توتر بين القاهرة وأديس أبابا بسبب “المنفذ البحري”.. ومصادر: “امتعاض” مصري من الدور الأميركي السلبي حول استئناف المفاوضات

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/26 الساعة 08:46 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/26 الساعة 08:46 بتوقيت غرينتش
مصر تسعى لإيقاف تمدد إثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي/ عربي بوست

رغم أن ملف سد النهضة العالق بين مصر وإثيوبيا منذ ما يقرب من 15 عاماً ينفصل بشكل كلي عن التوتر القائم حالياَ بين البلدين بسبب "المنفذ البحري" الذي تبحث عنه أديس أبابا للوصول إلى ساحل البحر الأحمر، غير أن تصاعد وتيرة الخلاف بين البلدين مؤخراً مع الاتهامات الإثيوبية لمصر بعرقلة مساعيها التي تصفها بأنها "سلمية" للوصول إلى ساحل البحر الأحمر يعمق من التعقيدات المرتبطة باستئناف التواصل بشأن ملف المياه في ظل حراك أميركي ظهر على السطح خلال الأسابيع الماضية مع توالي الاجتماعات التي عقدها مستشار الرئيس دونالد ترامب مع مسؤولين مصريين وإثيوبيين.

وقال مصدر مصري مطلع، إن القاهرة ترفض بشكل كامل أي ربط بين ملف سد النهضة وبين قضية المنفذ البحري ولن تسمح بأن يتم مساومتها على أي من الملفين لتقديم تنازلات في أي منهما وكانت تعول على دور أميركي أكثر إيجابية بشأن تحريك ملف سد النهضة في أعقاب خطابات ووعود عديدة قدمها الرئيس دونالد ترامب منذ بداية هذا العام.

لكن هذه الوعود – حتى الآن – تبقى حبراً على ورق دون أن تتحول إلى خطوات ملموسة من شأنها التوصل إلى اتفاق بشأن تشغيل السد في سنوات الشح المائي والجفاف والفيضان الكثيف للنيل، وفي ظل إصرار إثيوبيا على أن تدير الملف بمفردها دون إطلاع دولتي المصب (مصر والسودان) على التفاصيل الخاصة بفتح التوربينات وتخزين المياه.

وأوضح المصدر ذاته، أن القاهرة لم تذكر إثيوبيا في أي من خطواتها نحو التقارب مع دول القرن الأفريقي وكذلك مع موقفها الثابت من رفض وصول دول غير المتشاطئة على ساحل البحر الأحمر للحصول على منفذ بحري باعتبار أن ذلك سوف يؤدي لا محالة إلى حالة عدم استقرار في المنطقة وسيكون من نتائجه تقويض الأمن في البحر الأحمر.

تحركات إثيوبية وإسرائيلية

كما أن إثيوبيا ليست بمفردها التي تتحرك بشكل سلبي نحو إيجاد موطأ قدم بحري لها، وهناك تحركات أخرى من إسرائيل عبر إقليم أرض الصومال وتواجه رفضاً من القاهرة أيضاً ما يجعل تصوير المواقف المصرية على أنها ضد إثيوبيا أمر غير منطقي.

وأشار المصدر ذاته، أن إثيوبيا تحاول أن تقلب الحقائق وتدعي بأن مصر تضيق الخناق عليها للوصول إلى منفذ بحري للضغط عليها في أزمة سد النهضة، وهو أسلوب لا تتبعه الدبلوماسية المصرية التي تستهدف تشجيع روح التعاون بين دول القرن الأفريقي وحوض النيل وتساهم في بناء سدود في الكونغو وتنزانيا ولديها مواقف واضحة بشأن تأمين البحر الأحمر، ولم تعادي إثيوبيا رغم أنها أضرت بأمنها المائي في ظل إصرارها على رفض التنسيق بشأن تشغيل السد وأثبتت أن كافة الأنباء التي ترددت في السابق بشأن استخدام الحلول العسكرية في أزمة سد النهضة مجرد أكاذيب لا أساس لها من الصحة.

وذكر المصدر ذاته أن القاهرة تركز بالأساس في الفترة الحالية على محاولة إيجاد منافذ يمكن من خلالها تحريك قضية سد النهضة بخاصة مع بدء فيضان النيل ومخاوفها من تأثيرات سلبية وتكرار ما حدث في العام الماضي حينما غرقت بعض أراضي طرح النهر وكذلك غرق أراضي شاسعة في السودان، لافتاً إلى أن المشاورات الأخيرة التي جرت مع مسؤولين أميركيين ركزت على كيفية الوصول إلى حلول وسط تضمن التنسيق مع إثيوبيا وليس معاداتها، دون أن يقود ذلك في الوقت ذاته إلى أي تغيير في موازين القوى يمكن أن تستغله قوى معادية لتهديد الأمن القومي المصري.

وكانت مصر قد أشارت في 18 مايو/آيار الماضي بأن وزير الخارجية بدر عبد العاطي بحث خلال اتصاله مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قضية السد الإثيوبي والأمن المائي المصري، مؤكداً "الرفض الكامل لأي إجراءات أحادية، وأن قضية المياه تُعدّ قضية وجودية لمصر".

وفي 12 مايو/آيار الماضي كشف مسعد بولس، في تغريدة له على منصة إكس (تويتر) عن سير الأمور إيجابيًا خلال مناقشات جرت مع الجانب الإثيوبي ، مشيراً :"أجرينا مناقشات مثمرة وبناءة مع وزير خارجية إثيوبيا بشأن سد النهضة".

وعود بلا تنفيذ

وفي 20 أبريل/نيسان الماضي، زار بولس العاصمة القاهرة، والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث ناقش معه عدة قضايا إقليمية، بينها نزاع "سد النهضة" الإثيوبي، وقال بولس، إن الرئيس ترمب أعرب في يناير الماضي عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أبدى في فبراير/شباط الماضي، استعداده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا بشأن تقاسم مياه نهر النيل. وقال ترامب، في خطاب أرسله إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، نشره عبر منصته "تروث سوشيال": "انطلاقاً من روح صداقتنا الشخصية والتزام أمريكا بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فأنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة "تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي".

ورداً على رسالة ترامب، كتب الرئيس المصري في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس": "أثمن اهتمام الرئيس ترامب بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري، وأن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف. وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري".

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ"غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي"، بحسب بيانات وزارة الري.

الرؤية المصرية

ويرى دبلوماسي مصري مطلع على هذا الملف، أن بلاده لديها مبادئ ثابتة بشأن رفض دخول أي دول غير المتشاطئة على البحر الأحمر ولا علاقة لذلك بملف سد النهضة وكل ملف منفصل على الأخر لكن في النهاية فإن التوترات في أي منها تنعكس على الأخر سلباً.

وأوضح أن المحاولات الأميركية لاستئناف التفاوض أضحت أكثر صعوبة الآن، بخاصة وأن إثيوبيا تعول على إحداث تغيير في موازين القوى بمنطقة البحر الأحمر مع التحركات الإسرائيلية المتسارعة هناك وترى أنها لديها فرصة أن تفلت من ضغوط القاهرة عليها والتي تولي اهتماماً أكبر بملف أكثر خطورة من سد النهضة في الوقت الحالي.

لكن المصدر ذاته شدد على أن ملف المياه وأمنها له أهمية قصوى بل ومسألة حياة أو موت بالنسبة للمصريين الذين يرون بأن هناك من يحاصرهم لتعطيشهم مع معاناة مصر من شح مائي يبقى لديه تأثيرات اقتصادية مؤثرة وترتب عليه مؤخراً إعلان الحكومة عدم قدرتها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء.

وأشار إلى أن مصر تتمسك بالحوار والتعاون كوسيلة لحل المشكلات الآنية وتحتفظ لنفسها باتخاذ ما يكفل من إجراءات لحفظ أمنها، مشيراً إلى سرعة التحركات المصرية في منطقة البحر الأحمر تستهدف بالأساس بناء شبكة من الأصدقاء يمكن أن يكون لديهم مواقف موحدة بشأن تهديدات تؤثر سلباً على الأمن والاستقرار في المنطقة.

وذكر المصدر ذاته أنه "بعيداً عن مسألة المنفذ البحري فإن مصر خاضت أكثر من عشر سنوات من المفاوضات دون أن تبدي أديس أبابا تجاوباً إيجابياً في ملف سد النهضة وإذا كان لديها رغبة في أن تحل الأزمة كان من الممكن أن تتجاوب من قبل وذلك حينما وصلت المفاوضات إلى أمتارها الأخيرة بوساطة أميركية لكنها اختارت عدم التوقيع على الاتفاق".

وشكك في جدية الإدارة الأميركية بشأن الضغط على أديس أبابا، خاصة وأنها لم تعلن خطة واضحة ولا نوايا لاجتماع قريب، بل أنها ذهبت باتجاه تقديم هدايا جديدة قد تدفعها لمزيد من التعنت مع وقف حظر تصدير الأسلحة إلى الحكومة الفيدرالية.

تحركات إثيوبية

وبدأت إثيوبيا بناء "سد النهضة" الضخم على نهر النيل عام 2011، وهو مشروع تبلغ كلفته مليارات الدولارات، وتعده مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا. وكانت إثيوبيا افتتحت سد النهضة رسمياً خلال سبتمبر (أيلول) 2025 بعد 14 عاماً من بدء أعمال البناء، وهو أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا. وتقول إنه سيوفر الطاقة لملايين الإثيوبيين. لكن بالنسبة إلى مصر، فتخشى أن يؤدي إلى انخفاض حاد في تدفق المياه إليها، مما يفاقم أزمة الشح المائي.

يأتي ذلك فيما أكد رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري قضية وجودية ومصيرية، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي "أرض الصومال"، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وبحسب خبير عسكري مصري فإن هناك أبعاد استراتيجية وأمنية وراء التعاون مع الدول المتشاطئة على البحر الأحمر في ظل توترات إقليمية متصاعدة لكنها في الوقت ذاته تقوم على مبادئ لا تحيد عنها القاهرة في مقدمتها الاحترام المتبادل وحسن الجوار ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ومن هنا ينبع الموقف المصري من أي تحركات تهدف إلى إيجاد مبررات واهية من أجل التدخل في شؤون الدول بخاصة وأن ذلك يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مشيراً إلى أن مصر تولي اهتماماً بضمان أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر بعدما تضررت قناة السويس بشكل كبير ولديها خطط بديلة لضمان أن تبقى مركز لوجيستي للنقل والتجارة وأن أي تحركات غير معترف بها ومرفوضة سوف تؤثر سلباً على مصر.

وأكد المصدر ذاته أن القاهرة تهدف إلى الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في تلك المنطقة، وهو أمر يقلق إثيوبيا كثيراً وبالتالي فهي تحاول أن تلعب بورقة سد النهضة لمضايقة القاهرة وترى مصر أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وبالتالي فإن الوضع الراهن يشي بصعوبة حلحلة الملفين ما لم يكن هناك إرادة سياسة تتوفر في القاهرة التي تمد يدها بشكل مستمر للتعاون مع أديس أبابا في ملفات مختلفة، وتبرهن مصر على ذلك عبر تمسكها بمسار المفاوضات الطويل والمعقد حول سد النهضة لأكثر من عقد من الزمان، وتجلى كذلك في اتفاق إعلان الاتفاق الثلاثي الموقع بين كل من السودان ومصر وإثيوبيا عام 2015 حول السد.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري – اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على "الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه"

وأكد أن "تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له"، داعياً إلى أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

وخلال زيارته لأسمرة في 17 مايو الحالي، التقى وزير الخارجية المصري وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدد الجانبان على أن أمن البحر الأحمر وإدارته يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وهو موقف جاء بالتزامن مع توقيع مصر وإريتريا اتفاقات تعاون بين البلدين في البحر الأحمر لربط موانئهما الرئيسة بخطوط لوجيستية برية، تمتد من موانئ الإسكندرية على البحر المتوسط وقناة السويس عبر السودان وصولاً إلى إريتريا ثم جنوب البحر الأحمر، في إطار استراتيجية واسعة لدعم ثقلها التجاري والتنافسي.

تحميل المزيد