خاص: تفاصيل مشروع إسرائيلي لإعادة تشكيل الجنوب السوري وابتزاز دمشق بملف لبنان وحزب الله

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/13 الساعة 11:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/13 الساعة 11:35 بتوقيت غرينتش
تحركات إسرائيلية غير مسبوقة في المناطق السورية المحتلة/ عربي بوست

تشهد محافظتا القنيطرة وريف درعا الغربي تصعيداً ميدانياً متسارعاً، وسط تقديرات سورية بأن ما يجري يتجاوز إطار العمليات العسكرية التقليدية، ويتجه نحو تثبيت واقع أمني جديد تقوده إسرائيل على طول الشريط الحدودي مع الجولان المحتل. وتتعامل دمشق مع هذه التحركات بوصفها جزءاً من مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الجنوب السوري ميدانياً وسياسياً.

وبحسب مصادر عسكرية، فإن إسرائيل تعمل على إنشاء ما يشبه "حزاماً أمنياً معززاً" يمتد من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، مدعوماً بتقنيات مراقبة متقدمة وتوغلات شبه يومية داخل القرى الحدودية، بالتوازي مع عمليات قصف وتدمير طالت بنى مدنية ومواقع تاريخية داخل القنيطرة، في محاولة لفرض معادلة ميدانية جديدة يصعب تغييرها لاحقاً.

في المقابل، تبدي دمشق قلقاً متزايداً من التحول نحو نموذج "الحدود الذكية"، حيث يتم دمج أنظمة مراقبة إلكترونية وطائرات مسيّرة وتقنيات ذكاء اصطناعي لرصد التحركات داخل الجنوب السوري، إلى جانب مشاريع إزالة ألغام وتوسيع بنية عسكرية يُعتقد أنها تمهد لإعادة رسم خطوط الانتشار الإسرائيلي داخل المنطقة.

كما تربط القيادة السورية بين هذا التصعيد الميداني في الجنوب السوري ومسار أوسع من الضغوط السياسية المرتبطة بملفات إقليمية، في مقدمتها لبنان وملف حزب الله، وسط مخاوف من أن يؤدي تثبيت هذا الواقع إلى إنشاء "منطقة عازلة صامتة" وتغيير ديموغرافي تدريجي في الجنوب، بما يخدم أهدافاً إسرائيلية تتجاوز الحدود السورية إلى إعادة ترتيب توازنات المنطقة.

كيف تنظر دمشق إلى ما يجري؟

قال مصدر عسكري سوري إن المؤسسة العسكرية السورية لم تعد تتعامل مع التحركات الإسرائيلية بوصفها عمليات موضعية مرتبطة باعتبارات تكتيكية أو أمنية مؤقتة، بل كجزء من مشروع متكامل لإقامة "حزام أمني معزز" داخل الجنوب السوري، مدعوم ببنية مراقبة واستخبارات وتقنيات حديثة تهدف إلى تحويل الشريط الحدودي إلى منطقة نفوذ إسرائيلية شبه مستقلة أمنياً عن العمق السوري.

وانتقلت إسرائيل عملياً خلال الأشهر الأخيرة، يوضح المصدر العسكري لـ"عربي بوست"، من مرحلة "الرد العسكري السريع" إلى مرحلة تثبيت حضور ميداني دائم داخل مناطق التماس، عبر إنشاء نقاط عسكرية ثابتة، وتحويل بعض المواقع داخل القنيطرة إلى قواعد عملياتية متقدمة، مع تسيير دوريات شبه يومية داخل القرى والطرق الزراعية المحاذية لخط وقف إطلاق النار.

وتشير التقديرات السورية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول فرض واقع أمني تدريجي في الجنوب السوري يقوم على حرية الحركة الكاملة داخل المنطقة الحدودية، ومنع أي محاولة سورية مستقبلية لإعادة بناء بنية عسكرية أو أمنية فاعلة جنوب البلاد، خصوصاً في المناطق المحاذية للجولان المحتل.

مدرعة إسرائيلية على الحدود بين الجولان المحتل والأراضي السورية/ رويترز
مدرعة إسرائيلية على الحدود بين الجولان المحتل والأراضي السورية/ رويترز

ما الذي يجري في الجنوب السوري؟

لم تعد التوغلات الإسرائيلية تقتصر على عمليات استطلاع أو رسائل ميدانية عابرة، بل باتت تتخذ طابعاً منظماً ومتكرراً. ويوضح المصدر العسكري أن ذلك يشمل الدخول إلى قرى مأهولة وإقامة حواجز مؤقتة وتفتيش المدنيين، إضافة إلى التحرك داخل الطرق الزراعية لساعات طويلة قبل الانسحاب.

فيما باتت الدوريات الإسرائيلية تتحرك على امتداد واسع يبدأ من جباتا الخشب وطرنجة والصمدانية، وصولاً إلى الرفيد والعشة وحوض اليرموك، مع وجود محاولات مستمرة لفرض "ممرات آمنة" تتحرك عبرها القوات الإسرائيلية دون أي احتكاك فعلي، وفق ما أكد المصدر العسكري السوري لـ"عربي بوست".

وترى دمشق أن هذه التحركات تهدف عملياً إلى اختبار البيئة المحلية، وجمع معلومات استخباراتية تفصيلية عن القرى والسكان والبنية الجغرافية، إضافة إلى خلق حالة اعتياد تدريجية على الوجود الإسرائيلي داخل مناطق يفترض أنها تقع خارج نطاق السيطرة المباشرة للاحتلال.

كما تتحدث التقديرات السورية عن وجود مسار إسرائيلي واضح لإعادة تقسيم الجنوب السوري إلى مربعات أمنية متفاوتة الحساسية، بحيث تتحول بعض المناطق إلى نطاق مراقبة مفتوح، فيما يجري التعامل مع مناطق أخرى باعتبارها "مناطق عازلة غير معلنة" يُمنع فيها أي نشاط عسكري أو أمني سوري فعلي.

إسرائيل تغيّر شكل الحدود

بحسب المصدر العسكري السوري، فإن أخطر ما يقلق دمشق لا يرتبط فقط بالتوغلات العسكرية، بل بطبيعة البنية الأمنية الجديدة التي تعمل إسرائيل على إنشائها جنوب سوريا.

إذ تعمل إسرائيل، يوضح مصدر "عربي بوست"، على دمج أنظمة مراقبة إلكترونية متقدمة، وطائرات مسيّرة، ومنصات استشعار حراري، وتقنيات ذكاء اصطناعي لتحليل الحركة الميدانية ورصد أي تحركات بشرية أو عسكرية داخل الشريط الحدودي.

كما يثير إدخال شركات أمريكية متخصصة في الأنظمة الدفاعية وإزالة الألغام إلى المنطقة قلق دمشق، معتبرة أن هذه المشاريع ليست تقنية فقط، بل جزء من إعادة تصميم الحدود ميدانياً بما يسمح بتحويلها إلى جبهة ذكية عالية المراقبة شبيهة بالنماذج الأمنية المستخدمة في غزة وجنوب لبنان.

ووفق المعطيات السورية، فإن مشروع إزالة الألغام الجاري تنفيذه حالياً على طول الحدود السورية – الإسرائيلية ليس مجرد خطوة هندسية، بل عملية تمهيد ميداني واسعة لفتح المجال أمام شق طرقات عسكرية جديدة، وتوسيع القواعد القائمة، وإنشاء مناطق انتشار دائمة للقوات الإسرائيلية.

"القنيطرة القديمة" مركز عمليات إسرائيلي متقدم

تثير التحركات الإسرائيلية داخل مدينة القنيطرة القديمة حساسية خاصة داخل دمشق، بعدما تحولت المدينة خلال الأشهر الماضية إلى مركز عسكري مغلق تسيطر عليه القوات الإسرائيلية بشكل كامل، مع منع السكان من دخولها.

وبحسب المصدر السوري، فإن عمليات تفجير مسجد الداغستان ومبنى المحكمة والمتحف، إلى جانب تدمير منشآت أخرى خلال الأشهر الماضية، تأتي ضمن سياسة تهدف إلى إزالة ما تبقى من البنية العمرانية والتاريخية للمدينة، وربطها بمشروع الطريق العسكري المعروف باسم "سوفا 53″، الذي يمتد بطول يقارب 80 كيلومتراً لربط القواعد الإسرائيلية المنتشرة على طول خط وقف إطلاق النار.

وتعتقد دمشق أن إسرائيل تسعى إلى تحويل القنيطرة القديمة إلى مركز قيادة ومراقبة متقدم يدير كامل القطاع الجنوبي، خصوصاً مع المعلومات المتعلقة بإنشاء بنية اتصالات ومراقبة عسكرية جديدة داخل المدينة والمناطق المحيطة بها.

مخاوف سورية من "المنطقة العازلة الصامتة"

وترى القيادة السورية أن أخطر ما في المشروع الإسرائيلي الحالي هو السعي التدريجي لتحويل أجزاء واسعة من ريف القنيطرة إلى "منطقة عازلة صامتة"، أي منطقة خالية عملياً من أي وجود عسكري سوري فعّال، ومحدودة الكثافة السكانية، وتخضع لمراقبة إسرائيلية دائمة بالنار والتكنولوجيا.

ويوضح المصدر العسكري أن دمشق تراقب بقلق عمليات تدمير المنازل في قرى الحميدية والرواضي والرفيد، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، واستهداف المناطق الحرجية والزراعية بالقصف المتكرر، معتبرة أن الهدف النهائي هو دفع السكان تدريجياً إلى مغادرة المناطق المحاذية لخط وقف إطلاق النار.

كما تخشى دمشق من أن يتحول هذا الواقع لاحقاً إلى نموذج دائم شبيه بما جرى في جنوب لبنان خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث يجري خلق بيئة حدودية مفككة أمنياً واقتصادياً، بما يسمح لإسرائيل بإدارة الحدود وفق شروطها الخاصة.

ولا تفصل دمشق بين التصعيد الميداني وبين قرار حكومة الاحتلال تخصيص نحو 334 مليون دولار لتوسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل حتى عام 2030، وهي الخطة التي تشمل تطوير مستوطنة كاتسرين وتحويلها إلى مركز حضري رئيسي، إلى جانب مشاريع إسكان وبنية تحتية وخدمات تستهدف استقطاب آلاف المستوطنين الجدد إلى المنطقة.

وترى القيادة السورية أن إسرائيل تحاول استغلال الظروف الإقليمية الحالية والانشغال الدولي بالملفات الكبرى في المنطقة، لترسيخ وقائع سياسية وديموغرافية جديدة داخل الجولان، وتحويل التوسع الاستيطاني إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه لاحقاً.

كيف يتعامل الشرع مع الملف؟

سياسياً، تكشف المعطيات السورية أن الرئيس السوري أحمد الشرع يتعامل مع الملف من زاوية أوسع تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ ترى دمشق أن جزءاً من الضغوط الإسرائيلية والأمريكية الحالية يرتبط بمحاولة دفع سوريا إلى الانخراط في ترتيبات أمنية تخص الساحة اللبنانية وملف "حزب الله".

ويقول المصدر العسكري لـ"عربي بوست" إن القيادة السورية تلقت خلال الأشهر الماضية رسائل غير مباشرة تربط بين تخفيف الضغوط على دمشق وبين لعب دور أكثر تشدداً في ملف الحدود اللبنانية – السورية، أو الانخراط في ترتيبات تتعلق بواقع "حزب الله" في لبنان.

لكن دمشق ترفض الدخول في أي مواجهة مباشرة مع "حزب الله" أو تحويل الأراضي السورية إلى منصة صراع داخلي لبناني، معتبرة أن المطلوب عملياً هو إدخال سوريا في معركة استنزاف مفتوحة تخدم الأولويات الإسرائيلية أكثر مما تخدم استقرار المنطقة.

ويشكل الجنوب السوري، ولا سيما محافظة القنيطرة المحاذية لهضبة الجولان المحتلة، واحدة من أكثر المناطق حساسية في التوازنات الإقليمية منذ حرب 1967، حيث بقيت المنطقة خاضعة لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي حدّد خطوط التماس بين سوريا وإسرائيل وأبقى الجبهة في حالة هدوء نسبي لعقود.

غير أن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، مع تراجع سيطرة الدولة في بعض المراحل وظهور فاعلين غير حكوميين، ما منح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك العسكري والاستخباراتي داخل المنطقة.

ومع عودة الجيش السوري وانتشار قوات دولية، بقي الجنوب ساحة مراقبة دقيقة، إلا أن التصعيد الأخير يعكس انتقالاً من إدارة التوازن إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، ترتبط بالأمن الحدودي الإسرائيلي وبالتطورات الإقليمية الأوسع.

تحميل المزيد