من إسلام آباد إلى أنقرة والقاهرة: كيف أعادت زيارة قائد الجيش رسم موقع لبنان في مفاوضات المنطقة؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/11 الساعة 13:27 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/11 الساعة 13:27 بتوقيت غرينتش
قائد الجيش اللبناني يتحرك إقليمياً ودولياً/ عربي بوست

من إسلام آباد إلى أنقرة والقاهرة، يتحرك لبنان بمختلف مؤسساته السياسية والجيش اللبناني على وقع المفاوضات الإقليمية المتسارعة التي لم تعد تقتصر على الحرب الإقليمية أو تلك الدائرة في الجنوب اللبناني، بل باتت تشمل شكل الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستلي أي تسوية محتملة في منطقة المشرق العربي.

وفي هذا السياق، تكشف معلومات خاصة لـ"عربي بوست" أن زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى باكستان جاءت في قلب هذه التحركات، باعتبار أن إسلام آباد تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى القنوات الرئيسية في التواصل غير المباشر بين واشنطن وطهران، وإلى منصة تناقش فيها ملفات تمتد من الخليج إلى سوريا ولبنان.

وتشير المعطيات إلى أن بيروت بدأت بالتوازي توسيع شبكة اتصالاتها الخارجية وعدم حصر رهاناتها بالقناة الأميركية، عبر تفعيل التواصل مع باكستان وتركيا ومصر والسعودية، لضمان حضورها داخل المفاوضات غير المباشرة التي تبحث مستقبل الأمن الإقليمي، ومنع فرض الترتيبات المقبلة على لبنان دون أن تكون شريكاً في صياغتها.

باكستان محطة أساسية في الملف اللبناني

منذ بدء الوساطة الباكستانية بين الولايات المتحدة وإيران، برز الملف اللبناني كأحد أكثر الملفات تعقيداً داخل المفاوضات الجارية. إذ تتمسك طهران بأن يتضمن أي تفاهم مع واشنطن وقفاً شاملاً للحرب الإسرائيلية على لبنان، بينما تسعى إسرائيل إلى فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني والإبقاء على هامش واسع لتحركاتها العسكرية في الجنوب.

هذا التباين دفع إسلام آباد إلى الانخراط بصورة أعمق في فهم الواقع اللبناني، ليس فقط عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، وإنما أيضاً عبر المؤسسة العسكرية اللبنانية التي ستكون عملياً الجهة المعنية بتنفيذ أي ترتيبات أمنية قد تنتج عن المفاوضات.

وبحسب مصدر عسكري لبناني تحدث لـ"عربي بوست"، فإن الجانب الباكستاني أراد الحصول مباشرة من قائد الجيش على تقييم دقيق للوضع الميداني في الجنوب، وقدرات الجيش اللبناني، والاحتياجات المطلوبة إذا ما أفضت المفاوضات إلى اتفاق يفرض انتشاراً أوسع للقوات اللبنانية على الحدود.

ماذا نوقش بين قائد الجيش اللبناني وعاصم منير؟

وفق المعلومات، تناولت المحادثات 3 مستويات متداخلة. المستوى الأول ارتبط بالوضع الميداني جنوب لبنان، والواقع الأمني في المناطق الحدودية، وقدرة الجيش اللبناني على الانتشار في المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل مستقبلاً.

أما المستوى الثاني فتعلق بالاحتياجات العسكرية واللوجستية للمؤسسة العسكرية اللبنانية، فقد عرض العماد هيكل أمام المسؤولين الباكستانيين التحديات المرتبطة بتوسيع الانتشار العسكري في الجنوب، والحاجة إلى دعم إضافي في مجالات المراقبة والاتصالات والنقل والهندسة العسكرية وإزالة الألغام وإنشاء المواقع الثابتة.

في حين ركز المستوى الثالث من المباحثات بين هيكل وعاصم منير على الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري تداولها في الكواليس الدولية بشأن مرحلة ما بعد الحرب، ومدى قدرة الجيش اللبناني على لعب الدور المحوري المطلوب منه في تثبيت أي اتفاق محتمل.

وبحسب المصدر العسكري الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، كان واضحاً أن الجانب الباكستاني لا ينظر إلى الجيش اللبناني باعتباره مجرد مؤسسة أمنية، بل باعتباره حجر الأساس لأي صيغة سياسية أو أمنية يجري العمل عليها حالياً في لبنان.

مشاركة باكستان في ترتيبات ما بعد الحرب

أحد أبرز الملفات التي طُرحت خلال الزيارة يتعلق بمستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، إذ تقول المصادر إن المسؤولين الباكستانيين أبدوا اهتماماً خاصاً بالنقاشات الجارية حول مستقبل قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب، وإمكانية تعديل مهامها أو تعزيزها إذا تم التوصل إلى اتفاق جديد.

ووفق المصدر العسكري، تناول جزء من المحادثات السيناريوهات المحتملة لمرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك احتمال إنشاء ترتيبات دولية أو متعددة الجنسيات لدعم الاستقرار ومساندة الجيش اللبناني.

وفي هذا الإطار، شدد العماد هيكل أمام مضيفيه على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تكون داعمة للجيش اللبناني لا بديلاً عنه، وأن الأولوية تبقى لتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها.

لكن اللافت، بحسب المصادر، أن الجانب الباكستاني أظهر اهتماماً واضحاً بفهم طبيعة الدور الذي قد يُطلب من الدول الصديقة القيام به مستقبلاً، خصوصاً أن باكستان تُعدّ من أكبر الدول المساهمة في عمليات حفظ السلام الدولية وتمتلك خبرة واسعة في إدارة البيئات الأمنية المعقدة.

ولذلك لا تستبعد مصادر لبنانية أن تكون إسلام آباد تدرس منذ الآن إمكانية لعب دور أوسع في لبنان إذا نضجت التسوية الإقليمية.

لبنان يوسع شبكة اتصالاته

قال مصدر حكومي لبناني لـ"عربي بوست" إنه لا يمكن فصل زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان عن قرار سياسي اتُّخذ خلال الأسابيع الأخيرة يقضي بتوسيع شبكة الاتصالات الخارجية وعدم الاكتفاء بالقناة الأميركية.

إذ باتت السلطات اللبنانية تدرك أن أي اتفاق مستقبلي لن ينتج حصراً من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل سيتأثر أيضاً بالتفاهمات الأميركية الإيرانية وبالحراك العربي والإقليمي الموازي.

ومن هنا بدأ لبنان تفعيل خطوطه مع عدد من العواصم المؤثرة، وفي مقدمتها أنقرة والقاهرة، بالتوازي مع الاتصالات المستمرة مع الرياض والدوحة.

وتقول مصادر حكومية إن تركيا أصبحت لاعباً يصعب تجاوزه في ملفات سوريا وشرق المتوسط والأمن الإقليمي، كما أنها تحتفظ بعلاقات فاعلة مع قطر وباكستان وعدد من دوائر القرار الأميركية.

وخلال الفترة الماضية أبدت أنقرة استعداداً لزيادة دعمها للمؤسسة العسكرية اللبنانية، سواء عبر المساعدات العسكرية أو التدريب أو التعاون التقني.

لكن أهمية تركيا بالنسبة إلى لبنان تتجاوز البعد العسكري. فأنقرة تنظر إلى الترتيبات الجارية في سوريا ولبنان باعتبارها جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل المشرق وخطوط التجارة والطاقة والربط البري بين الخليج وتركيا عبر الأراضي السورية.

ولهذا ترى بيروت أن تعزيز التواصل مع أنقرة يمنحها هامشاً إضافياً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، ويساعدها على إدخال لاعب إقليمي مؤثر إلى النقاشات الجارية بشأن مستقبل الجنوب اللبناني.

ووفق المصدر، من المنتظر أن يزور نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري العاصمة التركية خلال الأيام المقبلة لبحث أطر العلاقة المشتركة وإمكانية اضطلاع أنقرة بدور داعم للبنان وجيشه.

وبالتوازي مع التحرك نحو تركيا، قررت بيروت أيضاً تعزيز التنسيق مع مصر، التي ترى فيها الدولة اللبنانية طرفاً يمتلك خبرة طويلة في إدارة اتفاقات التهدئة وترتيبات وقف إطلاق النار، كما يحتفظ بعلاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل.

ووفق المصدر الحكومي، فإن المسؤولين اللبنانيين ينظرون إلى الدور المصري باعتباره عنصراً مهماً في أي جهد عربي يهدف إلى منع إسرائيل من الانفراد بصياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وفي توفير غطاء عربي أوسع لأي اتفاق مستقبلي.

وأشار المصدر ذاته إلى أن نائب رئيس الحكومة طارق متري زار القاهرة قبل أسبوعين والتقى مسؤولين مصريين وبحث معهم مستجدات المبادرة المصرية وأطر تنسيقها مع الأطراف الإقليمية والدولية.

السعودية في قلب التسوية المقبلة

في موازاة هذه التحركات، برزت زيارة المبعوث السعودي الخاص إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان، والتي جاءت وفق المصادر في إطار محاولة منع انهيار المسار التفاوضي الذي تعثر بسبب الاعتراضات اللبنانية على بعض البنود المطروحة في إعلان المبادئ.

وتحمل الزيارة، بحسب المصدر الحكومي اللبناني، دلالات سياسية تتجاوز قرار استئناف استقبال الصادرات اللبنانية، إذ أرادت الرياض توجيه رسالة واضحة بأنها انتقلت من مرحلة مراقبة الوضع اللبناني إلى مرحلة دعم الدولة اللبنانية بشكل مباشر.

كما تعكس الزيارة حرص السعودية على تثبيت حضورها في المرحلة التي تسبق أي تسوية إقليمية محتملة، والتأكيد أن لبنان سيبقى جزءاً من الاهتمام السعودي السياسي والاقتصادي والأمني خلال المرحلة المقبلة.

في المحصلة، تكشف زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان أن النقاش الإقليمي لم يعد يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي، بل حول الجهة التي ستدير مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا السياق يبرز الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على ملء أي فراغ أمني محتمل وتحويل أي اتفاق سياسي إلى واقع ميداني.

لكن المؤسسة العسكرية اللبنانية تضع في المقابل شروطاً واضحة: لا انتشار واسعاً من دون وقف شامل للحرب، ولا تحمُّل لمسؤوليات إضافية من دون دعم مالي وعسكري حقيقي، ولا قبول بتحويل الجيش إلى أداة لتنفيذ ترتيبات غير متوازنة لا تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً وضمانات دولية واضحة.

ولهذا تبدو محطة إسلام آباد أكثر من مجرد زيارة عسكرية، بل مؤشراً على دخول لبنان فعلياً مرحلة التفاوض على شكل التسوية المقبلة، ومحاولة إعادة تموضعه داخل شبكة تفاهمات تمتد من واشنطن وطهران إلى الرياض وأنقرة والقاهرة، فيما يتحول الجيش اللبناني تدريجياً إلى أحد أهم مفاتيح أي اتفاق يجري العمل عليه في المنطقة.

تحميل المزيد