كشفت التحركات الجارية بشأن الملف الليبي بين واشنطن وتونس ومالطا عن محاولة أمريكية متسارعة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا، عبر مسار يقوم على الجمع بين التفاهمات الأمنية والاقتصادية والسياسية، في وقت تتصاعد فيه الشكوك داخل ليبيا بشأن ما إذا كانت هذه التحركات تمهد فعلاً لتوحيد المؤسسات، أم لإعادة إنتاج مراكز النفوذ نفسها بصيغة جديدة.
وبحسب معلومات حصلت عليها "عربي بوست"، فإن المرحلة الحالية من التحركات الأمريكية لا تقوم على إطلاق مبادرة سياسية تقليدية بقدر ما ترتكز على هندسة تفاهمات تدريجية بين القوى الأكثر تأثيراً في الشرق والغرب الليبي، عبر استخدام ملفات الميزانية الموحدة، والإنفاق التنموي، والتنسيق الأمني، مدخلاً لإنتاج سلطة تنفيذية جديدة تحظى بقبول دولي وإقليمي.
وفي قلب هذه التحركات، يبرز اسما صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة بوصفهما طرفين رئيسيين في المشهد الجاري ترتيبه، وسط حديث متزايد عن تفاهمات أمريكية غير معلنة تسعى إلى خلق معادلة حكم جديدة تجمع بين نفوذ الشرق والغرب، لكن من دون المرور أولاً عبر انتخابات شاملة أو تسوية سياسية واسعة النطاق.
أمريكا والسلطة التنفيذية في ليبيا
يجري الترتيب لعقد لقاء في الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة يضم ممثلين عن صدام حفتر، المطروح ضمن بعض التصورات السياسية اسماً محتملاً في ترتيبات المجلس الرئاسي الجديد، إلى جانب ممثلين عن إبراهيم الدبيبة، الذي يجري تداوله داخل دوائر سياسية ليبية ودولية مرشحاً محتملاً لرئاسة حكومة موحدة أو حكومة انتقالية جديدة.
ولا يبدو هذا اللقاء المرتقب، وفق المعلومات التي حصلت عليها "عربي بوست"، منفصلاً عن التحركات التي يقودها مسعد بولص، المستشار الأمريكي المعني بالملف الأفريقي، والذي بات اسمه مرتبطاً بما يُعرف داخل الأوساط الليبية بـ"المبادرة الأمريكية" لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.
وتشير المعلومات إلى أن الاجتماع الأمريكي المنتظر لا يستهدف إطلاق تفاهمات جديدة بالكامل، بل وضع اللمسات الأخيرة على مسار بدأ خلال الأشهر الماضية، خصوصاً بعد اللقاء الذي عُقد في باريس يوم 28 يناير/ كانون الثاني 2026، برعاية أمريكية فرنسية مشتركة، وضم وفداً يقوده صدام حفتر وآخر يقوده إبراهيم الدبيبة.
وتركزت تلك اللقاءات، بحسب تقارير محلية ودولية، على دعم جهود توحيد المؤسسات الليبية، وخلق أرضية لاستقرار طويل الأمد، عبر تفاهمات تتجاوز الصدام التقليدي بين الشرق والغرب.
اعتراضات داخل الغرب الليبي
هذا المسار الذي ترعاه الولايات المتحدة يواجه حالياً ضغوطاً متزايدة في غرب ليبيا، حيث تتصاعد الاعتراضات على أي تسوية تُقرأ باعتبارها اتفاقاً لتقاسم السلطة بين عائلتي حفتر والدبيبة، بعيداً عن المسار الانتخابي والمؤسساتي.
وترى أطراف سياسية وغربية ليبية أن ما يجري يشبه إعادة توزيع النفوذ بين مركزين رئيسيين للسلطة، أكثر مما يمثل مشروعاً حقيقياً لبناء دولة موحدة أو إطلاق عملية انتقال ديمقراطي.
وفي الوقت نفسه، بدأت عائلة الدبيبة نفسها بإعادة ترتيب حساباتها الداخلية، في خطوة يُعتقد أنها تستهدف تقليل الحاجة إلى تسوية مفروضة من الخارج، أو على الأقل تعديل شروطها بما يحافظ على نفوذها داخل طرابلس.
وكشفت مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" عن تقارب واضح خلال الأسابيع الأخيرة بين عبد الحميد الدبيبة وابن عمه إبراهيم الدبيبة، بعد مرحلة من التباين السياسي والتنظيمي داخل معسكر حكومة الوحدة.
وبحسب المصادر، فإن هذا التقارب لا يتعلق فقط بإعادة تنظيم البيت الداخلي للعائلة، بل بمحاولة الإمساك بخيوط أي تسوية مقبلة من داخل طرابلس نفسها، بدلاً من ترك صياغتها بالكامل للعواصم الخارجية.
وتسعى العائلة، وفق هذه القراءة، إلى تثبيت موقعها داخل أي معادلة حكم جديدة، سواء مضت مبادرة بولص بالشكل المطروح حالياً أو خضعت لتعديلات نتيجة الاعتراضات المحلية والإقليمية.
وهنا تظهر المفارقة الأبرز في المشهد الليبي، إذ إن العائلة التي يجري تقديمها داخل المبادرة الأمريكية باعتبارها جزءاً من "الحل"، تتحرك في الوقت ذاته لإعادة تشكيل موازين القوى من الداخل، بما يمنع تحويلها إلى مجرد طرف داخل صفقة دولية واسعة.
تفاهم بين مراكز النفوذ في ليبيا
تتقاطع هذه التطورات التي يشهدها المشهد السياسي الليبي مع ما تحدثت عنه تقارير دولية مؤخراً بشأن طبيعة الرؤية الأمريكية للحل في ليبيا، والتي تقوم عملياً على تفاهم بين مركزي نفوذ رئيسيين: عائلة حفتر في الشرق وعائلة الدبيبة في الغرب.
ونقلت تقارير عن مصادر غربية وعربية مطلعة أن واشنطن تدفع باتجاه صيغة تتيح صعود إبراهيم الدبيبة إلى رئاسة الحكومة، مقابل منح صدام حفتر موقعاً قيادياً داخل السلطة التنفيذية الجديدة أو المجلس الرئاسي.
غير أن هذا التصور أثار انتقادات حادة داخل ليبيا، باعتباره يعيد إنتاج منطق "العائلات السياسية" ومراكز القوة المسلحة، بدلاً من بناء مؤسسات منتخبة وقابلة للمحاسبة.
ويرى منتقدو هذا المسار أن أي تسوية تقوم على توزيع النفوذ بين شخصيات مرتبطة بعائلات أو مراكز عسكرية ستؤدي في النهاية إلى تثبيت الانقسام بصيغة جديدة، لا إلى إنهائه.
"الميزانية الموحدة" المدخل الأكثر حساسية
لا تتحرك واشنطن عبر المسار السياسي فقط، إذ بات الملف المالي يمثل أحد أكثر عناصر المبادرة الأمريكية حساسية وتأثيراً. ففي 11 أبريل/ نيسان 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، في خطوة جرى تقديمها باعتبارها بداية لإنهاء الانقسام المالي بين الشرق والغرب.
ووفق ما نقلته وكالة رويترز، بلغت قيمة الميزانية نحو 190 مليار دينار ليبي، وشملت مخصصات للمرتبات والدعم والإنفاق التنموي وقطاع النفط. لكن أهمية هذه الميزانية لم تعد مالية فقط، بل تحولت إلى أداة سياسية مباشرة لإعادة هندسة النفوذ داخل الدولة الليبية، عبر تحديد من يملك حق إدارة الإنفاق العام وتوزيع الموارد.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "عربي بوست"، فإن اجتماعات اللجنة المالية الخاصة بتوزيع الميزانية، والتي انعقد بعضها في تونس، أثارت استياءً أمريكياً واضحاً، بعدما رأت واشنطن أن بعض الأطراف تحاول تحويل الاتفاق المالي إلى مجرد عملية تقاسم حصص بين مراكز القوى التقليدية.
وتشير المعلومات إلى أن هذا التوتر سبق اجتماعاً آخر انعقد داخل السفارة الأمريكية في تونس، برعاية وزارة الخزانة الأمريكية والقائم بالأعمال الأمريكي، وبحضور ممثلين عن صندوق الإعمار وحكومة الوحدة. وتركز الاجتماع على مناقشة آليات توزيع الميزانية وضمانات التنفيذ والرقابة المالية، في محاولة أمريكية لمنع تفريغ الاتفاق المالي من مضمونه السياسي.
ورغم عدم صدور بيان تفصيلي رسمي عن هذه الاجتماعات، فإن تقارير محلية تحدثت بالفعل عن لقاءات واسعة برعاية مصرف ليبيا المركزي والقائم بالأعمال الأمريكي جيريمي برنت، شارك فيها محافظ المصرف ناجي عيسى، ونائبه مرعي البرعصي، ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، إلى جانب أعضاء اللجنة المالية المشتركة.
كما سبقت هذه الاجتماعات لقاءات أخرى بين وفود من حكومة الوحدة ومسؤولين في وزارة الخزانة الأمريكية، تناولت تنفيذ الميزانية الموحدة ورفع كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الاستقرار المالي.
البعد الأمني للمبادرة الأمريكية
في موازاة المسار المالي والسياسي، يبدو أن المسار الأمني يتحرك بدوره بهدوء عبر قنوات موازية. وبحسب معلومات "عربي بوست"، شهدت مالطا لقاءات جمعت صدام حفتر بوزير الداخلية في حكومة الوحدة عماد الطرابلسي، في خطوة إذا تأكدت، فستحمل دلالات مهمة تتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية داخل غرب ليبيا.
ولا توجد حتى الآن مصادر رسمية تؤكد هذا اللقاء تحديداً، لكن زيارة صدام حفتر إلى مالطا أُعلنت رسمياً من قبل الحكومة المالطية. وأكدت فاليتا أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية المالطي إيان بورغ عقد محادثات مع صدام حفتر تناولت التطورات الليبية والتعاون الأمني والأوضاع في البحر المتوسط.
كما تحدثت تقارير صادرة عن "ليبيا سيكيوريتي مونيتور" عن لقاءات أخرى شملت وزير الداخلية والدفاع المالطي بايرون كاميليري، وتركزت على مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب وتدريب خفر السواحل الليبي.
وإذا صحت المعلومات المتعلقة بلقاء عماد الطرابلسي وصدام حفتر، فإن ذلك سيعني أن التفاهمات المطروحة لم تعد سياسية فقط، بل بدأت تمس توازنات القوى الأمنية داخل طرابلس نفسها.
طرابلس تبقى العقدة الأصعب
رغم كل هذه التحركات، تبقى العاصمة طرابلس هي الاختبار الحقيقي لأي مبادرة أمريكية أو دولية. فحتى إذا نجحت واشنطن في بناء تفاهمات بين ممثلي الشرق والغرب على مستوى القيادات السياسية والعسكرية، فإن تمرير أي حكومة جديدة يحتاج عملياً إلى قبول أو حياد القوى المسلحة المؤثرة داخل العاصمة.
ويمثل عماد الطرابلسي أحد أبرز مفاتيح هذا التوازن الأمني، خصوصاً في ظل النفوذ الواسع الذي تمتلكه وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية التابعة لها داخل غرب ليبيا.
وفي الحالة الليبية، لا يكفي الاتفاق داخل العواصم الخارجية أو توقيع تفاهمات سياسية واقتصادية، لأن أي قوة مسلحة متضررة قادرة على تعطيل المسار بالكامل على الأرض.
ولهذا السبب، تبدو واشنطن حريصة على الجمع بين التفاهمات السياسية والاقتصادية والأمنية دفعة واحدة، لضمان الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بتمرير أي ترتيبات جديدة.
اعتراضات على تجاوز المؤسسات
في المقابل، تواجه هذه التحركات رفضاً واضحاً من المجلس الأعلى للدولة وأطراف سياسية أخرى تعتبر أن ما يجري يمثل تجاوزاً للمؤسسات القائمة وللاتفاق السياسي الليبي.
وكان المجلس الأعلى للدولة قد أعلن في أبريل/ نيسان رفضه لأي تسوية سياسية أو اقتصادية تتم خارج الأطر الرسمية المعترف بها، معتبراً أن أي ترتيبات لا تمر عبر المؤسسات الحالية ستكون فاقدة للشرعية.
كما نقلت وكالة "شينخوا" الصينية عن مصادر سياسية أن المقترح المرتبط بمبادرة بولص يتضمن صيغة تمنح صدام حفتر موقع رئاسة المجلس الرئاسي والقائد الأعلى للجيش، مقابل إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في الغرب.
وترى الأطراف الرافضة أن هذه الصيغة تتجاوز المسار الانتخابي، وتحول الأزمة الليبية إلى عملية تفاوض بين مراكز نفوذ قائمة، بدلاً من إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية.
وتتقاطع هذه الاعتراضات جزئياً مع مواقف البعثة الأممية، التي تحاول التمسك بخارطة طريق تربط توحيد السلطة التنفيذية بإجراء انتخابات وحوار سياسي واسع.
ففي إحاطتها أمام مجلس الأمن يوم 22 أبريل/ نيسان، حذرت المبعوثة الأممية هانا تيتيه من خطورة إنشاء هياكل موازية خارج الاتفاقات القائمة، معتبرة أن ذلك قد يضعف جهود توحيد المؤسسات وإعادة الشرعية الديمقراطية.
وأكدت أن خارطة الطريق الأممية تقوم على 3 أعمدة رئيسية: إطار انتخابي قابل للتنفيذ، وحكومة موحدة جديدة، وحوار سياسي يتيح مشاركة أوسع لليبيين.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين المقاربة الأمريكية والمقاربة الأممية: فالأمم المتحدة تربط توحيد الحكومة بعملية سياسية وانتخابية واسعة، بينما تميل واشنطن إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على التفاهم بين القوى القادرة فعلياً على تنفيذ الاتفاق أو تعطيله.
أي نسخة من المبادرة ستنتصر؟
في ضوء هذه التطورات، لا يبدو السؤال الأساسي اليوم متعلقاً بوجود مبادرة أمريكية من عدمه، بل بالشكل الذي ستخرج به هذه المبادرة إذا كُتب لها الاستمرار.
فهناك نسخة أولى تقوم على تفاهم أمريكي مباشر بين مراكز النفوذ الرئيسية في الشرق والغرب، تربط بين السياسة والميزانية والأمن.
وفي المقابل، بدأت تتشكل نسخة أخرى داخل طرابلس نفسها، تقوم على إعادة ترتيب بيت الدبيبة داخلياً، ومحاولة الحفاظ على نفوذ حكومة الوحدة وشبكاتها داخل العاصمة، حتى إذا تغيرت الواجهة السياسية.
وبين هذين المسارين، تتحرك القوى الليبية بمنطق مألوف: لا ترفض التسويات بالكامل، لكنها تحاول باستمرار إعادة صياغتها بما يحفظ حصتها داخل السلطة المقبلة.
في النهاية، قد لا يكون الاختبار الحقيقي لمبادرة بولص في واشنطن أو تونس أو مالطا، بل في قدرة أي تفاهم قادم على تجاوز منطق الصفقات الضيقة، وتحويل الحديث عن "توحيد المؤسسات" من مجرد إعادة توزيع للنفوذ، إلى مشروع فعلي لإنهاء الانقسام الليبي المستمر منذ سنوات.