إعادة الإعمار أم التسليح؟ تفاصيل صراع خفي بين بزشكيان والحرس الثوري حول أولويات ما بعد الحرب

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/01 الساعة 12:08 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/01 الساعة 12:08 بتوقيت غرينتش
خلافات داخل القيادة الإيرانية بعد الاتفاق مع واشنطن/ عربي بوست

تدور داخل مؤسسات الحكم الإيرانية معركة خفية بين الرئيس مسعود بزشكيان وقيادة الحرس الثوري حول أولويات إدارة مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية، في وقت تواجه فيه الحكومة واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية في تاريخها، وتحتاج إلى موارد ضخمة لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين وإنعاش الاقتصاد.

وكشفت مصادر حكومية إيرانية لـ"عربي بوست" أن الخلاف لا يقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يمتد إلى السيطرة على الموارد المالية للدولة، بعدما عزز الحرس الثوري نفوذه الاقتصادي خلال أشهر المواجهة العسكرية، وسيطر على جزء كبير من عائدات النفط وشبكات التجارة وإيرادات العملات الأجنبية، بينما تسعى الحكومة إلى استعادة هذه الموارد لتمويل برامجها الاقتصادية والاجتماعية.

وبحسب المصادر، فإن أول اجتماع عقده بزشكيان مع ممثلين عن الحرس الثوري بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة انتهى بخلاف حاد، بعدما تمسك كل طرف بأولويات مختلفة للمرحلة المقبلة، فبينما طالبت الحكومة بتوجيه الموارد نحو إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد، أصر الحرس الثوري على أن الأولوية تبقى لإعادة بناء القدرات العسكرية، تحسباً لاحتمال تجدد المواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وتأتي هذه الخلافات في وقت أعلنت فيه الحكومة الإيرانية أن التقديرات الأولية للخسائر التي خلفتها الحرب تتجاوز 270 مليار دولار، بعدما طالت الضربات منشآت الطاقة، وشبكات النقل، والطرق، والمواقع الصناعية، ومصانع البتروكيماويات، وهو ما وضع الحكومة أمام تحديات مالية غير مسبوقة.

أول مواجهة بعد الحرب

قالت مصادر حكومية مقربة من الرئيس الإيراني إن بزشكيان بادر، فور توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية – الأمريكية، إلى طلب اجتماع مع عدد من قادة الحرس الثوري لبحث أولويات إعادة الإعمار، وآليات تمويل برامج الرعاية الاجتماعية، والاستفادة من عائدات النفط بعد تخفيف القيود الأمريكية على حركة الصادرات الإيرانية.

وكشف مسؤول حكومي رفيع، حضر الاجتماع، لـ"عربي بوست" أن اللقاء اتسم بأجواء متوترة، موضحاً أن كبار قادة الحرس أوفدوا ممثلين عنهم، قبل أن ينتهي الاجتماع بخروج الرئيس الإيراني غاضباً بسبب تباعد مواقف الطرفين.

يقول المسؤول إن ممثلي الحرس الثوري تمسكوا بأن الأولوية يجب أن تكون لإعادة إعمار البنية التحتية العسكرية، معتبرين أن مذكرة التفاهم مع واشنطن لا تعني انتهاء احتمالات اندلاع مواجهة جديدة، وأن تعزيز القدرات الدفاعية يجب أن يسبق أي إنفاق واسع على الجوانب الاقتصادية.

في المقابل، طالب بزشكيان، بحسب المصدر، بمساهمة مالية عاجلة من الحرس الثوري لمساعدة الحكومة على تجاوز أزمتها المالية، وتمويل برامج إعادة الإعمار وتعويض المواطنين الذين فقدوا منازلهم أو مصادر رزقهم، إلا أن ممثلي الحرس رفضوا هذا الطلب، وهو ما عمّق الخلاف بين الجانبين.

ويؤكد مسؤول حكومي آخر مطلع على تفاصيل الأزمة أن هذا التباين لم يبدأ بعد انتهاء الحرب، بل يعود إلى فترة المواجهة العسكرية نفسها، إذ سبق أن طلب الرئيس الإيراني من قيادة الحرس الثوري دعماً مالياً للحكومة لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة، غير أن الرد كان بأن جميع الموارد المالية المتاحة مخصصة لدعم الصناعات العسكرية ومتطلبات الحرب.

وتشير المصادر إلى أن هذا الخلاف يعكس اختلافاً أعمق في رؤية مؤسسات الدولة لأولويات المرحلة المقبلة؛ فبينما ترى الحكومة أن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أصبح شرطاً أساسياً لمنع عودة الاحتجاجات الشعبية، يعتقد الحرس الثوري أن تثبيت القدرات العسكرية يمثل الضمانة الأولى لأمن البلاد، حتى وإن جاء ذلك على حساب تأجيل بعض أولويات التعافي الاقتصادي.

خلاف على إدارة الموارد المالية

ترى المصادر الحكومية الإيرانية أن الخلاف مع الحرس الثوري لا يرتبط فقط بأولويات الإنفاق بعد الحرب، وإنما يعود إلى التحولات التي شهدتها إدارة الموارد المالية خلال أشهر المواجهة العسكرية، حين فقدت الحكومة تدريجياً سيطرتها على عدد من أهم مصادر التمويل.

يقول مصدر حكومي مطلع إن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية منذ 7 أبريل/ نيسان 2026، أجبر طهران على تغيير طرق تصدير النفط والتجارة الخارجية، والاعتماد بصورة أكبر على المسارات البرية وشبكات النقل غير التقليدية، وهي الملفات التي تولى الحرس الثوري إدارتها بحكم خبرته الطويلة في الالتفاف على العقوبات.

ويضيف المصدر أن المشكلة لم تكن في إيجاد بدائل لتصدير النفط أو استمرار حركة التجارة، وإنما في أن الحكومة لم تعد تحصل على الجزء الأكبر من الإيرادات الناتجة عن هذه العمليات، بعدما احتفظ الحرس الثوري بعائداتها لتغطية احتياجاته العسكرية وتطوير قدراته، بعيداً عن مؤسسات الدولة.

ولا يقتصر الأمر على عائدات النفط، إذ تشير المصادر إلى أن الحرب غيرت أيضاً آليات إدارة العملات الأجنبية وسوق الصرف. فقبل اندلاع المواجهة، كانت الحكومة تتحكم إلى حد كبير في نظام أسعار الصرف متعدد المستويات، وتشرف على إدارة الجزء الأكبر من إيرادات النقد الأجنبي، لكن هذا الدور تراجع مع توسع نفوذ الحرس الثوري خلال الحرب.

في هذا السياق، يقول مستشار مالي مقرب من الحكومة الإيرانية لـ"عربي بوست": "قبل الحرب كان الحرس يعتمد في جزء من موارده على الحكومة، أما اليوم فأصبحت الحكومة هي التي تعتمد على الإيرادات التي يجمعها الحرس الثوري."

ويحذر المستشار من أن استمرار هذا الوضع يهدد استقلالية القرار الاقتصادي للحكومة، ويجعلها أكثر اعتماداً على المؤسسة العسكرية في تمويل برامجها، بعدما انتقلت السيطرة على جزء مهم من الموارد المالية إلى خارج القنوات الحكومية التقليدية.

أولوية الاقتصاد أم التسليح؟

أكدت المصادر الحكومية أن توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وما تبعها من تحسن في حركة صادرات النفط الإيرانية، فتح باباً جديداً للخلاف بين الحكومة والحرس الثوري حول كيفية توزيع العائدات خلال المرحلة المقبلة.

وبحسب مصدر حكومي مطلع، ترى حكومة بزشكيان أن استعادة تدفقات النفط تمنحها فرصة لمعالجة الأزمة المالية التي تفاقمت خلال الحرب، وتمويل إعادة الإعمار، وتعويض المتضررين، وإعادة تنشيط الاقتصاد بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية وقطاع الأعمال.

ويقول المصدر لـ"عربي بوست" إن الحكومة تواجه عجزاً مالياً غير مسبوق، بعدما اضطرت خلال الفترة الماضية إلى رفع الضرائب، وخفض الإنفاق العام، وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية، في وقت تراجعت فيه الإيرادات الضريبية نتيجة الأضرار التي لحقت بالقطاع الاقتصادي، وهو ما يجعل عائدات النفط المورد الأكثر أهمية لتجاوز المرحلة الحالية.

لكن، وفق المصادر نفسها، لا يشارك الحرس الثوري الحكومة هذه الأولويات، إذ ترى المؤسسة العسكرية أن انتهاء الحرب لا يعني زوال التهديدات، وأن الجزء الأكبر من الموارد ينبغي أن يوجه لإعادة بناء القدرات العسكرية وتعويض الخسائر التي لحقت بالبنية الدفاعية، تحسباً لأي مواجهة جديدة.

ويقول مصدر حكومي لـ"عربي بوست": "الحرس الثوري لا يرفض مساعدة الحكومة بصورة كاملة، لكنه لا يرى أن إنعاش الاقتصاد أو توسيع برامج الرعاية الاجتماعية يجب أن يسبقا إعادة بناء القوة العسكرية."

وترى الحكومة، بحسب المصادر، أن استمرار هذا النهج قد يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويحد من قدرتها على احتواء حالة التململ الشعبي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى ضخ استثمارات عاجلة في إعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مخاوف من تعزيز نفوذ الحرس الثوري؟

لا تقتصر مخاوف الحكومة الإيرانية على الخلاف بشأن عائدات النفط أو إدارة الموارد المالية، بل تمتد إلى طبيعة الدور الذي قد يلعبه الحرس الثوري في مرحلة إعادة الإعمار، في ظل النفوذ الاقتصادي الواسع الذي راكمه خلال العقود الماضية.

بحسب المصادر الحكومية، يمتلك الحرس الثوري شبكة كبيرة من الشركات شبه الحكومية التي تنشط في قطاعات البناء والهندسة والنفط والبتروكيماويات والموانئ والاتصالات والقطاع المصرفي، وهو ما يجعله في موقع يسمح له بالحصول على الحصة الأكبر من مشاريع إعادة الإعمار.

وترى المصادر أن الحرب وما رافقها من تراجع في نفوذ عدد من مراكز القرار السياسية، بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، منحت المؤسسة العسكرية مساحة أوسع لتعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يثير قلقاً داخل الأوساط الحكومية من أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى نقطة انطلاق لزيادة هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد.

وفي هذا السياق، يقول مستشار سياسي مقرب من الحكومة ومن التيار المحافظ المعتدل لـ"عربي بوست" إن هناك مخاوف متزايدة بين المسؤولين من أن تستفيد شركات الحرس الثوري من عقود إعادة الإعمار، مستندة إلى إمكاناتها المالية واللوجستية الواسعة، ما يحد من فرص شركات القطاعين العام والخاص في المنافسة.

ويضيف أن توسع نفوذ الحرس في هذا الملف لن ينعكس فقط على توزيع العقود الحكومية، بل سيؤدي أيضاً إلى زيادة اعتماد القطاع الخاص على شركاته، بدلاً من التعاون المباشر مع مؤسسات الدولة، وهو ما قد يعمق الاختلال القائم في العلاقة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية.

ويرى المصدر أن إعادة الإعمار تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل الاقتصاد الإيراني؛ فإذا احتكر الحرس الثوري تنفيذ المشاريع الكبرى، فإنه سيعزز حضوره الاقتصادي والسياسي في آن واحد، بينما ستتراجع قدرة الحكومة على إدارة عملية التعافي الاقتصادي بصورة مستقلة.

تحدي إعادة التوازن داخل مؤسسات الدولة

تخلص المصادر الحكومية إلى أن التحدي الذي تواجهه إيران بعد الحرب لا يقتصر على توفير الأموال اللازمة لإعادة بناء ما دمرته الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بل يتعلق أيضاً بإعادة التوازن داخل مؤسسات الدولة نفسها، في ظل تزايد نفوذ الحرس الثوري الاقتصادي والمالي.

ويقول مصدر حكومي مقرب من الرئيس مسعود بزشكيان لـ"عربي بوست" إن الاقتصاد الإيراني لم يصل بعد إلى مرحلة الانهيار الكامل، فالحكومة لا تزال قادرة على صرف الرواتب وتوفير السلع الأساسية، لكن استمرار الأزمة المالية، إلى جانب الخلاف حول إدارة الموارد، قد يقود إلى أزمة أكثر تعقيداً إذا لم تتوصل مؤسسات الدولة إلى تفاهمات سريعة بشأن أولويات المرحلة المقبلة.

وبحسب المصادر، فإن الصراع الدائر اليوم لا يتعلق فقط بإعادة إعمار منشآت دمرتها الحرب، وإنما بتحديد الجهة التي ستقود الاقتصاد الإيراني في مرحلة ما بعدها.

بينما تسعى الحكومة إلى استعادة السيطرة على الموارد لتخفيف الضغوط الاجتماعية وإنعاش الاقتصاد، يتمسك الحرس الثوري بإعطاء الأولوية لإعادة بناء القوة العسكرية والحفاظ على النفوذ الذي اكتسبه خلال سنوات العقوبات والحرب. وستحدد نتيجة هذا التوازن، إلى حد كبير، شكل العلاقة بين المؤسستين المدنية والعسكرية، ومسار الاقتصاد الإيراني في السنوات المقبلة.

تحميل المزيد