ما هي تداعيات وقف الحرب على إيران على أسعار النفط والغذاء والطيران؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/22 الساعة 12:07 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/22 الساعة 12:11 بتوقيت غرينتش
من النفط إلى الغذاء.. كيف ستنعكس هدنة إيران على جيوب المستهلكين؟ /عربي بوست

لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية تدور على بعد آلاف الكيلومترات من معظم المستهلكين حول العالم. ففي غضون أسابيع قليلة، انتقلت تداعياتها من شاشات الأخبار إلى محطات الوقود وأسعار النفط، وتذاكر الطيران، وفواتير الشحن، وأسعار السلع الغذائية.

ومع كل تصعيد في منطقة يمر عبرها نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، ارتفعت المخاوف في الأسواق من تعطل الإمدادات، وارتفعت معها الأسعار، ليجد ملايين المستهلكين أنفسهم يدفعون ثمن حرب لم يشاركوا فيها.

واليوم، ومع توقيع واشنطن وطهران على مذكرة تفاهم بشأن إنهاء الحرب، تتجه الأنظار إلى سؤال مختلف: هل انتهت بالفعل الفاتورة التي فرضتها الحرب على المستهلك العالمي؟

فعلى الرغم من أن أسعار النفط استجابت سريعاً لمؤشرات التهدئة وتراجعت من مستويات الذروة التي بلغتها خلال الأزمة، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن انتقال هذا الانخفاض إلى المستهلك النهائي لا يحدث بالسرعة نفسها التي ترتفع بها الأسعار عند اندلاع الأزمات. 

فأسواق الطاقة، وشركات الطيران، وسلاسل الإمداد العالمية، ومصنّعو الأغذية، جميعها تحتاج إلى وقت لإعادة تسعير تكاليفها والتخلص من آثار أشهر من التقلبات والمخاطر.

وتكمن أهمية هذا السؤال في أن تداعيات الحرب تجاوزت قطاع الطاقة لتشمل قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي. ورفع ارتفاع أسعار الوقود تكاليف النقل والشحن، وزاد الضغوط على أسعار الغذاء والأسمدة، كما أجبر شركات الطيران على تحمل تكاليف تشغيلية أعلى وتعديل مسارات رحلاتها. 

وفي الوقت نفسه، ساهمت المخاوف الجيوسياسية في تغذية موجة جديدة من الضغوط التضخمية التي أثرت على القوة الشرائية للأسر في العديد من الاقتصادات الكبرى والنامية على حد سواء.

فتح مضيق هرمز
مضيق هرمز/عربي بوست

في هذا التقرير، نتتبع كيف تأثر المستهلك العالمي بالحرب على إيران، وما هي أبرز القطاعات التي دفعت ثمن الأزمة، ومتى يمكن أن تنعكس مكاسب اتفاق وقف الحرب على أسعار النفط والطيران والغذاء.

ما هي أبرز القطاعات التي دفعت ثمن الأزمة؟

لم تتوقف تداعيات الحرب على إيران عند أسواق النفط، بل امتدت عبر سلسلة مترابطة من القطاعات الاقتصادية التي تمس الحياة اليومية للمستهلكين حول العالم. 

وبحسب أحدث تقديرات البنك الدولي، تسببت الحرب في أكبر صدمة لأسواق الطاقة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، ما أدى إلى انتقال آثار الأزمة من حقول النفط وممرات الشحن إلى أسعار النقل والغذاء وتكاليف المعيشة عالمياً.

الطاقة.. الشرارة الأولى للأزمة

كان قطاع الطاقة الخاسر الأكبر والأسرع تأثراً بالحرب. فقد أدى التصعيد العسكري والاضطرابات في الخليج إلى تعطيل جزء من الإمدادات العالمية وإثارة مخاوف واسعة بشأن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة النفط في العالم.

ووفق البنك الدولي، ارتفعت أسعار الطاقة بصورة دفعت المؤسسة الدولية إلى توقع زيادة متوسط أسعار الطاقة عالمياً بنحو 24% خلال عام 2026، بينما بقي خام برنت خلال ذروة الأزمة أعلى بأكثر من 50% مقارنة ببداية العام. 

كما قدّر البنك الدولي أن الحرب تسببت في أكبر صدمة لإمدادات النفط المسجلة تاريخياً مع فقدان نحو 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات العالمية في المراحل الأولى للأزمة.

الطيران.. وقود مرتفع وتذاكر لا تنخفض سريعاً

يبرز قطاع الطيران بوصفه من أكثر القطاعات تعرضاً للضغوط بسبب اعتماده المباشر على الوقود. فمع ارتفاع أسعار وقود الطائرات خلال الحرب، رفعت شركات الطيران الرسوم والأسعار لتعويض التكاليف المتزايدة.

ورغم أن اتفاق التهدئة أدى إلى هبوط أسعار وقود الطائرات بصورة ملحوظة، فإن شركات الطيران لا تتوقع انعكاس ذلك سريعاً على المسافرين.

وذكرت وكالة رويترز أن شركات الطيران الأمريكية والأوروبية ما زالت تستفيد من محدودية السعة المتاحة وارتفاع الطلب، ما يسمح لها بالإبقاء على أسعار التذاكر عند مستويات مرتفعة نسبياً حتى بعد انخفاض الوقود.

الغذاء والأسمدة.. الأثر الأطول عمراً

إذا كان النفط أول من تأثر بالحرب، فإن الغذاء قد يكون آخر قطاع يتعافى منها. فالبنك الدولي يتوقع ارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً بنحو 31% خلال 2026، مدفوعة بقفزة تقارب 60% في أسعار اليوريا، وهي مادة أساسية للإنتاج الزراعي.

وتكمن خطورة هذه الزيادات في أنها لا تؤثر فقط على المزارعين، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار الحبوب والزيوت واللحوم والمنتجات الغذائية الأخرى. 

وحتى بعد تراجع أسعار النفط في مايو/ أيار الماضي، أظهرت بيانات البنك الدولي استمرار ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بنسبة 1.9%، ما يعكس بطء انتقال أثر التهدئة إلى الأسواق الغذائية.

الشحن والتجارة العالمية.. التكلفة الخفية

شكّل الشحن البحري الحلقة التي نقلت آثار الحرب إلى بقية الاقتصاد العالمي. فقد أدت المخاطر الأمنية في الخليج إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإعادة توجيه بعض مسارات التجارة العالمية.

ورغم تحسن تدفقات النفط بعد اتفاق التهدئة، تشير بيانات رويترز إلى أن أسواق الوقود المكرر ما زالت تعاني نقصاً نسبياً في الإمدادات، وأن صادرات المشتقات النفطية في آسيا ما تزال أقل بنحو 13% من مستويات ما قبل الحرب، ما يبقي الضغوط قائمة على تكاليف النقل والشحن.

كيف غيّرت مذكرة التفاهم مسار أسعار النفط والطيران والغذاء؟

لم يقتصر أثر مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران على وقف العمليات العسكرية، بل امتد مباشرة إلى الأسواق العالمية التي كانت تسعّر احتمال استمرار الحرب أو اتساعها.

وخلال أيام من توقيع الاتفاق بدأت الأسواق تتخلص من جزء من "علاوة المخاطر الجيوسياسية" التي رفعت أسعار النفط والشحن والطيران خلال الأشهر الماضية، لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة التوازن في سلاسل الإمداد العالمية.

النفط.. نهاية تدريجية لعلاوة المخاطر

كان النفط أول المستفيدين من الاتفاق. فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، ولذلك كان أي تهديد للمضيق ينعكس فوراً على الأسعار العالمية.

وشهدت أسعار النفط تراجعاً، الإثنين 22 يونيو/ حزيران، بعد اختتام المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، إذ أعلنت طهران أنها حصلت على إعفاءات لصادرات النفط والبتروكيماويات، ما خفف من المخاوف بشأن نقص الإمدادات في الأسواق العالمية.

ووصل سعر خام برنت إلى 79.04 دولاراً للبرميل، مقارنة بأسعار تجاوزت 114 دولاراً للبرميل في مارس/ آذار الماضي.

وبعد تثبيت وقف إطلاق النار، أشارت تحليلات فايننشال تايمز إلى أن الأسواق بدأت تستبعد سيناريو تعطيل الصادرات الخليجية، ما أدى إلى تراجع جزء كبير من علاوة المخاطر التي أضيفت إلى الأسعار خلال الحرب.

كما توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يؤدي استقرار الملاحة وعودة الإمدادات إلى تحسين ميزان العرض العالمي خلال النصف الثاني من 2026، خصوصاً مع توقعات زيادة الإمدادات من دول أوبك وخارجها.

وتوقع بنك سيتي أن تتجه أسعار النفط نحو الانخفاض خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة لتصل إلى ما بين 60 و65 دولاراً للبرميل بحلول الربع الأول من عام 2027.

أسعار النفط
من النفط إلى الغذاء.. كيف ستنعكس هدنة إيران على جيوب المستهلكين؟ /عربي بوست

الطيران.. الوقود يهبط أولاً والتذاكر لاحقاً

يُمثل الوقود عادة ما بين 25% و30% من تكاليف التشغيل لدى شركات الطيران، وفق بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA). ولذلك كانت شركات الطيران من أكبر المتضررين من الحرب وأحد أكبر المستفيدين من الاتفاق.

لكن انخفاض النفط لا يعني تلقائياً انخفاض أسعار التذاكر. فبيانات شركة "سيروم" المتخصصة في تحليلات الطيران تشير إلى أن شركات الطيران ما تزال تواجه نقصاً في الطائرات الجديدة، وتأخيرات في التسليم، وطلباً قوياً على السفر الدولي. ولهذا فإن تراجع تكلفة الوقود قد يظهر أولاً في أرباح الشركات قبل أن ينتقل بالكامل إلى المستهلك.

الغذاء.. المستفيد الأبطأ من الاتفاق

ورغم أن النفط كان أول القطاعات استجابة للهدنة، فإن الغذاء غالباً سيكون آخرها.

وحذّر البنك الدولي من أن ارتفاع أسعار الطاقة خلال الحرب أدى إلى زيادة تكاليف الأسمدة والنقل والإنتاج الزراعي.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، الجمعة 5 يونيو/حزيران/ إن أسعار المواد الغذائية العالمية تراجعت في مايو أيار 0.2 % مقارنة بالمستوى المعدل لأبريل/ نيسان.

وبلغ متوسط مؤشر المنظمة لأسعار الغذاء، الذي يقيس التغيرات في سلة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، 130.8 نقطة في مايو/ أيار بانخفاض طفيف عن مستواه المعدل في أبريل/ نيسان البالغ 131 نقطة.

وفي تقرير منفصل، قدرت الفاو إنتاج الحبوب العالمي لموسم 2027/2026 بنحو 2.982 مليار طن بانخفاض 2% على أساس سنوي.

تحميل المزيد