تستمر بعثة صندوق النقد الدولي في زيارتها التي بدأتها إلى مصر منتصف الشهر الجاري، وقبل شهر تقريباً من الموعد الذي كان الصندوق قد حدده لإجراء المراجعة السابعة قبل صرف ما يقرب من 1.65 مليار دولار من قيمة القرض الذي حصلت عليه مصر في عام 2024 مقابل إجراء إصلاحات اقتصادية مازالت الحكومة المصرية مستمرة فيها حتى الآن فيما تشهد بعض الملفات تعثراً وتأخراً في التنفيذ وهو ما يسعى الصندوق لتحريكها قبل إصدار موافقته النهائية على صرف الدفعة الجديدة.
وقال مصدر حكومي مسؤول، إن بعثة الصندوق تناقش مع الحكومة المصرية جملة من الإجراءات في مقدمتها تسريع برنامج الطروحات الحكومية وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد وتحقيق تكافؤ الفرص في السوق والسيطرة على مستويات الديون إلى جانب متابعة إجراءات التحول من الدعم العيني إلى النقدي ومراجعة ملف دعم الخدمات بما فيها المحروقات والتي اتخذت فيها الحكومة المصرية إجراءات عديدة خلال الأشهر الماضية.
وأضاف المصدر الى أن هذه الملفات شرطاً أساسياً لمواصلة صرف شرائح القرض وتعزيز ثقة المستثمرين، متوقعاً في الوقت ذاته أن تنتهي الزيارة بالحصول على موافقة مبدئية بصرف الدفعة الجديدة من القرض، مع مزيد من النقاشات التي تجري من جانب الحكومة مع الصندوق بشأن قدرة البورصة على استيعاب الأطروحات المرتقبة في ظل التوترات الإقليمية الراهنة وتراجع ثقة المستثمرين في اقتصاديات منطقة الشرق الأوسط بوجه عام، لافتاً إلى أن الزيارة تمتد حتى مطلع الأسبوع المقبل.
ولفت المصدر ذاته إلى أن بعثة الصندوق عقدت اجتماعات مع البنك المركزي ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير المالية وبعض المسؤولين الحكوميين ذات الصلة بالملف الاقتصادي، مشيراً إلى أن أجواء المراجعة إيجابية بعد أسبوع من انطلاقها وأن بعثة الصندوق في المقابل تبدي مرونة في بعض الملفات مع إدراكها لحجم التأثيرات السلبية للصراع القائم حالياً في منطقة الشرق الأوسط وتداعياته المختلفة على الاقتصاد، وشدد على أن الصندوق لديه قناعة بأن مصر حققت خطوات إيجابية عديدة في ملف الإصلاح الاقتصادي والمالي في مقدمتها إتاحة سعر صرف مرن للجنيه وإعادة هيكلة منظومة الدعم وإتاحة مزيد من الفرص أمام القطاع الخاص والتحول نحو المجالات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.
وذكر أن صندوق النقد يراجع الخطوات المصرية نحو التحول من الدعم العيني إلى النقدي وهو أمر تتفق معه الحكومة المصرية التي تقوم بدراسات اجتماعية قبل بدء تطبيق القرار خلال هذا العام، مشيراً إلى أن الصندوق سبق وأن تلقى وعوداً بحسم هذا الملف منذ أكثر من عام والآن حان وقت تنفيذه، وبالتالي فإن هذا الملف قد لا يشهد خلافات كبيرة بين الطرفين.
ومن وجهة نظر المصدر ذاته فإن المباحثات تدور بشكل أكبر نحو تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية ويعد ذلك ملفاً ذات أولوية كبيرة لبعثة الصندوق التي تزور مصر حاليأً، متوقعاً أن تعلن الحكومة عن طرح خمسة شركات خلال الأشهر المقبلة وأن تصل إلى 10 قبل نهاية هذا العام، وهو موعد انتهاء مدة قرض صندوق النقد والإجراءات الإصلاحية المرتبطة به، لافتاَ إلى أن مصر يمكن أن تطالب بمد مهلة تطبيق جزء من الإجراءات إلى منتصف العام المقبل وهو أمر يلقى مرونة أيضاً من جانب بعثة الصندوق التي تضع في اعتبارها تأثيرات التوترات الإقليمية على الاقتصاد المصري.
وكان نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية الدكتور حسين عيسى، قد شارك قبل أيام في احتفالية مؤسسة التمويل الدولية بمناسبة مرور 50 عاماً على التعاون والشراكة مع مصر، مؤكداً أن مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات والمنظمات الدولية تمتلك دوراً مهماً في تقديم الدعم والمساندة اللازمة لدعم جهود الإصلاح الاقتصادي في مصر.
وأضاف أن الحكومة تعمل حالياً على عدد من الملفات الاقتصادية المهمة، من بينها إصلاح وإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية والشركات المملوكة للدولة، إلى جانب تنفيذ إصلاحات ضريبية وتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، مؤكداً أن العمل على هذه الملفات تم بصورة جادة ومكثفة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
كما أعرب عن تطلع الحكومة إلى مزيد من التعاون مع مؤسسة التمويل الدولية عبر آليات متعددة تشمل الدعم الفني والتمويلي، بما يسهم في تحقيق المستهدفات الاقتصادية والتنموية للدولة، وتيسير حياة المواطنين، وتحسين جودة الحياة لكل مصري.
وأكد عيسى أنه طلب من بعثة صندوق النقد الدولى التى تزور مصر فى الوقت الحالى، تقديم المساعدة الفنية فى قياس تكلفة الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة، حتى يمكن تحديد حجم الدعم الحقيقى المقدم فى تلك الخدمات، ورفع العائد منه، لافتًا إلى أن خطة التحول إلى الدعم النقدى بالشكل الذى أعلنه رئيس الحكومة، سيبدأ العمل على تطبيقها بنهاية العام الجارى.
صندوق النقد يراجع
وأشار إلى أنه يجرى العمل على دمج 7 هيئات اقتصادية لتشابه النشاط فيها، وكذا العمل على تحويل 7 هيئات؛ منها الهيئة الزراعية المصرية والنقل وسلامة الغذاء والإعلام إلى هيئات عامة خدمية، منوهًا بأن مصر تمتلك فرصاً استثمارية كبيرة ومتنوعة، لكنها لا تزال بحاجة إلى تحسين وتبسيط وتيسيير مناخ الاستثمار ورفع كفاءته؛ بما يتناسب مع حجم هذه الفرص.
قالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، الأسبوع الماضي، إن بعثة من الخبراء تتواجد حاليا في مصر لإجراء أحدث المراجعات على برنامجي "تسهيل الصندوق الممدد" و"صندوق المرونة والاستدامة"، وهو ما يحدد إمكانية صرف مبلغ 1.6 مليار دولار.
أكدت كوزاك في مؤتمر صحفي أنه إذا أسفرت بعثة المراجعة عن اتفاق على مستوى الخبراء مع السلطات المصرية، فقد يتم التصويت في مجلس الصندوق على استكمال المراجعات وصرف المبلغ خلال أشهر الصيف، وفق ما نقلته رويترز.
وبحسب مصدر مطلع على المباحثات الجارية فإنه يمكن القول بأن مصر اقتربت من الحصول على حزمة تمويلية جديدة من صندوق النقد الدولي مع استمرار مصر في الالتزام ببرنامج الإصلاح الاقتصادي عبر خفض دعم الوقود وإتاحة سعر مرن للجنيه واتخاذ خطوات من شأنه تنفيذ برنامج الأطروحات واتخاذ إجراءات على مستوى تقديم التكافل الاجتماعي للفئات الأولى للرعاية وإجراء دراسات تتيح الانتقال إلى الدعم النقدي والحفاظ على معدلات تضخم جيدة رغم زيادة أسعار الوقود وهو ما يشير إلى أن الاقتصاد المصري أضحى أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
وأوضح المصدر ذاته أن القاهرة أقدمت خلال الفترة الماضية على زيادة أسعار الوقود وشرائح الكهرباء ورفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق والقطارات وخفضت ميزانية الدعم في مشروع الموازنة الجديد بنسبة قاربت على 80% بعد أن انخفضت من 76 مليار جنيه إلى 16 مليار جنيه، وتتجه نحو إنهاء دعم الوقود بصورة نهائية مع نهاية السنة الجديدة التي تبدأ من يوليو القادم، وهو أمر يلقى ترحيباً من جانب الصندوق.
وشدد المصدر ذاته على أن الحكومة يمكن أن تُرجأ تنفيذ طرح بعض الشركات الحكومية في البورصة لمدة عام وستقدم ما يثبت بأن الوقت الحالي ليس مناسباً بسبب التوترات الإقليمية وهو أمر يلقى تجاوباً مبدئياً من الصندوق، لافتا إلى أن الحكومة قد تتجه في المقابل إلى دمج شركات قطاع الأعمال التي تملكها مع هيئات وشركات خاصة وهو ما يتيح مزيد من تكافؤ الفرص كما أن ذلك يدعم استغلال الطاقات البشرية لدى الشركات الحكومية.
وكان الدكتور حسين عيسى نائب رئيس الوزراء المصري قد أكد في تصريحات له هذا الأسبوع أن الحكومة تعمل فى الوقت الحالى على تنفيذ عدد من المشروعات والإصلاحات المهمة لمواجهة تحديات الدين العام، وتعزيز القدرة على السداد، وخفض عجز الموازنة، كما أن برنامج الطروحات الحكومية لا يزال مستمرًا، وسيتم طرح 10 شركات فى البورصة قبل نهاية العام الجاري، بينها "بنك القاهرة"، و شركتان تابعتان للقوات المسلحة.
وتصطدم رؤى نائب رئيس الوزراء بحقيقة تباطؤ معدلات تنفيذ برنامج التخارج الحكومي، الذي تم الإعلان عنه للمرة الأولى عام 2018. إذ بقي عدد الصفقات الجديدة المنفذة عبر البورصة محدوداً على مدار السنوات الماضية، واقتصر على عرض حصة إضافية من "الشرقية للدخان" في 2019، ثم شركة "إي فاينانس" في 2021، وحصة إضافية من الشركة المصرية للاتصالات في 2023، وأخيراً 30% من أسهم "المصرف المتحد" بنهاية 2024.
تسريع برنامج الطروحات الحكومية
وكان مجلس الوزراء المصري قد أكد في شهر مارس الماضي على تسريع برنامج الطروحات الحكومية، حيث سيتم قيد 10 شركات مملوكة للدولة قيدًا مؤقتًا في البورصة المصرية خلال أسبوعين، على أن يتم قيد 10 شركات إضافية قبل نهاية أبريل 2026، غير أن ذلك لم يحدث بعد.
ومؤخراً قال الدكتور هاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة بمجلس الوزراء إن هناك متابعة دقيقة للـ 20 شركة التابعة لوزارة قطاع الأعمال سابقًا، حيث سيتم قيد 10 شركات خلال أسبوعين بحد أقصى، بينما سيتم قيد الشركات المتبقية قبل نهاية أبريل 2026، كما استعرض مساعد رئيس الوزراء خلال اجتماع وزاري موقف الـ 40 شركة التي سيتم نقلها إلى صندوق مصر السيادي، في إطار جهود الحكومة لاستغلال الأصول بشكل أمثل.
وبحسب خبير اقتصادي، فإنه رغم النقاط الإيجابية التي حققتها الحكومة المصرية في ملف الإصلاح الاقتصادي، لكن ذلك لم ينف وجود اعتراضات لدى بعثة الصندوق بخاصة في ملف التخارج الحكومي من الاقتصاد، وأن هناك رؤى من جانب الصندوق تشير إلى أن الحكومة مازالت تزاحم القطاع الخاص وتضيق الخناق عليه، ما يخلق بيئة تنافسية غير متكافئة، ويجعل التخارج من الاقتصاد أحد شروط الصندوق للإصلاح في مصر، متوقعاً أن تحققه الحكومة حتى لو بعد فترة.
لكن المصدر شدد في الوقت ذاته على أن ذلك لن يعيق الحصول على التمويل الجديد مستشهداً على ذلك بصرف الشريحة السادسة لمصر قبل عدة أشهر رغم أن الملاحظات نفسها الخاصة بالتخارج، وتحويل الدعم العيني إلى نقدي، لم يتحقق أغلبها بعد، في المقابل دفعت حرب غزة وتداعياتها إلى الحصول على الشريحة.
وتقترب الحكومة المصرية من تنفيذ واحد من أكثر الملفات الاقتصادية والاجتماعية حساسية، مع اتجاهها لبدء التطبيق التدريجي لمنظومة الدعم النقدي خلال العام المالي المقبل، بعد عقود طويلة من تأجيل القرار بسبب تعقيداته السياسية والاجتماعية وتأثيراته المباشرة على ملايين المواطنين.
ومؤخراً أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن الحكومة تدرس حالياً آليات تنفيذ منظومة الدعم النقدي، تمهيداً للإعلان عن التفاصيل النهائية خلال الفترة المقبلة، في خطوة تمثل تحولاً كبيراً في فلسفة الدعم الحكومي داخل البلاد.
وتقوم فكرة الدعم النقدي على منح الأسر المستحقة مبالغ مالية مباشرة بدلاً من منظومة السلع التموينية التقليدية، بما يمنح المواطنين مرونة أكبر في تحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجاتهم الفعلية.
وترى الحكومة أن النظام الجديد قد يساعد على تقليل التلاعب وتسرب الدعم، إلى جانب رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وضمان وصول المخصصات إلى الفئات الأكثر احتياجاً بصورة أكثر دقة.
وتمكنت مصر من خفض التضخم من ذروته البالغة 38 في المائة في سبتمبر 2023 إلى 12.3% في نهاية العام الماضي، لكن منذ اندلاع الحرب أخذت مؤشرات التضخم في التصاعد مجدداً، قبل أن يعلن البنك المركزي المصري انخفاضاً طفيفاً في أبريل الماضي إلى 14.9% ، مقابل 15.2 % في مارس 2026، بنسبة تراجع بلغت 0.3%.
ورفعت الحكومة المصرية قيمة مخصصات السلع التموينية في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، إلى 178.3 مليار جنيه (الدولار يساوي 54 جنيهاً تقريباً)، بزيادة 11 في المائة على أساس سنوي، ليستحوذ وحده على 38 في المائة من إجمالي مخصصات الدعم المقدرة بنحو 468 مليار جنيه، ويظل أكبر بنود الدعم في الموازنة الجديدة.