مفاوضات غزة: كيف يسعى الوسطاء والفصائل إلى إنقاذ الاتفاق ودفع “مجلس السلام” إلى الضغط على إسرائيل؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/08 الساعة 11:58 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/08 الساعة 11:59 بتوقيت غرينتش
محاولات لإنقاذ اتفاق غزة رغم تصعيد الاحتلال الإسرائيلي/ عربي بوست

عادت الفصائل الفلسطينية إلى طاولة المباحثات في القاهرة وسط مساع مكثفة من الوسطاء لتجنب دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مرحلة جمود طويلة قد تمتد إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في ظل استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي وتعثر تنفيذ بنود الاتفاق منذ أشهر.

وتراهن مصر وقطر وتركيا على جولة المفاوضات الجديدة حول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لإعادة تحريك المسار السياسي، ومنع انهيار التفاهمات التي أُنجزت سابقاً، عبر الدفع نحو صيغة تسمح باستكمال تنفيذ اتفاق غزة وتُخرج المفاوضات من حالة المراوحة الحالية.

وبحسب مصادر مصرية وفلسطينية مطلعة، فإن جوهر التحرك الجاري لا يقتصر على البحث في مستقبل سلاح حركة حماس أو ترتيبات إدارة القطاع، بل يهدف أيضاً إلى إعادة إشراك الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف في العملية التفاوضية، وتحويل الضغوط السياسية نحو إسرائيل بدلاً من إبقاء الفلسطينيين وحدهم في مواجهة التصعيد العسكري المتواصل.

ويرى الوسطاء أن أي تقدم في ملف السلاح أو إدارة غزة يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة الزخم للمفاوضات ودفع مجلس السلام إلى ممارسة ضغوط أكبر على تل أبيب لتنفيذ التزاماتها. ويأمل الوسطاء أن تؤدي التفاهمات المرتقبة إلى تجنب سيناريو إعلان جمود طويل للاتفاق، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استغلال حالة التعثر الحالية لفرض وقائع جديدة على الأرض أو الدفع باتجاه مخططات التهجير.

تنازلات محتملة من حماس

وصل وفد حركة حماس وعدد من قادة الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة الجمعة 5 يونيو/ حزيران 2026، فيما انطلقت الاجتماعات السبت بمشاركة الوسطاء وتمثيل واسع للفصائل الفلسطينية، وقال مصدر مصري مطلع على المفاوضات إن منطلق المشاورات سيكون خريطة الطريق التي أعلن عنها ميلادينوف قبل عدة أشهر، مع إمكانية إدخال تعديلات محدودة عليها ما يتوافق مع مطالب حركة حماس.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن حركة حماس قد تقدم تنازلات تتعلق بالموافقة على تسليم سلاحها للشرطة الفلسطينية، إلى جانب القبول بدمج عناصرها في الوزارات والهيئات التي ستتولى إدارة قطاع غزة مستقبلاً، بحيث تصبح جزءاً من السلطة الجديدة التي ستدير القطاع خلال المرحلة المقبلة.

ويسعى الوسطاء من خلال هذه الجولة، وفق المصدر المصري المطلع على المفاوضات، إلى قطع الطريق على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يراهن، وفق تقديراتهم، على استمرار التصعيد العسكري واستهداف الفلسطينيين من أجل تعزيز موقعه الانتخابي داخلياً.

كما أشار المصدر ذاته إلى أن أبرز ما يمكن أن تخرج به مفاوضات القاهرة هو نقل الضغط السياسي إلى مجلس السلام، بحيث يصبح مطالباً بالضغط على إسرائيل وتنفيذ التزاماته بعيداً عن ردود الفعل التي تؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية داخل القطاع.

ويدرك الوسطاء صعوبة ضمان قبول إسرائيل ما قد يتم التوصل إليه، إلا أن الهدف النهائي يتمثل في أن يضطلع مجلس السلام بدوره كاملاً، وأن يقدم ضمانات لاستكمال تنفيذ بقية بنود الاتفاق بالتوازي مع التزام حماس بمسار نزع السلاح، بحيث تتحول المواجهة السياسية إلى مواجهة بين مجلس السلام وإسرائيل، لا بين الاحتلال والفلسطينيين.

ولفت مصدر "عربي بوست" إلى أن حماس كانت تفضل إرجاء المفاوضات بضعة أيام إضافية لإتاحة المجال أمام بلورة مواقفها الداخلية، خصوصاً في ظل عدم انتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي، واستمرار الاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من عناصر جناحها العسكري.

كما أن الوسطاء أنفسهم كانوا بحاجة إلى مزيد من الوقت لصياغة مقترحات يمكن أن تحظى بقبول مختلف الفصائل الفلسطينية. وتوقع المصدر أن توافق الحركة على الخطة المطروحة، مدعومة بمواقف مشابهة من الفصائل الأخرى المشاركة في المفاوضات، خصوصاً بعد نجاح الوسطاء في إقناع حماس بعدم الانخراط في مزيد من السجالات العلنية مع ميلادينوف.

ووفق المصدر المطلع، فهناك قناعة لدى بعض الأطراف بأن استمرار التوتر بين الحركة وممثل مجلس السلام يصب في مصلحة إسرائيل ويخفف الضغوط عنها، ولذلك ليس مستبعداً التوصل هذه المرة إلى تفاهم يقضي بتسليم سلاح حماس للشرطة الفلسطينية وليس لإسرائيل، بالتوازي مع إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي.

وأكد المصدر ذاته أن فرص نجاح المفاوضات تعززها حالة التوافق القائمة بين الوسطاء، وخاصة مصر وتركيا وقطر، حول الخطوط العريضة التي ينبغي أن تسير عليها الحركة خلال المرحلة المقبلة.

كما أن هناك قناعة متزايدة بأن هذه المحاولة قد تكون الأخيرة لإنقاذ اتفاق غزة، وإلا فقد يتم الإعلان عن جمود طويل للاتفاق خلال الأشهر المقبلة وربما إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول، وهو ما تسعى القاهرة وبقية الوسطاء إلى تجنبه عبر تكثيف الاستعدادات لإنجاح المباحثات الحالية.

استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في غزة

أعلنت حركة حماس، الجمعة 5 يونيو/ حزيران 2026، وصول وفد بقيادة رئيسها في قطاع غزة خليل الحية إلى العاصمة المصرية القاهرة، عشية بدء جولة جديدة من المفاوضات التي تستمر عدة أيام بهدف استكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار وبحث آليات الانتقال إلى المرحلة الثانية.

وقالت الحركة في بيان إن الوفد سيجري لقاءات مع مسؤولين مصريين ووسطاء لاستكمال تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القطاع وإيجاد الآليات المناسبة للدخول في المرحلة الثانية.

كما أوضحت أن الوفد سيعقد اجتماعات مع القوى والفصائل الفلسطينية بهدف التوصل إلى موقف وطني موحد بشأن مختلف القضايا المطروحة والتوافق على كيفية التعامل مع التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة.

ويضم الوفد، بحسب الحركة، زاهر جبارين رئيس الحركة في الضفة الغربية، وعضوَي المكتب السياسي حسام بدران وغازي حمد. وسبق أن عقدت الحركة عدة جولات تفاوضية مع المسؤولين المصريين والوسطاء من أجل استكمال تنفيذ الاتفاق ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، كان آخرها في 21 أبريل/ نيسان 2026.

وشملت المرحلة الأولى من الاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وقفاً لإطلاق النار وتبادلاً للأسرى الإسرائيليين والفلسطينيين وفتح معبر رفح وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً من داخله.

لكن إسرائيل، وفق ما تؤكد الفصائل الفلسطينية، تنصلت من التزاماتها الواردة في الاتفاق وواصلت عملياتها العسكرية، فيما أسفرت الخروقات اليومية عن مقتل 947 فلسطينياً وإصابة 2935 آخرين، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على أكثر من 60% من مساحة القطاع.

وتشمل المرحلة الثانية من الاتفاق قضايا أساسية تتعلق بتشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع وملف الإعمار وتشكيل مجلس السلام وإنشاء قوة دولية واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من غزة، إضافة إلى ملف نزع سلاح حماس.

نقطة التفاوض الأكثر حساسية

بحسب مصدر فلسطيني مطلع على المفاوضات، فإن الفصائل والوسطاء يعملون على تفادي فشل الجولة الحالية والوصول إلى نتائج ملموسة وقابلة للتطبيق تسمح باستكمال تنفيذ بنود اتفاق غزة، بما يشمل تشكيل قوة الاستقرار وإدخال لجنة إدارة غزة إلى القطاع وبدء إجراءات التعافي المبكر ودفع إسرائيل إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها.

وتخشى القاهرة أن يؤدي استمرار الجمود الحالي إلى تسهيل تنفيذ مخططات التهجير، ولذلك كثفت اتصالاتها مع مختلف الأطراف لمحاولة كسر حالة التعثر. كما أن المشاورات التي جرت بين الفصائل الفلسطينية وبين الفصائل والوسطاء الثلاثة، مصر وتركيا وقطر، كانت إيجابية، واتفقوا على الخطوط العريضة للمفاوضات بهدف تجنب إضاعة مزيد من الوقت في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل.

ووفق المصدر الفلسطيني، فقد تم دمج رؤية مصرية وأخرى تركية في مقاربة مشتركة للتعامل مع خطة ميلادينوف، وهي مقاربة تلقى قبولاً لدى حركة حماس أيضاً. وأضاف أن مفاوضات القاهرة ستركز أساساً على إمكانية استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة إذا ما قدمت الحركة مزيداً من التنازلات، بما يساعد على دفع مجلس السلام نحو ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل رغم استمرارها في عدم الالتزام بتعهداتها السابقة.

وأكد المصدر أن الحركة مستعدة لتسليم إدارة القطاع إلى سلطة فلسطينية جديدة، كما أنها منفتحة على دمج عناصرها في المؤسسات الجديدة وإحالة بعضهم إلى التقاعد أو ترتيبات إدارية أخرى ضمن السلطة المقبلة.

أزمة الثقة مع ميلادينوف

بذل الوسطاء جهوداً خلال الأيام الماضية لإشراك ميلادينوف في المفاوضات، لكن هذه المساعي لم تنجح حتى قبل ساعات من انطلاق الاجتماعات. وأرجع مصدر "عربي بوست" ذلك إلى اتساع الفجوة بين الطرفين نتيجة الهجمات المتكررة التي يشنها ميلادينوف على الحركة، مقابل اتهامات حماس له بالانحياز إلى إسرائيل.

وأشار إلى أنه في حال أبدت حماس موافقة مبدئية على نزع السلاح، فإن حضور ميلادينوف إلى القاهرة قد يصبح ممكناً خلال سير المفاوضات.

وترغب الفصائل الفلسطينية في تشكيل قوة تفصل بين لجنة إدارة غزة والشرطة ذات الطابع المدني من جهة، وبين قوات الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، لضمان عدم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. لكن ما طرحه ميلادينوف للوسطاء يشير إلى رغبته في نزع جميع أنواع الأسلحة وتسليمها إلى السلطة الجديدة ممثلة في لجنة إدارة غزة من دون وجود قوة فصل، وهو ما تعتبره الفصائل وصفة لاستمرار الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وتراه إحدى أبرز النقاط الخلافية التي ستناقش خلال اجتماعات القاهرة.

وحسب مصدر "عربي بوست"، هناك توافق أولي بين حماس ومعظم الفصائل الفلسطينية، باستثناء حركة فتح بقيادة محمود عباس، على ضرورة أن تحتفظ الحركة بحضور تنفيذي خلال المرحلة المقبلة، وهو أمر يرفضه ميلادينوف وإسرائيل والرئيس الفلسطيني.

ويرى أصحاب هذا الطرح، وفق المصدر الفلسطيني، أن استبعاد حماس من أي ترتيبات مستقبلية يعني عملياً تنفيذ رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصورة أحادية ومن دون شراكة حقيقية للحركة في إدارة المرحلة القادمة.

سباق مع الزمن لإنقاذ الاتفاق

يشارك في المباحثات الحالية مسؤولون مصريون وقطريون وأتراك، إلى جانب ممثلين عن حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ولجان المقاومة الشعبية والمبادرة الوطنية والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان.

ومن المنتظر أن تناقش الفصائل الفلسطينية مقاربات جديدة لتحريك الجمود الذي أصاب اتفاق وقف إطلاق النار الهش، في ظل استمرار إسرائيل في خرق الاتفاق وقتل أكثر من 900 فلسطيني منذ دخوله حيز التنفيذ.

ولا تزال المرحلة الثانية من الاتفاق، المتعلقة بنزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، تراوح مكانها بسبب تمسك الحركة بضرورة تنفيذ إسرائيل التزامات المرحلة الأولى أولاً، خصوصاً ما يتعلق بزيادة المساعدات وفتح المعابر والتراجع عن توسيع السيطرة العسكرية داخل القطاع، فيما تواصل إسرائيل اعتبار نزع السلاح أولوية مطلقة من دون تقديم مقابل سياسي أو ميداني، وهو الموقف الذي يحظى بدعم ميلادينوف.

وفي الوقت الذي تكثف فيه حماس اتصالاتها مع الوسطاء في مصر وقطر وتركيا للبحث عن مخارج للقضايا العالقة، يترقب مجلس السلام والإدارة الأميركية نتائج محادثات القاهرة لمعرفة ما إذا كانت الجولة الحالية قادرة على إعادة إطلاق الاتفاق أو أنها ستقود إلى مرحلة جمود طويلة.

وكان وفد من المجلس القيادي لحماس قد التقى مسؤولين أتراك في أنقرة الأسبوع الماضي، فيما أكد الناطق باسم الحركة حازم قاسم استعداد الحركة لتسليم إدارة القطاع إلى لجنة إدارة غزة، متهماً إسرائيل وميلادينوف بعرقلة عمل اللجنة ومنعها من دخول القطاع.

في المقابل، اعتبرت فصائل المقاومة الفلسطينية في بيان لها أن خريطة ميلادينوف تمثل ابتزازاً سياسياً وإنسانياً لأنها تربط المساعدات والإعمار والوقود بنزع سلاح المقاومة، وتضع لجنة التكنوقراط في مواجهة الفلسطينيين بما يعمق الانقسام الداخلي ويخدم إسرائيل.

ويأتي ذلك في وقت أقر فيه نتنياهو بأن الجيش بات يسيطر على 60% من مساحة قطاع غزة، معلناً نية حكومته توسيع هذه السيطرة إلى نحو 70%، ما يضيف مزيداً من الضغوط على المفاوضات ويجعل نجاحها أكثر إلحاحاً بالنسبة للوسطاء الساعين إلى منع انهيار الاتفاق ودخول غزة في مرحلة جديدة من التصعيد.

تحميل المزيد