفريق آخر يتمسك بمواصلة الضغط العسكري وعدم الاكتفاء بالضمانات السياسية، تحسباً لأي تغير في الموقف الأمريكي.

لماذا تجددت شكوك المؤسسة العسكرية؟

قال مصدر دبلوماسي مقرب من فريق التفاوض الإيراني لـ"عربي بوست" إن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة دفعت المؤسسة العسكرية إلى إعادة النظر في تقييمها لمسار تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن، موضحاً أن عدداً من القادة باتوا يشككون في وجود إرادة أمريكية حقيقية لتنفيذ جميع الالتزامات المتفق عليها.

ويربط المصدر هذا التقييم بجملة من التطورات، أبرزها الاتفاق الإطاري بين إسرائيل والحكومة اللبنانية برعاية الولايات المتحدة، والضغوط الأمريكية على سلطنة عُمان لفتح مسار ملاحي جنوبي في مضيق هرمز يحد من الاعتماد على المسار الذي تسيطر عليه إيران، إلى جانب استمرار التوتر العسكري بين طهران وواشنطن رغم توقيع مذكرة التفاهم.

ويؤكد المصدر أن قاليباف يخوض منذ أيام سلسلة اجتماعات مع قيادات الحرس الثوري في محاولة لإقناعهم بعدم التخلي عن المسار الدبلوماسي، انطلاقاً من قناعته بأن استمرار تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن يمنح إيران مكاسب سياسية واقتصادية يصعب تحقيقها عبر التصعيد العسكري وحده.

وفي السياق نفسه، يقول مصدر سياسي مقرب من قاليباف لـ"عربي بوست" إن رئيس البرلمان عقد اجتماعات متتالية مع كبار قادة الحرس الثوري، بعدما برزت داخل المؤسسة العسكرية أصوات تدعو إلى إنهاء المسار التفاوضي، معتبرة أن الولايات المتحدة تستخدم المفاوضات لإشغال إيران، بينما تعمل في الوقت نفسه على تثبيت نتائج الحرب الأخيرة وإضعاف النفوذ الإيراني في الإقليم.

ويتفق مع هذا التقييم مصدر مقرب من الحرس الثوري، يؤكد لـ"عربي بوست" أن عدداً من القادة العسكريين ينظرون إلى الاتفاق الإطاري في لبنان باعتباره جزءاً من مسار أمريكي – إسرائيلي يهدف إلى تكريس المكاسب العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وإعادة رسم التوازنات الأمنية بما يقلص دور حلفاء طهران، وفي مقدمتهم حزب الله.

ويضيف المصدر أن الضغوط الأمريكية المرتبطة بمضيق هرمز عززت هذه المخاوف، إذ ترى المؤسسة العسكرية أن واشنطن تحاول، بالتوازي مع المفاوضات، إنشاء ترتيبات استراتيجية بديلة تحد من أهمية الورقة الإيرانية في المضيق، وهو ما يفسر تصاعد الأصوات المطالبة بعدم الاكتفاء بالرهان على المسار الدبلوماسي.

وبحسب المصدر، فإن الخلاصة التي توصل إليها عدد من قادة الحرس الثوري هي أن طهران مطالبة بمواصلة التفاوض، ولكن من دون التخلي عن عناصر القوة العسكرية أو السماح بأن يتحول الانخراط في المفاوضات إلى مدخل لتآكل النفوذ الإيراني في الملفات الإقليمية.

كيف تدافع طهران عن المسار الدبلوماسي؟

في مواجهة تصاعد الشكوك داخل المؤسسة العسكرية، كثف رئيس فريق التفاوض الإيراني ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف جهوده لإقناع قادة الحرس الثوري بأن تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن يسير، من وجهة نظر الحكومة، وفق المسار المتفق عليه، وأن التطورات الأخيرة لا تستدعي التخلي عن الخيار الدبلوماسي.

وقال مصدر دبلوماسي مقرب من فريق التفاوض الإيراني لـ"عربي بوست" إن قاليباف استعرض خلال لقاءاته مع القيادات العسكرية ما تعتبره الحكومة مؤشرات عملية على بدء تنفيذ عدد من بنود مذكرة التفاهم، مؤكداً أن هذه الخطوات تستوجب منح المسار الحالي مزيداً من الوقت قبل إصدار أي أحكام نهائية بشأنه.

ويشير المصدر إلى أن أول هذه المؤشرات يتمثل في إنهاء الحصار على الموانئ الإيرانية، وعودة حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة. وعبرت أكثر من 60 سفينة مضيق هرمز من وإلى إيران منذ رفع القيود، فيما تمكنت إيران من تصدير نحو 46 مليون برميل من النفط، وهو ما تعتبره طهران دليلاً عملياً على بدء تنفيذ الالتزامات المتعلقة بحرية التجارة والنقل البحري.

أما الملف الثاني، فيتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ويوضح المصدر أن المسؤولين الإيرانيين شرعوا في اتخاذ الإجراءات الفنية والمالية اللازمة للإفراج عن هذه الأموال، حيث قدمت الحكومة طلبات شراء جديدة، وتعمل حالياً على التحقق من وصول الأموال إلى الجهات المستفيدة.

وفي هذا السياق، عقد مسؤولو البنك المركزي الإيراني اجتماعين مع نظرائهم في قطر لبحث الآليات التنفيذية الخاصة بالإفراج عن الأموال المجمدة، إضافة إلى مناقشة إنشاء خط ائتمان مستقل يسمح بتمويل مشتريات وسلع تختلف عن الآليات التي كانت معتمدة في السابق.

كما يلفت المصدر إلى أن مذكرة التفاهم مع واشنطن تنص على تشكيل 5 لجان عمل مشتركة خلال فترة الـ60 يوماً الأولى، تتولى متابعة تنفيذ إجراءات رفع العقوبات، والإشراف على برامج إعادة الإعمار، ومراقبة تنفيذ مختلف بنود الاتفاق.

وستعمل لجان المتابعة، وفق مصدر "عربي بوست"، على مسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بمتابعة تنفيذ الالتزامات الخاصة بمضيق هرمز، بينما يركز الثاني على متابعة الترتيبات المرتبطة بإنهاء الصراع في لبنان، باعتبار الملفين من أبرز القضايا التي شملتها التفاهمات الإيرانية – الأمريكية.

ويشدد المصدر الدبلوماسي على أن الفريق الإيراني لم يدخل حتى الآن في أي مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي، رغم التصريحات الأمريكية التي تحدثت عن ذلك، مؤكداً أن المفاوضين الإيرانيين ملتزمون بالموقف الذي يقضي بعدم الانتقال إلى أي نقاش نووي قبل التحقق من تنفيذ بقية بنود مذكرة التفاهم بصورة كاملة.

المؤسسة العسكرية تتمسك بخيار الضغط

رغم دفاع قاليباف عن المسار الدبلوماسي، تؤكد المصادر أن هذه الجهود لم تُنهِ التحفظات داخل المؤسسة العسكرية، بل انتهت إلى صيغة تقوم على الجمع بين استمرار المفاوضات والحفاظ على سياسة الردع العسكري.

وقال مصدر مقرب من الحرس الثوري لـ"عربي بوست" إن قادة المؤسسة العسكرية أبلغوا الفريق المفاوض أنهم لن ينتظروا إلى أن يشهدوا تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة بينما تستمر المحادثات مع الولايات المتحدة، معتبرين أن حماية المكاسب التي حققتها إيران خلال الحرب الأخيرة تمثل أولوية لا تقل أهمية عن إنجاح المسار الدبلوماسي.

وحسمت المؤسسة العسكرية موقفها بالموافقة على استمرار تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه قررت مواصلة سياسة الضغط العسكري، والرد السريع على أي تحرك أمريكي أو إسرائيلي تعتبره تهديداً للمصالح الإيرانية، سواء في مضيق هرمز أو على الساحة اللبنانية.

وبحسب المصدر، ترى القيادات العسكرية أن الدبلوماسية والردع العسكري ليسا خيارين متناقضين، بل مساران متكاملان ينبغي أن يسيرا بالتوازي، بحيث تستمر المفاوضات السياسية من جهة، مع الحفاظ على الجاهزية العسكرية وعدم تقديم تنازلات تمس النفوذ الإقليمي لإيران من جهة أخرى.

معركة قاليباف الثانية: "توحيد الجبهة الداخلية"

لم تقتصر التحديات التي واجهت فريق التفاوض الإيراني على إقناع المؤسسة العسكرية بجدوى الاستمرار في تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن، بل امتدت أيضاً إلى احتواء تصاعد المعارضة الداخلية للمسار الدبلوماسي، بعد توقيع الاتفاق مع الولايات المتحدة في 17 يونيو/ حزيران.

وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، أثار توقيع المذكرة موجة من الانتقادات قادها التيار المتشدد، الذي اعتبر أن إيران خرجت منتصرة من الحرب الأخيرة، وأن الدخول في مفاوضات مع واشنطن في هذه المرحلة يمثل تنازلاً سياسياً غير مبرر.

وتطورت هذه الانتقادات إلى حملات إعلامية وسياسية استهدفت وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس فريق التفاوض محمد باقر قاليباف، قبل أن تنتقل إلى الشارع عبر دعوات لتنظيم احتجاجات رافضة لمذكرة التفاهم، رُفعت خلالها شعارات تنتقد الفريق المفاوض وتشكك في جدوى الاستمرار في المسار الدبلوماسي.

وزادت تصريحات المرشد الأعلى مجتبى خامنئي من تعقيد المشهد، بعدما أوضح، عقب توقيع بزشكيان وترامب على مذكرة التفاهم، أنه كان يعارض الاتفاق من حيث المبدأ، قبل أن يقتنع بالمسار الذي عرضه عليه بزشكيان. واستغل معارضو الاتفاق هذه التصريحات للتأكيد على أن المرشد لا يؤيد المفاوضات، رغم إقرار مؤسسات الدولة بالمضي في تنفيذها.

وتقول المصادر إن هذه التطورات أثارت استياء قاليباف، الذي طلب من المؤسسة العسكرية التدخل لاحتواء حملة التخوين، معتبراً أن استمرارها يضعف الموقف التفاوضي الإيراني ويمنح واشنطن انطباعاً بوجود انقسام داخل مؤسسات الحكم.

ويقول مصدر سياسي مقرب من فريق التفاوض، فضل عدم الكشف عن هويته، لـ"عربي بوست": "كان قاليباف غاضباً بشدة، وأبلغ قادة المؤسسة العسكرية أنه لن يقبل بأن يتحول إلى كبش فداء إذا تعثرت المفاوضات، وأن استمرار هذه الحملات يضعف قدرة الفريق الإيراني على التفاوض."

حماية المفاوضات بالحفاظ على التماسك الداخلي

مع اتساع حملة المتشددين، تشير المصادر إلى أن القيادة الإيرانية خلصت إلى أن استمرار الانقسام الداخلي قد يتحول إلى نقطة ضعف تستفيد منها الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً بعد حالة التماسك التي شهدتها البلاد خلال الحرب الأخيرة.

ويقول مصدر مقرب من الحرس الثوري لـ"عربي بوست" إن مؤسسات الدولة اتخذت قراراً بدعم المسار التفاوضي بصورة أكثر وضوحاً، والعمل على توحيد الخطاب الرسمي، بحيث ينتقل النقاش من التشكيك في شرعية المفاوضات إلى التركيز على كيفية تنفيذ مذكرة التفاهم وتعظيم مكاسبها وتقليل مخاطرها.

وبحسب المصادر، انعكس هذا التوجه في الخطاب المتقارب الذي تبناه كل من محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، والرئيس مسعود بزشكيان.

إذ أكدوا جميعاً، بصيغ مختلفة، أن مذكرة التفاهم مع واشنطن حظيت بموافقة مؤسسات صنع القرار الإيرانية، وأن اللجوء إلى التفاوض لا يمثل تخلياً عن الثوابت أو استسلاماً للولايات المتحدة، بل يندرج ضمن إدارة المصالح الوطنية في مرحلة ما بعد الحرب.

ويعلق الخبير السياسي المقرب من دوائر صنع القرار مجيد اشتري على هذا التحول بقوله لـ"عربي بوست" إن الدفاع عن المسار الدبلوماسي لم يعد يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل بدأ يحظى أيضاً بدعم شخصيات محافظة مؤيدة للنظام، باتت تنظر إلى المفاوضات من منظور "الواقعية الاستراتيجية" أكثر من المنظور الأيديولوجي التقليدي.

ويضيف اشتري أن مؤسسات الدولة ركزت خلال الفترة الأخيرة على إبراز المكاسب الاقتصادية المتوقعة من مذكرة التفاهم، مع التشديد في الوقت نفسه على الحفاظ على المكاسب العسكرية التي حققتها إيران خلال الحرب، وهو ما ساعد على تحويل النقاش الداخلي من رفض التفاوض من حيث المبدأ إلى مناقشة آليات تنفيذ الاتفاق والاستفادة منه.

وتخلص المصادر الإيرانية إلى أن التحدي الذي تواجهه طهران لم يعد يقتصر على اختبار مدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ مذكرة التفاهم، بل يشمل أيضاً قدرتها على إدارة التوازن بين الدبلوماسية والردع العسكري، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الانقسامات السياسية.

ويختتم مجيد اشتري حديثه لـ"عربي بوست" بالقول إن مراكز صنع القرار أدركت أن ترك الخلافات الداخلية تتفاقم لا يهدد فقط مستقبل المفاوضات مع واشنطن، بل قد يمنح خصوم إيران فرصة لاستغلالها سياسياً واستراتيجياً.

ولذلك، فإن نجاح المسار الدبلوماسي، من وجهة نظر اشتري، سيظل مرتبطاً بقدرة مؤسسات الحكم على الحفاظ على وحدة الموقف الداخلي، بالتوازي مع مراقبة تنفيذ الولايات المتحدة لتعهداتها على الأرض.

تحميل المزيد