رغم الحراك السياسي المكثف الذي شهدته القاهرة خلال الأيام الماضية بمشاركة الفصائل الفلسطينية والوسطاء الإقليميين، ما تزال المفاوضات الخاصة باستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تصطدم بعقبات جوهرية، على رأسها مستقبل سلاح الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس.
وكشفت مصادر فلسطينية ومصرية مطلعة على المباحثات لـ"عربي بوست" أن الحركة لم ترفض المقترحات التي طرحها الوسطاء المصريون والقطريون والأتراك، لكنها في الوقت ذاته لم تمنح موافقة نهائية عليها، مفضلة ربط أي خطوة تتعلق بالسلاح بضمانات إسرائيلية واضحة تضمن تنفيذ بقية بنود الاتفاق، وعلى رأسها وقف الاغتيالات والانسحاب من معظم مناطق القطاع.
وبحسب المصادر، فإن الوسطاء نقلوا ردود الفصائل الفلسطينية، بما فيها ملاحظات حركة حماس، إلى مبعوث مجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف، الذي تولى بدوره رفعها إلى الإدارة الأميركية بانتظار الموقف الإسرائيلي النهائي، في وقت لا تزال فيه المشاورات مفتوحة وسط تقديرات متباينة بشأن فرص نجاح الجولة الحالية من المفاوضات.
وتأتي هذه الاجتماعات بعد مرور نحو 8 أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بينما يتهم الفلسطينيون إسرائيل بتعطيل تنفيذ معظم بنود المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بوقف الهجمات العسكرية وإدخال المساعدات الإنسانية والالتزام الكامل بالاستحقاقات الميدانية المنصوص عليها في الاتفاق.
ماذا جرى في اجتماعات القاهرة؟
شهدت العاصمة المصرية مطلع الأسبوع الجاري سلسلة اجتماعات ضمت ممثلين عن حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يتزعمه محمد دحلان، والذي مثله في الاجتماعات القيادي سمير مشهراوي، إلى جانب وفود من الدول الوسيطة.
وبحسب مصادر مطلعة، شارك في الاجتماعات رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير حسن رشاد، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، في إطار جهد إقليمي مشترك يستهدف دفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وتجاوز حالة الجمود التي أصابت المفاوضات خلال الأشهر الماضية.
وتركزت المناقشات على استكمال تنفيذ المرحلة الأولى ووضع آليات واضحة للانتقال إلى المرحلة الثانية بما يضمن وقف العمليات العسكرية بشكل مستدام، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار وعودة الحياة المدنية إلى القطاع.
وبحسب مصادر فلسطينية حضرت جانباً من الاجتماعات، فإن الأيام الماضية شهدت جلسات ثنائية وأخرى جماعية بين الوسطاء وقادة الفصائل، جرى خلالها استعراض مختلف المقترحات المطروحة ومناقشة آليات التنفيذ والعقبات التي تواجهها.
كما ناقش المشاركون جملة من الأفكار والبدائل المطروحة في حال تعثر بعض بنود الاتفاق الحالية، غير أن المصادر تؤكد أن هامش المناورة ما يزال محدوداً، وأن الهدف الأساسي للوسطاء يتمثل في منع انهيار الاتفاق بالكامل والدفع نحو خطوات عملية تكسر حالة الجمود القائمة.
وفي موازاة الاجتماعات المباشرة، واصلت مصر وقطر وتركيا اتصالاتها مع الأطراف الدولية المعنية، فيما تحدثت وسائل إعلام مصرية عن توافق مصري قطري تركي على ضرورة دفع المفاوضات نحو تنفيذ كامل مخرجات مؤتمر شرم الشيخ وخطة التسوية المطروحة أميركياً.
السلاح العقدة الأصعب في مفاوضات غزة
تكاد جميع المصادر المشاركة في المفاوضات تجمع على أن ملف السلاح كان القضية الأكثر حساسية خلال اجتماعات القاهرة الأخيرة، بل إنه أصبح النقطة الرئيسية التي تحدد مصير المرحلة المقبلة من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
فبحسب مصادر فلسطينية مطلعة، تضمنت الورقة التي طرحها الوسطاء ما يقارب 15 بنداً، جرى التوافق على أغلبها، فيما تركز الجدل حول البند الثامن المتعلق بعملية جمع وحصر السلاح.
وينص البند محل الخلاف على تنفيذ عملية جمع السلاح بصورة تدريجية وعلى مراحل، وفق جدول زمني مرتبط بتنفيذ بقية استحقاقات الاتفاق، على أن تتم العملية تحت قيادة فلسطينية مع رقابة ومتابعة من الجهات الضامنة ولجنة التحقق من التنفيذ وقوة الاستقرار الدولية.
غير أن حركة حماس، وفق المصادر، رفضت التعامل مع المسألة باعتبارها عملية "نزع سلاح" أو "تسليم سلاح"، وقدمت بدلاً من ذلك تصوراً يقوم على "تحييد السلاح"، أي الامتناع عن استخدامه ووضعه ضمن إطار وطني فلسطيني منظم دون تسليمه إلى جهات خارجية.
ويقول مصدر فلسطيني مطلع على المفاوضات إن الحركة تركت الباب موارباً ولم تغلق باب النقاش، لكنها في الوقت نفسه لم تمنح موافقة نهائية على المقترحات المقدمة، معتبرة أن أي ترتيبات تتعلق بالسلاح يجب أن تكون جزءاً من عملية سياسية وأمنية متكاملة تضمن تنفيذ بقية الالتزامات.
وبحسب المصدر ذاته، فإن النقاشات لم تعد تدور حول سلاح ثقيل كما كان الحال في السابق، إذ تشير تقديرات فلسطينية إلى أن غالبية البنية العسكرية الثقيلة للحركة تعرضت للتدمير أو التفكيك خلال الحرب، كما أن القوات الإسرائيلية باتت تسيطر على معظم المناطق التي كانت تضم شبكات الأنفاق الرئيسية قبل السابع من أكتوبر.
ويضيف المصدر أن الحديث اليوم يتركز بصورة أكبر على الأسلحة الخفيفة وآليات تنظيم حيازتها مستقبلاً، في إطار تصور يقوم على توحيد امتلاك السلاح تحت مظلة مؤسسات وطنية فلسطينية بدلاً من تعدد الجهات المسلحة.
كما أبدت الحركة تحفظاً واضحاً على أي دور لقوات الاستقرار الدولية في نزع السلاح أو استلامه، معتبرة أن مثل هذه الخطوة قد تخلق أزمات داخلية جديدة، وهو ما دفع الوسطاء إلى البحث عن صيغ بديلة تضمن معالجة الملف دون إحداث صدامات سياسية أو أمنية.
ما الضمانات التي تطلبها حماس؟
بحسب مصادر فلسطينية ومصرية شاركت في المشاورات، فإن جوهر موقف حماس لا يتعلق برفض النقاش حول السلاح بقدر ما يتعلق بالحصول على ضمانات تلزم إسرائيل بتنفيذ تعهداتها.
وتشمل هذه الضمانات وقف سياسة الاغتيالات التي تستهدف قادة وعناصر الفصائل الفلسطينية، وإنهاء الاستهدافات اليومية داخل القطاع، والانسحاب الإسرائيلي من نحو 85% من مساحة غزة، والسماح بانتشار الشرطة الفلسطينية وقوات الاستقرار الدولية ضمن الأدوار المتفق عليها.
كما تطالب الحركة بتفكيك المجموعات المسلحة التي تتهم إسرائيل بدعمها أو تشكيلها في بعض المناطق والمداخل داخل القطاع، إضافة إلى ضمان عدم استخدام ملف السلاح وسيلةً للضغط السياسي بعد تنفيذ بقية مراحل الاتفاق.
ويقول مصدر مصري مطلع على المفاوضات إن الوسطاء أجروا تعديلات على بعض البنود استجابة لملاحظات قدمتها الحركة، خصوصاً فيما يتعلق بآليات إلزام إسرائيل بوقف الاغتيالات واحترام تعهداتها خلال مراحل التنفيذ.
وأضاف المصدر أن حماس أظهرت هذه المرة قدراً أكبر من المرونة مقارنة بجولات سابقة، وقدمت ردوداً مكتوبة ومفصلة على ما طرحه الوسطاء، إلا أنها أصرت على وجود ضمانات عملية وقابلة للتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بتعهدات سياسية عامة.
وبحسب المصدر ذاته، فقد جرى التوافق بين الوسطاء والحركة على أن يقتصر دور قوات الاستقرار الدولية على الفصل بين القوات والوجود في المناطق الحدودية، دون أن تتولى أي مهام مرتبطة بنزع السلاح أو مصادرته.
وترى مصادر فلسطينية أن الحركة تعتقد أن أي تنازل جوهري في ملف السلاح دون مقابل سياسي وأمني واضح قد يتركها مكشوفة أمام إسرائيل مستقبلاً، وهو ما يفسر تمسكها بالحصول على ضمانات قوية قبل اتخاذ أي خطوات نهائية.
لماذا تبدو فرص النجاح محدودة؟
رغم الحراك الدبلوماسي الكبير، فإن بعض المصادر المشاركة في المفاوضات لا تبدي تفاؤلاً كبيراً بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الفترة القريبة.
وقال مصدر فلسطيني على صلة مباشرة بالمفاوضات إن الأجواء العامة "أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح"، موضحاً أن ما طرحته حماس قد يكون مقبولاً بالنسبة لبعض الوسطاء، لكنه يبدو بعيداً عن الحسابات السياسية الحالية للحكومة الإسرائيلية.
ويرى المصدر أن الأزمة لا تتعلق فقط بموقف حماس، بل أيضاً بطبيعة المشهد السياسي داخل إسرائيل، حيث يقترب بنيامين نتنياهو من استحقاقات انتخابية تجعل فرص تقديم تنازلات كبيرة محدودة للغاية.
وبحسب المصدر، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني المتطرف، وهو ما قد يدفعه إلى مواصلة سياسة التصعيد بدلاً من تقديم تنازلات تسمح بإنجاز اتفاق شامل.
كما يشير المصدر إلى أن الوسطاء يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في محدودية الضغوط الأميركية الفعلية على إسرائيل، رغم استمرار الخروقات الميدانية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين منذ توقيع الاتفاق.
وتعتقد بعض التقديرات الفلسطينية أن إسرائيل قد تواصل سياسة الاستهدافات اليومية وتوسيع مناطق سيطرتها داخل القطاع أو حتى العودة إلى عمليات عسكرية واسعة إذا رأت أن ذلك يخدم الحسابات السياسية الداخلية للحكومة الحالية.
وتستند هذه المخاوف إلى تصريحات إسرائيلية سابقة تحدثت عن توسيع السيطرة الميدانية داخل غزة. فقد أعلن نتنياهو أواخر الشهر الماضي أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات بالوصول إلى السيطرة على 70% من مساحة القطاع، بعد أن كانت القوات الإسرائيلية تسيطر بالفعل على نحو 60% من مساحته.
وتثير هذه التصريحات شكوكاً واسعة لدى الفصائل الفلسطينية بشأن مدى استعداد إسرائيل للانتقال فعلاً إلى مرحلة جديدة من الاتفاق تقوم على الانسحاب التدريجي ووقف العمليات العسكرية.
هل ما زالت هناك فرصة للاتفاق؟
ورغم كل التعقيدات، فإن باب المفاوضات لم يُغلق بعد، وفق ما تؤكده مصادر مصرية وفلسطينية مطلعة على سير المشاورات.
وتشير هذه المصادر إلى أن بعض الوفود غادرت القاهرة بالفعل، فيما يُتوقع عودة وفود أخرى خلال الأيام المقبلة لاستكمال النقاشات بعد إجراء مزيد من المشاورات الداخلية.
من جانبه، أكد عضو المكتب السياسي لحركة حماس وعضو وفد المفاوضات حسام بدران أن اللقاءات الجارية في القاهرة تسير في أجواء "إيجابية وبناءة"، مشيراً إلى وجود توافق فلسطيني واسع حول خارطة الطريق المطروحة لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وقال بدران إن الحركة تواصل اجتماعاتها مع الوسطاء بروح إيجابية ومسؤولة بهدف إنجاح الجولة الحالية من المفاوضات وحماية الشعب الفلسطيني وإفشال المخططات الإسرائيلية، معتبراً أن المشاورات الأخيرة حققت تقدماً حقيقياً يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.
كما دعا المجتمع الدولي والوسطاء إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها ووقف الانتهاكات التي يشهدها قطاع غزة، مؤكداً أن نجاح أي اتفاق يتوقف على التزام جميع الأطراف بما يتم التوافق عليه.
وفي انتظار الرد الإسرائيلي والأميركي على المقترحات التي حملها الوسطاء من القاهرة، تبقى المفاوضات معلقة بين احتمالين: إما تحقيق اختراق يسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، أو استمرار حالة المراوحة الحالية، بما يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار. وبين هذين الخيارين، يبقى ملف السلاح والضمانات المتبادلة العقدة الأبرز التي ستحدد مصير اتفاق غزة خلال الأسابيع المقبلة.