لبنان ما بعد الحرب: المفاوضات مع إسرائيل تدخل مساراً جديداً وأمريكا تدفع نحو تشكيل “دولة جديدة”

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/18 الساعة 12:59 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/18 الساعة 13:26 بتوقيت غرينتش
خطط أمريكية وإسرائيلية بشأن لبنان ما بعد الحرب/ عربي بوست

دخلت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أمريكية مباشرة في واشنطن، مرحلة مفصلية تتجاوز بكثير هدف وقف إطلاق النار، لتتحول إلى مسار لإعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية داخل لبنان، بهدف أكبر هو تغيير شكل الدولة اللبنانية، سواء على المستوى السياسي أو العسكري.

وبحسب مصادر حكومية لبنانية ودبلوماسية غربية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن واشنطن تربط أي وقف مستدام للحرب أو انسحاب إسرائيلي شامل بمسار واضح لتفكيك القدرات العسكرية لحزب الله، بالتوازي مع إعادة تشكيل دور الجيش اللبناني ضمن عقيدة أمنية جديدة بإشراف أمريكي.

وتكشف المعطيات أن إسرائيل دخلت المفاوضات بخطة تفصيلية متعددة المراحل، تشمل تفكيك البنية العسكرية للحزب، وإنشاء آليات تنسيق أمني مباشر بإشراف أمريكي، وربط إعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية بالتزام بيروت بهذه الترتيبات.

في المقابل، يرفض الجيش اللبناني الانجرار إلى مواجهة داخلية أو الدخول في تنسيق مباشر مع إسرائيل، محذراً من مخاطر ذلك على وحدة المؤسسة العسكرية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية لتعديل بنيته ووظائفه، وتواصل إسرائيل ضغطها ميدانياً باعتداءاتها التي لا تتوقف.

وبين شروط إسرائيلية صارمة، وضغوط أمريكية متصاعدة، وتحفظات لبنانية داخلية، يطرح مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل حالياً سؤالاً حاسماً: هل يتجه لبنان نحو تسوية تعيد تشكيل بنيته الأمنية بالكامل، أم نحو مرحلة استنزاف مفتوح تُفرض فيها الوقائع بالقوة؟

مساران تفاوضيان في وقت واحد

وفق المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست"، لم تعد المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تُدار كمسار واحد، بل جرى تقسيمها أمريكياً إلى مسارين متوازيين يعكسان طبيعة التحول الجاري: مسار سياسي يُفترض أن تُستكمل جولاته خلال يونيو/ حزيران داخل وزارة الخارجية الأمريكية، ومسار أمني – عسكري يبدأ عملياً في 29 مايو/ أيار، ويُنظر إليه من قبل واشنطن وتل أبيب باعتباره "المسار الحاسم".

وتكشف مصادر دبلوماسية غربية أن الوفد الإسرائيلي حضر إلى واشنطن مزوداً بخرائط تفصيلية لمواقع حزب الله العسكرية، إلى جانب "بنوك أهداف" وخطط عملياتية أُعدت بالتنسيق مع أجهزة أمنية أمريكية، تتضمن تصوراً زمنياً ومناطقياً لآلية تفكيك البنية العسكرية للحزب.

وفي هذا السياق، طرح الجانب الإسرائيلي إنشاء غرفة تنسيق أمني بإشراف أمريكي مباشر، تضم ضباط ارتباط من الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، تتولى متابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية وضمان منع إعادة تسلح الحزب جنوب الليطاني، مع إمكانية توسيع نطاق عملها لاحقاً إلى مناطق أخرى.

وتشير المعلومات إلى أن واشنطن تتعامل مع هذا المقترح باعتباره نسخة موسعة من "لجنة الميكانيزم" التي أُنشئت بعد اتفاق 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، لكن بصلاحيات أوسع وإدارة أمريكية مباشرة، في ظل إصرار إسرائيلي واضح على استبعاد فرنسا والأمم المتحدة من أي دور فعلي في المرحلة المقبلة.

خطة تفكيك متعددة المراحل

بحسب مصادر مطلعة على أجواء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، عرضت تل أبيب على الجانب الأمريكي خطة متكاملة تقوم على مراحل متتالية، تبدأ بتثبيت وقف إطلاق نار طويل الأمد، يليها توسيع انتشار الجيش اللبناني جنوباً، ثم إنشاء وحدات خاصة داخل الجيش تتلقى تدريباً أمريكياً مباشراً.

وتتدرج الخطة لاحقاً نحو سحب السلاح الثقيل والمتوسط من الجنوب، وصولاً إلى تفكيك البنية العسكرية والأمنية للحزب بشكل تدريجي، بالتوازي مع استهداف شبكات التمويل والإمداد المالي داخل لبنان وخارجه.

في المقابل، تناقش واشنطن برنامجاً أمنياً – مالياً موازياً، يتضمن تشديد العقوبات، ومراقبة التحويلات المالية، وملاحقة شبكات التمويل، مع ربط أي مساعدات اقتصادية أو برامج إعادة إعمار بمدى التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ هذه الترتيبات.

كما تشمل الخطة إنشاء لواء جديد داخل الجيش اللبناني بتمويل وتجهيز أمريكي، مع مشاركة أمريكية مباشرة في اختيار الضباط والعناصر، واستبعاد أي شخص يُشتبه بعلاقته أو تعاطفه مع الحزب.

وتؤكد مصادر أمنية لبنانية أن هذا الطرح أثار مخاوف جدية داخل المؤسسة العسكرية، إذ يُنظر إليه كخطوة قد تفتح الباب أمام انقسامات داخلية أو تشكيل ما يشبه "جيشاً داخل الجيش".

الجيش اللبناني يرفض الصّدام

في مواجهة هذه الطروحات، تؤكد مصادر حكومية لبنانية أن قيادة الجيش أبلغت الجانب الأمريكي بشكل واضح رفضها الانجرار إلى أي مواجهة داخلية مع الحزب، معتبرة أن فرض تنسيق أمني مباشر مع إسرائيل قد يشكل تهديداً لوحدة المؤسسة العسكرية والاستقرار الداخلي.

وبحسب هذه المصادر التي صرحت لـ"عربي بوست"، يعمل الجيش اللبناني حالياً على إعداد تصور بديل يقوم على مقاربة تدريجية لسحب السلاح الثقيل من الجنوب، بالتوازي مع تعزيز انتشاره، ولكن من دون الدخول في عمليات اقتحام أو صدام مباشر.

غير أن مصادر دبلوماسية غربية أشارت في حديثها لـ"عربي بوست" إلى أن هذا الطرح لا يلقى قبولاً لدى الجانب الإسرائيلي، الذي يعتبره "غير كافٍ"، ويصر على وجود ضمانات أمريكية وآليات رقابة صارمة تحول دون إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب.

"إعلان نوايا" مدخل لاتفاق أوسع

ضمن هذا السياق، تعمل الولايات المتحدة على إعداد "إعلان نوايا" بين لبنان وإسرائيل، يشكل الإطار السياسي للمفاوضات المقبلة. وبحسب مسودة متداولة بين الوفود، يتضمن الإعلان التزاماً متبادلاً بالعمل نحو اتفاق شامل ينهي الصراع، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، مقابل سحب سلاح الحزب وتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة.

كما ينص "إعلان النوايا" بصيغته الأمريكية على منع أي وجود عسكري للجماعات المسلحة غير الحكومية، وإطلاق برنامج دولي لإعادة إعمار الجنوب، إلى جانب تدريب وتجهيز الجيش اللبناني بدعم أمريكي، وبدء مفاوضات مباشرة برعاية واشنطن.

وتشير المعلومات إلى أن إسرائيل حاولت إدراج بنود إضافية تتعلق بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، وفتح الباب أمام تعاون اقتصادي واستثماري، إضافة إلى ترتيبات تخص التأشيرات والسياحة والعلاقات التجارية، إلا أن الجانب اللبناني رفض الخوض في هذه الملفات في المرحلة الحالية.

ومن أكثر الملفات حساسية في المفاوضات مسألة مستقبل قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل"، إذ تشير مصادر دبلوماسية غربية إلى أن واشنطن وتل أبيب تعتبران أن دور هذه القوات انتهى عملياً، وأن المرحلة المقبلة ستشهد ترتيبات أمنية جديدة أكثر ارتباطاً بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وتدور النقاشات حول عدة سيناريوهات، من بينها نشر قوات متعددة الجنسيات بصلاحيات موسعة، أو إنشاء آلية مراقبة أمريكية مباشرة، أو تشكيل غرفة تنسيق أمنية مشتركة تضم الجيش اللبناني وإسرائيل بوساطة أمريكية.

وتؤكد المصادر أن إسرائيل ترفض أي نموذج لا يضمن لها "حرية التحرك الأمني"، وهو ما يعكس طبيعة المقاربة الإسرائيلية القائمة على إبقاء اليد العليا ميدانياً.

هدنة لإدارة الحرب لا لإنهائها

رغم إعلان الخارجية الأمريكية تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً إضافية، فإن الواقع الميداني يشير إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، خاصة في القرى الواقعة ضمن "الخط الأصفر".

وتوضح مصادر أمنية لبنانية أن إسرائيل تتعامل مع الهدنة باعتبارها "هدنة عملانية"، تتيح لها مواصلة عمليات الاغتيال والتجريف وبناء مناطق عازلة، بالتوازي مع ممارسة ضغط عسكري ونفسي مستمر على البيئة الجنوبية.

وفي هذا الإطار، وسّعت إسرائيل نطاق الإنذارات والإخلاءات لتشمل بلدات أقرب إلى صيدا، بعد أن كانت تتركز في بنت جبيل والنبطية، في مؤشر على محاولة فرض واقع أمني جديد يمتد تدريجياً على طول الجنوب.

لا ضمانات قبل وقف شامل للحرب

على المستوى الداخلي، برز موقف حاسم يتعلق بموقف الحزب من أي اتفاق محتمل، وبحسب المصادر الحكومية، سأل الرئيس جوزيف عون رئيس مجلس النواب نبيه بري بشكل مباشر عما إذا كان الحزب سيلتزم بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، فجاء الرد واضحاً: "أعطونا أولاً وقفاً شاملاً للنار، ووقفاً للاغتيالات والتدمير، وجدولاً زمنياً للانسحاب الكامل، وبعدها أضمن التزام حزب الله".

هذا الموقف يعكس، وفق المصادر، رؤية الحزب الذي لا يزال ينظر بريبة إلى المسار التفاوضي، ويعتبره محاولة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية تحت ضغط الحرب.

في المحصلة، لا تبدو المفاوضات مجرد محاولة لوقف الحرب، بل مشروعاً لإعادة تشكيل البنية الأمنية والسياسية اللبنانية بالكامل، إذ إن النقاشات لم تعد تقتصر على الجنوب أو الحدود، بل تمتد إلى موقع لبنان الإقليمي، وعلاقته بإيران، ومستقبل الحزب، ودور الجيش، وشكل الدولة بعد الحرب.

وأمام هذا المشهد، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في ترتيبات أمنية جديدة برعاية أمريكية مقابل وقف الحرب وإعادة الإعمار، أو مواجهة استمرار الاستنزاف العسكري والاقتصادي الإسرائيلي لفترة مفتوحة، في ظل توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

تحميل المزيد