“تحالف رباعي إسلامي”: هل يولد تكتل إقليمي جديد يضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان؟ وما هي أهدافه؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/24 الساعة 13:17 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/24 الساعة 13:17 بتوقيت غرينتش
تنسيق مشترك بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان في أكثر من مجال/ عربي بوست

لم يعد الاجتماع الرباعي الذي يضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان مجرد منصة تنسيق مرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية أو بالجهود التي قادت إلى توقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، بل "بدأ يتحول تدريجياً إلى مساحة سياسية تبحث فيها أربع من أبرز القوى الإسلامية والإقليمية عن دور مشترك في مرحلة إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط"، بحسب مصادر خاصة لـ"عربي بوست".

المصادر المصرية والدبلوماسية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، كشفت أن القاهرة تنظر إلى النجاح الذي حققته الدول الأربع في دعم مسار التفاهم الأمريكي الإيراني باعتباره فرصة للانتقال من التنسيق الظرفي إلى صيغة أكثر استدامة، تتيح لهذه الدول المشاركة بصورة مباشرة في رسم ترتيبات المنطقة خلال المرحلة المقبلة، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

وبعد أشهر من الحرب بين واشنطن وطهران، ودخول الطرفين مرحلة المفاوضات، برزت مخاوف لدى عدد من دول المنطقة من أن تفضي التفاهمات الجديدة إلى ترتيبات أمنية وسياسية تُصاغ بعيداً عن مصالحها أو من دون أخذ هواجسها الأمنية بعين الاعتبار. وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من تداعيات السياسات الإسرائيلية في غزة ولبنان والضفة الغربية.

في هذا السياق، جاءت دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تطوير الآلية التشاورية الرباعية وتحويلها إلى "إطار مؤسسي فاعل"، خلال استقباله وزراء خارجية تركيا هاكان فيدان، والسعودية فيصل بن فرحان، وباكستان محمد إسحاق دار، بحضور وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بالتزامن مع انعقاد الاجتماع الرابع للرباعي في القاهرة.

من آلية تشاور إلى إطار مؤسسي

يمثل المقترح المصري بتطوير الآلية الرباعية جوهر النقاشات التي شهدها اجتماع القاهرة، إذ قال مصدر مصري مطلع إن القاهرة ترغب في أن يتحول التشاور المستمر بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان إلى إطار مؤسسي يمتلك أهدافاً واضحة وخطط عمل وهيئات متابعة قادرة على رصد التطورات الإقليمية والتعامل معها بصورة جماعية ومنظمة.

وترى مصر، وفق مصدر "عربي بوست"، أن الدول الأربع تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري ما يؤهلها للعب دور أكثر تأثيراً في ملفات إقليمية متعددة، تشمل إيران وغزة ولبنان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأن نجاحها في التنسيق خلال الأشهر الماضية يفتح الباب أمام صيغة أكثر تنظيماً واستدامة.

ويضيف المصدر، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن الانتقال إلى الإطار المؤسسي قد يشمل إنشاء مقر دائم، ومجلس مشترك للدول الأعضاء، واجتماعات دورية منتظمة، وآليات متابعة وتنفيذ، ما يسمح بتحويل القرارات السياسية إلى خطوات عملية على أرض الواقع.

كما لا تستبعد القاهرة أن يفتح هذا الإطار الباب أمام انضمام أطراف أخرى مستقبلاً، مع التأكيد على أن الهدف ليس إنشاء محور موجه ضد دولة بعينها، وإنما بناء منصة إقليمية تسهم في خفض التصعيد وحماية سيادة الدول وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وكان أول اجتماع رباعي بين الدول الأربع قد عُقد في الرياض يوم 20 مارس 2026، أعقبه اجتماع ثانٍ في العاصمة الباكستانية إسلام آباد أواخر الشهر ذاته، ثم اجتماع ثالث في مدينة أنطاليا التركية في 17 أبريل 2026، قبل أن تستضيف القاهرة الاجتماع الرابع الذي شهد طرح المبادرة المصرية بصورة أكثر وضوحاً.

مخاوف من ترتيبات جديدة

جاءت دعوة السيسي إلى تطوير الآلية التشاورية الرباعية في توقيت يتزامن مع دخول المفاوضات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة بعد توقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" وبدء المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران.

وخلال لقائه وزراء الخارجية، أكد الرئيس المصري ضرورة مواصلة العمل المشترك لدعم تنفيذ المذكرة واستكمال المفاوضات وصولاً إلى اتفاق نهائي وشامل ومستدام، فيما شدد البيان المشترك الصادر عن الاجتماع على أهمية التوصل السريع إلى حل دائم وقابل للتحقق ومقبول من جميع الأطراف بشأن القضايا العالقة بين الولايات المتحدة وإيران.

ورحب الوزراء بتوقيع مذكرة التفاهم، معتبرين أنها تمثل خطوة بناءة نحو خفض التصعيد وإنهاء النزاع الذي شكل مخاطر على الأمن والاستقرار الإقليميين، فضلاً عن تأثيراته على أسواق الطاقة والملاحة البحرية الدولية وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

لكن خلف هذا الترحيب، تكشف المصادر المصرية عن مخاوف عربية وخليجية متزايدة من طبيعة الترتيبات التي قد تنتج عن التفاهمات الأمريكية الإيرانية. فحسب المصدر المصري المطلع، فإن عدداً من دول الخليج ينظر بحذر إلى أي ترتيبات أمنية جديدة قد تمنح إيران نفوذاً إضافياً من دون معالجة الهواجس الأمنية الخليجية أو توفير ضمانات حقيقية لإعادة بناء الثقة.

ويضيف المصدر أن الحرب الأخيرة أظهرت أيضاً حدود القدرة الأمريكية على توفير مظلة أمنية كاملة لحلفائها في المنطقة، خاصة أن واشنطن لم تحقق الانتصار الحاسم الذي كانت تطمح إليه، وهو ما جعل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في الملفات الأمنية موضع مراجعة لدى عدد من الدول الإقليمية.

ولهذا السبب، ترى القاهرة أن وجود إطار مؤسسي يجمع الدول الأربع يمكن أن يساهم في ضمان أن تكون دول المنطقة شريكاً في رسم ترتيبات المستقبل، لا مجرد متلقٍّ لنتائج تفاهمات تُصاغ بين القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، أثنى وزراء خارجية الدول الأربع على الجهود المحورية التي بذلتها باكستان للوصول إلى هذه النتيجة، كما أشادوا بالدعم الذي قدمته قطر خلال المفاوضات الخاصة بمذكرة التفاهم، معتبرين أن نجاح الوساطة الباكستانية القطرية يشكل نموذجاً يمكن البناء عليه في معالجة أزمات إقليمية أخرى.

القلق من إسرائيل وإعادة هندسة المنطقة

إلى جانب الملف الإيراني، برزت المخاوف من السياسات الإسرائيلية كأحد أبرز محاور النقاش خلال اجتماعات القاهرة. وهناك قناعة متزايدة لدى عدد من العواصم الإقليمية بأن إسرائيل قد تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى ترجمة ما تعتبره مكاسب عسكرية حققتها خلال السنوات الأخيرة إلى وقائع سياسية وأمنية جديدة في المنطقة.

ويشير مصدر دبلوماسي مصري في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن المبادرة المصرية يمكن النظر إليها أيضاً باعتبارها رسالة سياسية تعكس وجود تكتلات إقليمية آخذة في التشكل في مواجهة محاولات فرض خرائط جديدة أو إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بصورة أحادية.

ويضيف المصدر أن الحديث المتجدد داخل إسرائيل عن إعادة تشكيل المنطقة أو ما يُعرف لدى بعض الأوساط بمشاريع "إسرائيل الكبرى" يثير قلقاً متزايداً لدى العديد من دول المنطقة، ويدفعها إلى البحث عن صيغ تعاون أكثر فاعلية لحماية مصالحها الاستراتيجية.

كما أن القلق الإسرائيلي من التقارب بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان يعود، وفقاً للمصدر، إلى أن دولة الاحتلال تدرك أن الدول الأربع تمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً، وأن أي تنسيق منظم بينها قد يحد من قدرتها على فرض وقائع جديدة أو استغلال الأزمات الإقليمية لتوسيع نفوذها.

وترى هذه الدول أن استقرار المنطقة يتطلب وجود توازنات إقليمية جديدة تحول دون انفراد أي طرف بإدارة المشهد أو إعادة رسم خرائطه وفق مصالحه الخاصة.

أجندة إقليمية واسعة

لم تقتصر المناقشات على الملف الإيراني أو المخاوف المرتبطة بإسرائيل، بل شملت مجموعة واسعة من الملفات الإقليمية التي تعكس اتساع طموحات الدول الأربع.

مصدر دبلوماسي مصري اطلع على تفاصيل الاجتماعات، قال إن المباحثات تناولت الحرب في غزة، والمفاوضات المتعلقة باستكمال تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، والأوضاع في لبنان، والعلاقات الخليجية الإيرانية، إضافة إلى تطورات السودان وليبيا والصومال والبحر الأحمر.

ويؤكد المصدر أن هناك تقارباً كبيراً يصل في بعض الملفات إلى حد التماثل في المواقف بين الدول الأربع، خصوصاً فيما يتعلق بأهمية التواصل مع إيران لمعالجة الشواغل الأمنية الخليجية والعمل على اتخاذ خطوات تعيد بناء الثقة بين الجانبين بعد الحرب الأخيرة.

كما تناولت المناقشات الوضع في لبنان، حيث جرى التأكيد على أهمية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية بالتزامن مع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمواقع التي لا تزال تحتلها في الجنوب ووقف العمليات العسكرية الجارية.

أما في البحر الأحمر، فقد برز توافق واضح على أهمية حماية الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة العالمية ومنع أي محاولات لعسكرة المنطقة أو تهديد سلاسل الإمداد الدولية، خاصة في ظل التوترات المتزايدة التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين.

وترى الدول الأربع أن حجم التحديات الحالية يفرض الانتقال من التنسيق الدبلوماسي التقليدي إلى مقاربة أكثر شمولاً تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية في آن واحد.

هل نحن أمام نواة تكتل سياسي وأمني جديد؟

يبقى السؤال الأبرز مرتبطاً بمستقبل هذا المسار: هل يتحول الرباعي الإسلامي إلى تكتل إقليمي جديد أم يبقى مجرد منصة تشاور سياسية؟

تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تعطي مؤشرات مهمة في هذا الاتجاه. فقد أكد أن تركيا والسعودية ومصر وباكستان تُعد من أبرز دول المنطقة من حيث الإمكانات والقدرات والمسؤوليات والثقل السكاني والجغرافي، وأن تعاونها يهدف إلى تبني مشكلات المنطقة السياسية والأمنية والاقتصادية والبحث عن حلول لها.

وأضاف أن الدول الأربع تسعى إلى بلورة رؤية إقليمية مشتركة لمرحلة ما بعد الحروب والأزمات، بعيداً عن فرض تصورات من الخارج، وأن هذه الرؤية ستُطرح في الوقت المناسب بالتعاون مع المجتمع الدولي.

وتتقاطع هذه التصورات مع ما كشفه تقرير لموقع "Middle East Eye" في مارس الماضي، والذي تحدث عن مشاورات بين الدول الأربع لبحث إنشاء إطار تعاون أمني يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وتطوير آليات تشاور سياسي مستمرة، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري المرتبط بالصناعات الدفاعية.

وبحسب التقرير، فإن الهدف لا يتمثل في إنشاء تحالف دفاعي تقليدي أو حلف عسكري ملزم، بل في بناء منصة تعاون مرنة تسمح بتنسيق المواقف وتعزيز القدرات الذاتية للدول الأربع في مواجهة التحديات المتزايدة.

وفي ظل الثقل الاقتصادي للسعودية، والموقع الجيوسياسي المصري، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والمكانة الاستراتيجية والنووية لباكستان، يبدو أن مشروع تحويل الرباعي إلى إطار مؤسسي دائم يتجاوز فكرة الاجتماعات الدورية، ليصبح محاولة جدية لبناء أحد أهم التكتلات الإقليمية الصاعدة في الشرق الأوسط خلال مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.

تحميل المزيد