- كيف أُغلقت خطوط الإمداد التقليدية؟
- "Batot Air": شركة واجهة حديثة تُشغّل جسراً جوياً خفياً
- شبكة جوية متعددة الواجهات بمسار واحد خفي؟
- شركات على قوائم العقوبات في المسار نفسه
- إثيوبيا عقدة مركزية في شبكة إمداد عسكرية إماراتية
- الجسر البحري: مسار مواز خارج السجلات الرسمية
- من السفن إلى الشاحنات
- تحليل رقمي: من TikTok إلى خط الشحن البحري
- سفن متعددة وشبكة واحدة
- شبكة متعددة المسارات في قلب حرب ممتدة
كشفت بيانات تتبع الطيران وسجلات الشحن الجوي، التي حللها موقع "عربي بوست"، أن أبوظبي تدير شبكة إمداد عسكرية إماراتية غير معلنة تستخدم الأراضي الإثيوبية نقطة عبور لنقل العتاد إلى قوات الدعم السريع في السودان، ضمن منظومة لوجستية تعمل عبر مسارات بديلة لتجاوز القيود الإقليمية على حركة الطيران.
وبينما تبدو بعض الرحلات، التي أُخفيت وجهاتها أو أُطفئت إشاراتها فوق الأجواء الإثيوبية، كأنها تحركات تقنية معزولة، يكشف هذا التحقيق أنها جزء من نمط تشغيلي متكرر، تشكّل تدريجياً مع تضييق المسارات التقليدية عبر السعودية ومصر وتشاد والصومال، ما دفع إلى إعادة توجيه خطوط الإمداد نحو القرن الإفريقي.
اعتمد هذا التحقيق على تحليل بيانات حركة الطيران خلال فترة زمنية تمتد من أكتوبر/ تشرين الأول 2025 حتى فبراير/ شباط 2026، عبر تتبع إشارات الرادار المفتوحة من منصات مثل FlightRadar24، ومقارنتها بسجلات تسجيل الطائرات وملكيتها، إلى جانب تحليل مسارات الرحلات وأنماط إطفاء أجهزة التتبع (ADS-B).
وركّز فريق العمل على تتبع نشاط طائرات شحن مرتبطة بشركات حديثة التأسيس أو ذات سجل تشغيلي متغير، قبل توسيع نطاق التحليل ليشمل شركات وطائرات أخرى سلكت المسار ذاته، بهدف تحديد ما إذا كانت هذه الرحلات تمثل نشاطاً تجارياً اعتيادياً أم جزءاً من شبكة إمداد منظمة.
البيانات التي يعرضها هذا التحقيق لا توثق فقط مسارات الطائرات، بل تكشف كيف جرى إنشاء ممر جوي بديل عبر إثيوبيا، بالتوازي مع تعقّد استخدام المسارات التقليدية، ما يرسم خريطة تشغيلية لشبكة نقل تعتمد على إخفاء الوجهات، وإطفاء الإشارات، وإعادة توزيع الشحنات عبر نقاط عبور متعددة قبل وصولها إلى السودان.
اعتمد التحقيق على دمج مصادر مفتوحة متعددة، تشمل بيانات تتبع الطيران (ADS-B)، وسجلات تسجيل الطائرات، وتحليل التسلسل الزمني للرحلات، إلى جانب مقارنة نقاط انقطاع الإشارة بالمواقع الجغرافية، ما أتاح تحديد أنماط التمويه والتشغيل المتكررة عبر أكثر من شركة وطائرة ومسار.
كيف أُغلقت خطوط الإمداد التقليدية؟
في ديسمبر/ كانون الأول 2025، فجّرت محاولات الإمارات فرض أمر واقع جديد في اليمن، عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، توتراً حاداً مع السعودية، تُرجم ميدانياً في ضربات جوية استهدفت قوات المجلس، وطالت سفن شحن إماراتية.
ورغم إعلان أبوظبي لاحقاً سحب قواتها من اليمن، فإن تداعيات هذه المواجهة لم تتوقف عند حدود الميدان، بل امتدت إلى المجال اللوجستي، عبر سلسلة إجراءات بدت أقرب إلى عقوبات غير معلنة.
خلال يناير/ كانون الثاني 2026، توقفت طائرات الشحن المنطلقة من الإمارات عن عبور المجال الجوي لكل من السعودية ومصر، ما أدى فعلياً إلى تعطيل أحد أهم المسارات الجوية نحو إفريقيا.
بالتوازي، صعّدت الحكومة الفيدرالية الصومالية موقفها، فألغت جميع الاتفاقيات الثنائية مع الإمارات، بما في ذلك الوصول إلى الموانئ والقواعد العسكرية، وفرضت حظراً على تحليق الطيران العسكري وطائرات الشحن الإماراتية.
وقد برّرت مقديشو هذه الإجراءات بما وصفته بـ"أعمال عدائية ومزعزعة للاستقرار"، في إشارة إلى دعم الإمارات لإقليم أرض الصومال الانفصالي. وبذلك، أُغلق عملياً الممر الجوي الجنوبي الذي كان يعتمد على مطار بوصاصو نقطة عبور رئيسية نحو الداخل الإفريقي.
في الوقت ذاته، بدأت تشاد، التي شكلت سابقاً محطة عبور محورية، تخرج تدريجياً من المعادلة، إذ إن التوترات الداخلية، إلى جانب الضغوط الإقليمية، قلّصت دورها، خاصة بعد أن رصدت لجنة خبراء الأمم المتحدة رحلات شحن مشبوهة لنقل أسلحة وعتاد إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي التشادية والليبية.
ومع تصاعد الاشتباكات بين الجيش التشادي وقوات الدعم السريع، أغلقت نجامينا حدودها البرية مع السودان، ما زاد من تعقيد العمليات اللوجستية، رغم استمرار فتح مجالها الجوي جزئياً أمام الطيران الإماراتي.
أمام هذا الانكماش المتسارع في المسارات التقليدية، جواً وبراً، لم تتوقف عمليات الإمداد، بل أعادت تشكيل نفسها. إذ دفعت هذه القيود الإمارات إلى البحث عن بدائل أقل عرضة للرقابة، عبر إنشاء واجهات تشغيل جديدة، شملت شركات طيران حديثة، وشبكة مسارات مختلفة تنطلق من الإمارات باتجاه محطة عبور جديدة: إثيوبيا.
وهنا يبدأ التحول الأهم، حيث لم تعد إثيوبيا مجرد نقطة على خط الرحلات، بل تحولت إلى عقدة مركزية داخل شبكة إمداد عسكرية غير معلنة، تتكامل فيها المسارات الجوية والبحرية والبرية، وهو ما يكشفه تحقيق "عربي بوست" من خلال تتبع أولى هذه الرحلات وأنماطها التشغيلية.
"Batot Air": شركة واجهة حديثة تُشغّل جسراً جوياً خفياً
في صباح 19 فبراير/ شباط 2026، ظهرت إشارة غير اعتيادية على منصة تتبع الطيران "FlightRadar24" لطائرة شحن تحمل رقم التسجيل "XT-ABJ" من طراز "Ilyushin Il-76TD"، تحلق على ارتفاع منخفض فوق أبوظبي باتجاه القرن الإفريقي.
لم تكن الرحلة عادية، إذ أخفت الطائرة بيانات الإقلاع والوجهة، قبل أن تُطفئ إشارتها بالكامل عند اقترابها من المجال الحدودي بين جيبوتي وإثيوبيا، وهو سلوك يُعد من المؤشرات الكلاسيكية في تحليل OSINT الجوي على الرحلات الحساسة أو غير المعلنة.
لكن رحلة العودة في صباح اليوم التالي كشفت أول خيط: الطائرة نفسها عادت إلى أبوظبي قادمة من أديس أبابا، ما أكد أن إثيوبيا كانت وجهتها الفعلية خلال فترة "الاختفاء".
بالتقصي في سجلات إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية "Federal Aviation Administration"، تبيّن أن الطائرة مملوكة لشركة تدعى "Batot Air"، مسجلة في بوركينا فاسو.
غير أن البحث في البنية المؤسسية للشركة كشف نمطاً لافتاً: فهي كيان حديث للغاية، أُدرج في قواعد البيانات مؤخراً، بينما لم يظهر حضورها الرقمي (Domain) إلا في أغسطس/ آب 2024، ما يشير إلى شركة أُنشئت حديثاً دون سجل تشغيلي طويل.
كما تُظهر بياناتها أن حصولها على شهادة المشغّل الجوي (AOC) من سلطات الطيران في بوركينا فاسو لم يتجاوز 8 أشهر فقط، وفق ما نشرته الشركة على منصة LinkedIn، وهو إطار زمني قصير مقارنة بحجم نشاطها اللاحق.
ورغم هذه الحداثة، تمتلك الشركة أسطولاً مكوناً من 4 طائرات شحن سوفيتية المنشأ: 3 طائرات من طراز Il-76TD (برموز التسجيل XT-ABJ وXT-ABL وXT-ABN)، وطائرة من طراز Antonov An-12 (XT-ABA).
هذه الطائرات ليست مجرد وسائل نقل عادية؛ فهي مصممة أساساً للبيئات العسكرية أو شبه العسكرية، بقدرتها على نقل ما يصل إلى 50 طناً (Il-76TD) أو 20 طناً (An-12)، والعمل في مدارج غير مهيأة، وهو ما يجعلها مثالية للعمليات اللوجستية في مناطق النزاع أو البيئات منخفضة الرقابة.
تحليل سجل الرحلات عبر FlightRadar24 يكشف أن نشاط هذه الطائرات لم يكن عشوائياً، بل مكثفاً ومركزاً بشكل شبه حصري بين الإمارات وإثيوبيا منذ نهاية يناير/ كانون الثاني 2026، واستمر بوتيرة عالية طوال فبراير/ شباط 2026.
ففي مساء 17 فبراير/ شباط، أقلعت الطائرة XT-ABN من مطار زايد الدولي، عبرت أجواء سلطنة عمان، ثم حلّقت فوق جيبوتي قبل أن تُطفئ إشارتها داخل الأجواء الإثيوبية وتختفي.
هذا النمط تكرر بشكل منهجي خلال الشهر ذاته:
- في 13 فبراير/ شباط، سلكت الطائرة المسار نفسه واختفت فوق إثيوبيا.
- في 11 فبراير/ شباط، أقلعت XT-ABJ، أغلقت إشارتها، ثم ظهرت بعد 5 أيام مغادرة من مطار دير داوا.
- في 8 فبراير/ شباط، رُصدت الطائرة نفسها تعود من أديس أبابا إلى أبوظبي، بعد رحلة ذهاب أُخفيت خلالها إشارتها بالكامل.
بل إن العمليات لم تكن فردية، ففي 6 فبراير/ شباط، أقلعت طائرتان من أسطول الشركة (XT-ABJ وXT-ABN) في اليوم نفسه، وسلكتا المسار ذاته، مع اختلاف نقطة إطفاء الإشارة، إحداهما فوق إثيوبيا والأخرى قبالة الساحل الجيبوتي، في نمط يُظهر توزيع المخاطر التشغيلية وليس مجرد صدفة.
هذا النشاط يعود إلى ما قبل ذلك، إذ إنه في 4 و3 فبراير/ شباط، تكررت الرحلات بالنمط نفسه، مع اختفاء الإشارات داخل المجال الإثيوبي، بينما تشير بيانات نهاية يناير/ كانون الثاني (29، 30، 31 يناير/ كانون الثاني) إلى رحلات شبه يومية تُطفأ فيها الإشارات فور الوصول إلى المنطقة الجغرافية نفسها.
أما يوم 27 يناير/ كانون الثاني 2026، فيُعد نقطة البداية المرصودة لنشاط الشركة، حين ظهرت طائرة XT-ABN لأول مرة قادمة من الفجيرة، قبل أن تبدأ سلسلة الرحلات المتكررة نحو إثيوبيا.
المفارقة الأبرز أن هذه الشركة، رغم تسجيلها في بوركينا فاسو، لا يظهر في سجل رحلاتها أي نشاط نحو الدولة التي تحمل جنسيتها، بينما يتركز نشاطها بالكامل تقريباً بين الإمارات وإثيوبيا. هذا التباين بين "الدولة المسجلة" و"الدولة التشغيلية الفعلية" يُعد من أبرز مؤشرات استخدام شركات واجهة في شبكات النقل غير التقليدية.
ما تكشفه هذه البيانات ليس مجرد نشاط لشركة طيران ناشئة، بل نمط تشغيلي متكامل يقوم على: "إخفاء الوجهات، إطفاء الإشارات في نقاط محددة، وتكرار مسار جغرافي ثابت بين نقطتين محوريتين". وهنا يبرز سؤال أوسع: إذا لم تكن Batot Air سوى واجهة تشغيل، فمن هي الشبكة الأوسع التي تتحرك ضمنها هذه الرحلات؟
هذا ما يقودنا إلى تفاصيل أوسع، حيث لا تعود Batot Air حالة منفردة، بل جزءاً من منظومة أوسع من شركات الطيران التي تستخدم المسار ذاته وبالأساليب نفسها.
شبكة جوية متعددة الواجهات بمسار واحد خفي؟
- ماكسيموس… شركة ثقيلة على خط الشحن الثقيل
لم يكن المسار الجوي الذي كشفته رحلات Batot Air حالة معزولة، بل تبيّن أنه جزء من نمط أوسع تشارك فيه شركات طيران أخرى. ففي الفترة الممتدة بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 ومطلع فبراير/ شباط 2026، رُصدت 9 رحلات لطائرة من طراز Antonov An-124-100 Ruslan تحمل التسجيل UR-ZYD، اتجهت جميعها إلى أديس أبابا، انطلقت 8 منها من أبوظبي، وسلكت المسار الجوي نفسه الذي تم توثيقه سابقاً.
وتُظهر المعطيات أن هذه الطائرة ارتبطت سابقاً بتحقيقات لجنة خبراء الأمم المتحدة، التي اتهمتها بانتهاك حظر التسليح في ليبيا ونقل معدات عسكرية إلى قوات خليفة حفتر. وبالعودة إلى سجلات التشغيل، يتبيّن أن المشغّل الفعلي لها هو شركة Maximus Air، المتخصصة في نقل الشحنات الثقيلة، ومقرها مطار أبوظبي.
ولا تقف أهمية هذه الشركة عند نشاطها فقط، بل تمتد إلى بنيتها المؤسسية؛ إذ تملك مجموعة Abu Dhabi Aviation نحو 95% من أسهمها، وهي مجموعة تقع ضمن شبكة النفوذ المرتبطة بمستشار الأمن القومي الإماراتي Tahnoon bin Zayed Al Nahyan، ما يضع هذه الرحلات في سياق يتجاوز النشاط التجاري البحت.
- Zebu Air… تغيير الهوية بدل تغيير المسار
في 5 يناير/ كانون الثاني 2026، رُصدت طائرة شحن من طراز Ilyushin Il-76TD تحمل التسجيل 7Q-ASU، وتشغلها شركة Zebu Air، تقلع من أبوظبي معلنةً وجهتها كازاخستان، لكن مسارها الفعلي انحرف جنوباً عبر عُمان وخليج عدن قبل أن تختفي فوق شرق إثيوبيا قرب دير داوا.
لم تكن هذه الرحلة استثناءً؛ إذ كشفت مراجعة سجل الرحلات عن 6 رحلات مماثلة بين ديسمبر/ كانون الأول 2025 ومطلع يناير/ كانون الثاني 2026، جميعها اتبعت النمط ذاته: إخفاء الوجهة عند الإقلاع، ثم الظهور لاحقاً في أديس أبابا. وتكررت هذه الرحلات من أبوظبي والشارقة، مع دورات سريعة (ذهاب – عودة) تشير إلى عمليات نقل منتظمة وليست استثنائية.
الرحلة الأكثر دلالة كانت في 8 يناير/ كانون الثاني 2026، حين اتخذت الطائرة مساراً مركباً: أبوظبي ← بربرة ← مقديشو ← بحر دار ← أديس أبابا ← أبوظبي، مع إطفاء وتشغيل الإشارة بحسب كل محطة. وقد وردت هذه الرحلة (MZB9102) في بيان رسمي للتحالف في اليمن، حيث كانت تقل Aidarous al-Zubaidi، ما يكشف استخدام هذا النمط من الرحلات لأغراض متعددة، تتجاوز الشحن التقليدي.
- الطائرات التي تغيّر هويتها
بفحص تاريخ الطائرة نفسها، يتضح أنها ليست مجرد وسيلة نقل، بل جزء من سلسلة إعادة تدوير للهويات، فقد بُنيت عام 1994، وتنقلت بين عدة مشغلين، من Uzbekistan Airways إلى شركات روسية، ثم إلى شركة Zet Avia الأوكرانية، قبل أن تُسجّل في قيرغيزستان باسم EX-76019 لدى شركة New Way Cargo Airlines.
لكن في أغسطس/ آب 2025، أُعيد تسجيلها في ملاوي باسم 7Q-ASU تحت مظلة Zebu Air، بعد أشهر من اتهام New Way Cargo Airlines بالتورط في نقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع. هذا التحول لا يعكس تغييراً في النشاط بقدر ما يشير إلى "إعادة تسمية" لتجاوز التتبع والعقوبات.
ووثّق تقرير "Middle East Eye" أن طائرتين من أسطول الشركة (EX-76015 وEX-76019) نفذتا 59 رحلة إلى بوصاصو بين مارس/ آذار 2024 وأغسطس/ آب 2025، مع إطفاء منتظم للإشارة، إضافة إلى رحلتين مباشرتين إلى إثيوبيا.
أما الطائرة الشقيقة EX-76015، فقد انتقلت بدورها إلى شركة Sapsan Airlines تحت تسجيل جديد، وهي شركة ورد اسمها في تقرير مجلس الأمن (S/2024/914) لتورطها في نقل أسلحة لصالح قوات حفتر، باستخدام النمط نفسه: رحلات مخفية ومسارات غير معلنة.
شركات على قوائم العقوبات في المسار نفسه
لم يقتصر الأمر على شركات واجهة أو إعادة تسجيل، بل شمل أيضاً شركات مدرجة بالفعل على قوائم العقوبات. في الفترة بين 13 يناير/ كانون الثاني و14 فبراير/ شباط 2026، رُصدت 9 رحلات لطائرة Il-76TD تحمل التسجيل EW-383TH، تعمل لدى شركة Rubystar Airways، اتبعت المسار نفسه بين أبوظبي وأديس أبابا، مع إطفاء الإشارة فوق الأجواء الإثيوبية.
وتخضع الشركة لعقوبات من OFAC منذ أغسطس/ آب 2024، بتهمة دعم العمليات العسكرية الروسية ونقل معدات عسكرية إلى إفريقيا، ما يعزز فرضية أن المسار نفسه يُستخدم من قبل أطراف متعددة ضمن شبكة لوجستية واحدة.
النمط ذاته يظهر بشكل أوضح مع شركة Abakan Air، التي شغّلت طائرة تحمل التسجيل RA-76370، نفذت 28 رحلة بين فبراير/ شباط ومنتصف مارس/ آذار 2026، جميعها تقريباً أخفت وجهتها، مع التزام واضح بالمسار نفسه ونقاط إطفاء الإشارة نفسها.
الشركة بدورها مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، بتهمة نقل معدات عسكرية والعمل لصالح شبكات مرتبطة بمجموعة فاغنر في إفريقيا، ما يربط المسار الجوي ليس فقط بشركات واجهة، بل أيضاً بشبكات نقل عسكري دولية قائمة بالفعل.
- نمط تشغيلي واحد لشبكة متعددة الواجهات
ما تكشفه هذه المعطيات ليس تعدد شركات، بل وحدة نمط، فبغض النظر عن اختلاف المشغّلين، من Maximus إلى Zebu Air، ومن شركات قيرغيزية إلى بيلاروسية وروسية، يتكرر السلوك نفسه:
- الانطلاق من الإمارات
- إعلان وجهات مضللة أو إخفاؤها
- الانحراف نحو إثيوبيا
- إطفاء الإشارة عند نقاط محددة
- الظهور لاحقاً بعد إتمام الرحلة
والأهم أن هذا النمط لم يتأثر حتى بالأحداث الإقليمية الكبرى، فبعد التصعيد العسكري في 28 فبراير/ شباط 2026، واصلت هذه الرحلات نشاطها دون انقطاع يُذكر، بما في ذلك رحلات شركة Batot Air التي غيّرت فقط نقطة الانطلاق من أبوظبي إلى العين، مع الحفاظ على المسار ذاته.
هذا الثبات التشغيلي، رغم تغير الشركات والتسجيلات والسياقات السياسية، يشير إلى وجود شبكة إمداد جوية واحدة تعمل عبر واجهات متعددة، تتقاطع فيها شركات خاضعة للعقوبات، وأخرى حديثة التأسيس، ضمن منظومة لوجستية متكاملة.
وهو ما يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: إذا كان الجو يكشف هذا النمط بوضوح، فكيف تبدو الصورة عندما ننتقل إلى المسار البحري والبري الذي يكمل هذه الشبكة؟
إثيوبيا عقدة مركزية في شبكة إمداد عسكرية إماراتية
لم تكن إثيوبيا في البداية سوى نقطة ضمن مسارات متعددة استخدمتها طائرات الشحن المنطلقة من الإمارات للوصول إلى السودان. فقد اعتمدت هذه الرحلات على مسارين رئيسيين: الأول يتجه غرباً عبر الأجواء السعودية والمصرية نحو شرق ليبيا، وتحديداً مدينة بنغازي، حيث تُفرغ الشحنات ليُعاد توزيعها براً باتجاه دارفور.
هذا المسار ظهر بوضوح في رحلة لطائرة من طراز Boeing 747-400 تحمل التسجيل ER-MDR، أقلعت من مطار العين في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قبل أن تختفي إشارتها قبالة السواحل الليبية.
النمط نفسه تكرر مع طائرات أخرى، من بينها طائرة XT-ABJ التابعة لشركة Batot Air، التي أقلعت في 14 يناير/ كانون الثاني 2026 من العين، وسلكت المسار ذاته قبل أن تختفي قبيل دخول الأجواء المصرية، كما ظهرت رحلة مماثلة في 6 يناير/ كانون الثاني، ما يعكس اعتماداً متكرراً على هذا الخط قبل أن يبدأ بالتراجع.
في المقابل، اعتمد المسار الثاني على اتجاه مختلف، إذ كانت الطائرات تعبر الأجواء اليمنية ثم تمر فوق إثيوبيا وصولاً إلى الحدود التشادية. وقد سلكت الطائرة نفسها ER-MDR هذا الطريق في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قبل أن تختفي إشارتها عند الاقتراب من الأراضي التشادية.
غير أن هذين المسارين لم يعودا قابلين للاستمرار، فقد أدت التوترات الإقليمية، خاصة الخلاف السعودي – الإماراتي في اليمن، إلى تقييد استخدام الأجواء السعودية والمصرية، في حين مورست ضغوط لتعطيل المسارات الليبية، وتزامن ذلك مع تصعيد عسكري مصري، تمثل في استهداف قافلة عسكرية في يناير/ كانون الثاني 2026 على الحدود الليبية – السودانية.
في الوقت ذاته، أغلقت الحكومة الصومالية مجالها الجوي أمام الطيران الإماراتي، بينما تراجعت تشاد عن دورها كممر لوجستي تحت ضغط سياسي وأمني متصاعد، انتهى بإغلاق حدودها مع السودان في فبراير/ شباط 2026.
ضمن هذا السياق، لم تعد إثيوبيا مجرد مسار بديل، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز مركزية في شبكة الإمداد، تستقبل الرحلات الجوية وتعيد توجيهها ضمن منظومة أكثر تعقيداً، تجمع بين الجو والبر والبحر.
الجسر البحري: مسار مواز خارج السجلات الرسمية
لم يقتصر التحول على المسارات الجوية، بل امتد إلى إنشاء مسار بحري مواز، إذ أظهرت بيانات التتبع وصول شحنات بحرية من الإمارات إلى موانئ قريبة من إثيوبيا، مثل بوصاصو وبربرة، قبل نقلها براً نحو الداخل الإثيوبي باتجاه السودان.
في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، رُصدت سفينة الشحن Socotra 1 (IMO: 9753882) على بعد 7 كيلومترات من ميناء بربرة، راسية في موقع غير مسجل، بعد رحلة انطلقت من الفجيرة في 18 سبتمبر/ أيلول 2025. هذا التموضع خارج الميناء الرسمي مكّن السفينة من تجنب الظهور في سجلات الرسو، رغم تأكيد بيانات التتبع وجودها في المنطقة.
ولم تكن هذه حادثة معزولة، إذ تكرر النمط نفسه في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية توسعاً مستمراً في هذا الميناء غير الرسمي بين 2024 و2026، ما يشير إلى استخدامه كنقطة لوجستية بديلة.
من السفن إلى الشاحنات
بعد نحو 10 أيام من وصول إحدى هذه السفن، ظهر مقطع مصور يوثق نقل قرابة 70 مركبة من نوع Toyota Land Cruiser 79، وهي مركبات سبق أن وثّقت منظمة Global Witness استخدامها على نطاق واسع من قبل قوات الدعم السريع، خصوصاً بعد تحويلها إلى مركبات قتالية.
التحليل الجغرافي للمقطع أظهر أنه صُوّر في منطقة أسوسا بإقليم بني شنقول – غوموز في إثيوبيا، على بعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود السودانية، ما يربط بشكل مباشر بين الشحنات البحرية والمسار البري نحو مناطق النزاع.
كما كشفت اللقطات عن شعار شركة "الشيراوي للمعدات"، وهي مجموعة صناعية إماراتية كبرى، ما يضيف طبقة إضافية من الترابط بين المصدر والوجهة.
تحليل رقمي: من TikTok إلى خط الشحن البحري
في محاولة لتحديد توقيت هذه العمليات بدقة، تم تحليل معرف أحد مقاطع TikTok، حيث أظهر الرقم الفريد للفيديو تاريخ نشر يعود إلى 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وبمقارنة هذا التاريخ مع بيانات حركة السفن، تبيّن وصول سفينة Socotra 3 (IMO: 9546643) إلى الموقع ذاته في 19 أكتوبر/ تشرين الأول، أي قبل 11 يوماً فقط من نشر الفيديو. وقد سلكت السفينة المسار نفسه، ورست في الموقع غير المسجل ذاته، مع غياب كامل عن سجلات الميناء الرسمية.
كما أظهر تحليل موقع تصوير مقطع آخر أنه التُقط في مدينة غابيلي، الواقعة على الطريق الرئيسي بين بربرة والحدود الإثيوبية، ما يؤكد وجود مسار بري منتظم لنقل هذه الشحنات.
سفن متعددة وشبكة واحدة
لم يقتصر نشاط هذه السفن على القرن الإفريقي، بل امتد إلى اليمن، إذ أظهرت بيانات التتبع أن سفينتي Socotra 1 وSocotra 3 زارتا ميناء المكلا عدة مرات خلال 2025.
وفي ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، وصلت Socotra 3 إلى المكلا محملة بمركبات مدرعة إماراتية الصنع لصالح المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل أن تتعرض هذه الشحنة لضربة جوية من التحالف بقيادة السعودية، وكانت السفينة Greenland قد رافقتها في الرحلة ذاتها، محملة بالمعدات نفسها.
وتُظهر الوثائق أن السفن الـ3 تعود إلى شركة إماراتية واحدة، مملوكة لرجل أعمال مرتبط بشبكات النفوذ في القطاع البحري، ما يعزز فرضية وجود بنية تشغيلية موحدة خلف هذه العمليات.
شبكة متعددة المسارات في قلب حرب ممتدة
بالتزامن مع هذه المعطيات، كشفت وكالة "رويترز" في فبراير/ شباط 2026 عن وجود معسكر تدريب لقوات الدعم السريع في منطقة بني شنقول – غوموز، تموله الإمارات، وهي المنطقة نفسها التي ظهرت فيها الشحنات البرية التي تم تتبعها.
عند تجميع هذه الخيوط، الرحلات الجوية والشحنات البحرية والنقل البري، تظهر بنية متكاملة لشبكة إمداد عسكرية غير معلنة، تنطلق من الإمارات، وتتمركز في إثيوبيا، قبل أن تتجه نحو السودان.
وتكتسب شبكة إمداد عسكرية إماراتية أهميتها في سياق حرب اندلعت منذ أبريل/ نيسان 2023، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وأسفرت عن مقتل ما يصل إلى 150 ألف شخص، وتشريد أكثر من 11 مليوناً، ودفعت ملايين آخرين إلى حافة المجاعة.
في هذا السياق، لا تبدو إثيوبيا مجرد محطة عبور، بل حلقة محورية في شبكة إمداد عسكرية إماراتية لوجستية عابرة للحدود، تتقاطع فيها المصالح السياسية مع البنى التجارية، وتعمل فيها أنماط النقل المختلفة كأجزاء من منظومة واحدة.