لم تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/ شباط 2026 وانتهت بوقف إطلاق نار مؤقت مطلع أبريل/ نيسان، على الخسائر الاقتصادية والعسكرية وتدمير البنية التحتية ومنشآت الطاقة، بل امتدت إلى قلب المؤسسة الحاكمة في إيران.
فقد استهدفت عمليات الاغتيال التي قادتها واشنطن وتل أبيب منذ اليوم الأول للحرب على إيران رأس الهرم السياسي والأمني والعسكري الإيراني، وفي مقدمته المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب عدد كبير من قادة الصف الأول في مؤسسات الدولة، ما أحدث تغييرات عميقة في بنية النظام السياسي الإيراني وآليات صنع القرار داخله.
وكما تركت الحرب الاقتصاد الإيراني، المثقل أصلاً بأربعة عقود من العقوبات، أمام تحديات إعادة إعمار ضخمة ستحتاج إلى مليارات الدولارات وسنوات طويلة لاستعادة ما دمرته الحرب، فإنها فتحت أيضاً مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المؤسسة الحاكمة في إيران.
وبحسب مصادر إيرانية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن آثار التحولات السياسية والأمنية قد تستمر لسنوات، ويصف مصدر سياسي إيراني مقرب من المؤسسة السياسية الإيرانية هذه المرحلة: "دخل النظام حالة مخاض طويلة الأمد، لم ينهَر، لكنه لن يعود إلى سابق عهده. وبعد انتهاء الحرب سيكتشف الجميع داخل وخارج إيران مدى تأثيرها على الهيكل السياسي الإيراني".
تداعيات اغتيال المرشد الأعلى السابق
لم يكن مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، إثر غارة إسرائيلية استهدفت مقر إقامته، مجرد خسارة لرمز سياسي وديني، بل مثّل ضربة مباشرة للمحرك الأساسي للنظام السياسي الإيراني. فعلى مدار ما يقرب من 4 عقود، نجح خامنئي في تحويل منصب الولي الفقيه من موقع ديني وإرشادي إلى سلطة عليا تمتلك الكلمة الفصل في القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.
ويشرح رسول أحمدي، الخبير السياسي المقرب من المؤسسة السياسية الإيرانية، تداعيات غياب خامنئي قائلاً لـ"عربي بوست": "نجح خامنئي في تحويل منصبه من مجرد مرشد ديني وروحي لإضفاء الشرعية على النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية، إلى مركز تتركز فيه عملية صنع القرار، من خلال توسيع نفوذ مكتبه وتعزيز تأثيره على المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، وجعلها جميعاً مرتبطة به وبمكتبه".
وبحسب أحمدي، فإن المؤسسات الرئيسية في إيران، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومقر خاتم الأنبياء، وهيئة الأركان المسلحة، كانت جميعها تدور ضمن المنظومة التي يشرف عليها المرشد الأعلى بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويقول أحمدي: "كان خامنئي هو من يحدد سياسات كل هذه الكيانات السياسية والأمنية والعسكرية، وكانت القرارات التي تصدر عنها تخضع في النهاية لنهجه وقراره النهائي. وباختصار، كانت جميع مؤسسات الدولة تستمد شرعيتها من المرشد الأعلى".
ورغم ذلك، يؤكد مصدر سياسي إيراني رفيع المستوى أن اغتيال خامنئي لم يؤد إلى انهيار تلك المؤسسات، موضحاً لـ"عربي بوست": "لم تنهَر هذه المؤسسات بعد اغتيال المرشد الأعلى، لكنها لم تعد تعمل في المسار نفسه الذي حدده لها خامنئي. صحيح أن مجتبى خامنئي يمتلك علاقات وثيقة مع قادة هذه المؤسسات ويستطيع استكمال نهج والده، لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل".
غياب كبار القادة العسكريين والسياسيين
لم تقتصر الضربات الأمريكية والإسرائيلية على استهداف المرشد الأعلى الإيراني، بل شملت أيضاً عدداً من أبرز قادة الصف الأول في المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية.
فقد أدت عمليات الاغتيال إلى مقتل علي لاريجاني، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وعلي شمخاني، الذي كان يمثل حلقة الوصل بين خامنئي والقيادات العسكرية، إضافة إلى كمال خرازي، أمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، والذي كان يعد أحد أبرز مستشاري خامنئي في ملفات السياسة الخارجية.
كما أسفرت الغارات الأمريكية والإسرائيلية عن مقتل اللواء عبدالرحيم موسوي، قائد هيئة الأركان المسلحة والمقرب من خامنئي، ووزير الدفاع نصير زاده، الذي لعب دوراً محورياً في الربط بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى اللواء غلام علي رشيد قائد مقر خاتم الأنبياء، وخليفته اللواء علي شادماني، فضلاً عن عشرات القادة في الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
ويقول مسؤول أمني إيراني كان مقرباً من المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: "لا يمكن إنكار الآثار الكبيرة المترتبة على غياب كبار قادة المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية على بنية النظام الإيراني. فقد كانت الاغتيالات الإسرائيلية ممنهجة وتهدف إلى شل النظام الإيراني".
وبحسب المسؤول الأمني، فإن هذه المؤسسات "لم تنهَر بفضل منظومتها الإدارية المتماسكة التي تحميها من التفكك عند غياب القيادات الكبرى". ويضيف: "لكن هذا الأمر يضعنا أمام ترتيب جديد لمؤسسة القيادة الإيرانية".
في هذا السياق، يوضح الخبير السياسي رسول أحمدي أن الحرب الأخيرة لم تؤثر فقط على الأشخاص، بل طالت أيضاً طبيعة آلية صنع القرار داخل الدولة الإيرانية. ويقول أحمدي: "كانت مؤسسة القرار في إيران تتسم بطبيعة هرمية صارمة حكمت آلية اتخاذ القرار لعقود، لكن الحرب الأخيرة أثرت على هذه الآلية وأصبحت البنية القيادية أكثر تسطحاً".
وبغياب علي خامنئي، وصعوبة التواصل مع مجتبى خامنئي بسبب الإجراءات الأمنية المشددة المحيطة به، يضيف أحمدي: "فقدت مؤسسة القيادة رأس الهرم الذي كان يضبط إيقاع عمل مؤسسات الدولة. لكن في الوقت نفسه، أتاحت هذه الظروف الفرصة أمام ظهور شبكة واسعة من القيادات الفرعية التي تعمل على ترسيخ نفوذها وتعزيز حضورها داخل منظومة الحكم".
دور المرشد الأعلى الجديد
في ظل هذه التحولات، يبرز دور المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بوصفه أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل النظام الإيراني. فقد أسهمت خلفيته السياسية وإدارته غير الرسمية لمكتب والده خلال السنوات الماضية في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الحرس الثوري والأجهزة الأمنية ودوائر المحافظين المتشددين.
ويقول المسؤول الأمني الإيراني لـ"عربي بوست": "يختلف مجتبى عن والده، فخامنئي الأب بنى شرعيته واستمد قوته من قدرته على تحقيق التوازن بين الفصائل المختلفة، ومن سيطرته على مؤسسات الدولة كافة، وخاصة الحرس الثوري".
ورغم أن مجتبى يمثل امتداداً لسلطة والده، يضيف المصدر، فإنه يستمد نفوذه بصورة أكبر من علاقاته مع قادة الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية المتشددة. "ولذلك سيواصل مسار والده، لكن من دون السلطة المطلقة التي تمتع بها خامنئي الأب، إذ من المرجح أن تتحول سلطته إلى سلطة جماعية تقوم على تحالف من القيادات الأمنية والعسكرية والسياسية المحيطة بدائرته المقربة".
القادة الجدد في المؤسسة الحاكمة في إيران
أمام هذه الخريطة السياسية الجديدة، يبرز سؤال أساسي: من هم القادة الجدد الذين يديرون إيران اليوم؟
بحسب المصادر الإيرانية المطلعة التي تحدثت لـ"عربي بوست"، تدار البلاد حالياً عبر مسارين متوازيين؛ الأول تقوده شخصيات غير معلنة تعمل خلف الكواليس وتشرف على الملفات السيادية الأكثر حساسية، بينما يتمثل المسار الثاني في المسؤولين والقادة الذين يتصدرون المشهد العام ويتعاملون مع الملفات اليومية بصورة علنية.
- محمد باقر قاليباف.. الواجهة السياسية البراغماتية
تم اختيار رئيس البرلمان الحالي محمد باقر قاليباف ليكون حلقة الوصل بين المؤسسات العسكرية والمدنية في إيران.
ويقول مصدر أمني إيراني مقرب من دوائر صنع القرار: "يمتلك قاليباف قدراً كبيراً من المرونة والقدرة على إعادة تقديم نفسه بما يتناسب مع كل مرحلة جديدة. كما أن خبرته الطويلة في العملين العسكري والسياسي تؤهله للعب دور الشخصية التوافقية القادرة على جمع الفصائل المختلفة".
- أحمد وحيدي.. الوجه العسكري الصارم
على النقيض من قاليباف، يمثل الجنرال أحمد وحيدي، القائد الحالي للحرس الثوري الإيراني، الوجه العسكري الأكثر تشدداً داخل النظام.
ويمتلك وحيدي سجلاً عسكرياً طويلاً، إذ يعد من أبرز الشخصيات التي ساهمت في تأسيس فيلق القدس المسؤول عن العمليات العسكرية الخارجية لإيران، كما يتمتع بخبرة واسعة في العمل الاستخباراتي المرتبط بالحرس الثوري.
ويقول رسول أحمدي: "أحمد وحيدي ليس صاحب القرار الوحيد داخل المؤسسة العسكرية، لكنه الشخصية التي جرى اختيارها لتمثل الوجه الأكثر صرامة للمؤسسة خلال الحرب الحالية".
- محمد باقر ذو القدر.. مسؤول القرارات السيادية
شهدت مؤسسة الأمن القومي الإيرانية تحولات كبيرة بعد اغتيال علي لاريجاني، المعروف بميله إلى البراغماتية والتفاوض، وانتقال مسؤولية المجلس الأعلى للأمن القومي إلى القائد العسكري محمد باقر ذو القدر.
ويعلق المصدر الأمني الإيراني على ذلك قائلاً: "باغتيال لاريجاني وتولي ذو القدر المنصب، انتقلت عملية اتخاذ القرارات السيادية من المسار الدبلوماسي البراغماتي إلى المسار الأمني الصارم".
ويضيف: "لعب ذو القدر دوراً مهماً في تعزيز المنطق الأمني داخل مؤسسات الدولة، وهو شخصية بعيدة عن البراغماتية والدبلوماسية، لكن أهميته تكمن في قدرته على تحقيق التماسك بين الأجهزة الأمنية والسيادية المختلفة".
- علي أكبر أحمديان.. مهندس استراتيجيات الحرب
اعتمدت إيران خلال الحرب الأخيرة على مفهوم الردع غير المتكافئ لتعويض الفجوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب المصادر الإيرانية، تم اختيار علي أكبر أحمديان، الأمين العام لمجلس الدفاع، للعب دور محوري في هذا المجال. وكان مجلس الدفاع قد أُنشئ بقرار من علي خامنئي بعد حرب يونيو/ حزيران 2025، ليكون مؤسسة دفاعية قادرة على اتخاذ القرارات بسرعة واستقلالية خلال أوقات الأزمات والحروب.
- مجيد موسوي.. قائد المسيّرات والصواريخ
اعتمدت إيران بشكل واسع خلال الحرب على الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي استخدمت في استهداف القواعد الأمريكية في الخليج وإرباك أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية وضرب أهداف داخل العمق الإسرائيلي.
وبحسب المصادر الإيرانية المطلعة، جرى اختيار مجيد موسوي لقيادة هذا المسار نظراً لما يتمتع به من جرأة كبيرة في إدارة العمليات العسكرية.
وتقول المصادر إن موسوي كان صاحب قرار توسيع دائرة الأهداف الإيرانية في الخليج والمنطقة لتعزيز قوة الردع الإيرانية، كما أن أداءه خلال الحرب نال إشادة واسعة من القيادات العسكرية، التي تنظر إليه بوصفه أحد القادة الأكثر استعداداً لرفع مستويات التصعيد وإطالة أمد المواجهة إذا اقتضت الضرورة.
مستقبل النظام الإيراني
في المحصلة، تشير المعطيات إلى أن النظام الإيراني يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، يمكن أن تتجه نحو أحد مسارين رئيسيين.
يتمثل المسار الأول في نجاح مجتبى خامنئي تدريجياً في استعادة مركزية السلطة التي كانت قائمة في عهد والده، من خلال إعادة ترتيب دائرة النفوذ المحيطة به واستعادة آليات صنع القرار التقليدية داخل مؤسسات الدولة. وبحسب المصادر الإيرانية، فإن هذه العملية قد تستغرق عدة سنوات، فيما يتوقع رسول أحمدي أن تمتد ما بين عامين و3 أعوام بعد انتهاء الحرب.
أما المسار الثاني، فيقوم على توسع نفوذ الحرس الثوري وتحوله إلى اللاعب الأكثر تأثيراً في إدارة السياسات الداخلية والخارجية، بما يجعله صاحب الكلمة الأبرز في قرارات الحرب والسلم.
غير أن المصادر الإيرانية لا تتوقع تحقق هذا السيناريو بصورة كاملة في المدى القريب. ويقول رسول أحمدي: "لتحقيق هذا المسار سيكون على الحرس الثوري تهميش منصب المرشد الأعلى بدرجة كبيرة، إضافة إلى تهميش المؤسسات الدينية التي تمنح الجمهورية الإسلامية شرعيتها، وأعتقد أن تحقيق ذلك سيكون صعباً".
ويختتم أحمدي حديثه بالقول: "الأرجح أن تتحول البلاد من نموذج السلطة المركزية المطلقة أو الاعتماد على كاريزما قائد واحد، إلى نموذج قيادة شبكية يقوم على مجموعة من القيادات العسكرية والسياسية، يؤدي كل طرف فيها دوراً محدداً بدقة، مع بقاء المرشد الأعلى جزءاً أساسياً من هذه المنظومة".