خاص: كواليس ما قبل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، أمريكا تريد الحسم والقاهرة تحاول التأجيل

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/09 الساعة 11:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/09 الساعة 11:28 بتوقيت غرينتش
لبناني يتعرض لضغوط داخلية وخارجية/ عربي بوست

تتجه الأنظار إلى جولة مفاوضات مرتقبة بين لبنان وإسرائيل، وسط ضغوط أمريكية متصاعدة لتسريع الانتقال من التهدئة الميدانية إلى مسار سياسي – أمني أوسع، في وقت تحاول فيه بيروت، بدعم من أطراف إقليمية، كسب الوقت وتأجيل الانخراط في ترتيبات سياسية مباشرة قد تحمل تداعيات داخلية معقدة.

وبحسب معلومات خاصة، تستعد واشنطن لإطلاق أول جولة فعلية من المفاوضات المباشرة، بعد انتهاء مرحلة المحادثات التمهيدية، مع سعي واضح لإعادة صياغة التوازنات اللبنانية، وربط أي استقرار مستقبلي بترتيبات أمنية مباشرة مع إسرائيل، تتجاوز ملف الحدود إلى قضايا أكثر حساسية، في مقدمتها سلاح حزب الله.

في المقابل، تتحرك عدة عواصم، بينها القاهرة، لمحاولة إعادة ضبط إيقاع هذا المسار، عبر مبادرات تسعى للفصل بين الأمن والسياسة، وتأجيل أي مشهد تطبيعي مباشر، في ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية ميدانياً، ودخول إيران بقوة على خط التفاوض، ما يجعل المشهد مفتوحاً على عدة سيناريوهات متشابكة.

"المرحلة الثانية" من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل

تتحضر الولايات المتحدة لإطلاق أول جولة فعلية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بعد انتهاء مرحلة "المحادثات التمهيدية" التي جرت خلال الأسابيع الماضية على مستوى السفراء.

وبحسب معلومات خاصة حصل عليها "عربي بوست"، فإن الإدارة الأمريكية تعتبر أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل الاكتفاء بتثبيت وقف إطلاق النار أو إدارة الاشتباك جنوب لبنان، بل تتطلب الانتقال إلى مسار سياسي – أمني أوسع، يبدأ من الحدود الجنوبية ولا ينتهي عند ملف سلاح حزب الله ومستقبل العلاقة بين بيروت وتل أبيب.

ووفق المعطيات، يُفترض أن تُعقد الجولة الجديدة الأسبوع المقبل في واشنطن برئاسة الدبلوماسي اللبناني السابق سيمون كرم، وبمشاركة ممثل عن الجيش اللبناني والسفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونائب رئيس البعثة اللبنانية، في مقابل وفد إسرائيلي سياسي – أمني رفيع، برئاسة رون ديرمر.

إلا أن تحديد الموعد النهائي لا يزال مرتبطاً بموقف البيت الأبيض من مسألة لقاء الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة الإسرائيلية، بعدما أبلغ الأمريكيون الجانب اللبناني عبر سفيرهم ميشال عيسى، بشكل غير مباشر، أن الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من المسار التفاوضي يتطلب غطاءً سياسياً لبنانياً أعلى من مجرد مفاوضات تقنية بين السفراء.

وتقول مصادر دبلوماسية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" إن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الحرب الأخيرة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة التوازنات اللبنانية بالكامل، وخصوصاً بعد الضربات التي تلقاها حزب الله، لذلك تسعى واشنطن إلى استثمار الضغط العسكري الإسرائيلي لإنتاج مسار سياسي طويل الأمد، يضمن تقليص نفوذ الحزب جنوباً، وربط أي استقرار مستقبلي في لبنان بترتيبات أمنية مباشرة مع إسرائيل.

بيروت تحاول الفصل بين الأمن والتطبيع

في المقابل، يحاول الرئيس اللبناني جوزيف عون الدفع باتجاه مقاربة مختلفة في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تقوم على الفصل بين "الترتيبات الأمنية" و"التطبيع السياسي".

ووفق المعلومات، أبلغ عون أكثر من جهة دولية، آخرها وفق مصادر رئاسية لبنانية لـ"عربي بوست"، مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، أن لبنان مستعد للدخول في تفاوض أمني يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها جنوب لبنان، وإعادة تفعيل دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني، لكنه يرفض حالياً الذهاب إلى أي مشهد سياسي علني مع نتنياهو، بسبب التداعيات الداخلية الخطيرة التي قد تنتج عن ذلك.

وتشير المصادر إلى أن الرئاسة اللبنانية تعمل على صيغة تقوم على إدارة التفاوض عبر لجنة صغيرة تضم دبلوماسيين وعسكريين، يكون السفير سيمون كرم جزءاً أساسياً منها، على أن يؤجل أي اتفاق سياسي أو توقيع رسمي أو لقاء مباشر بين القادة إلى مرحلة لاحقة بعد تثبيت التفاهمات الأمنية.

وتعتبر الرئاسة اللبنانية أن هذه الصيغة تمنح لبنان وقتاً لامتصاص الضغوط الداخلية، وخصوصاً داخل البيئة الشيعية والسنية، التي لا تزال تنظر بحذر شديد إلى أي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل.

لكن المشكلة الأساسية بالنسبة للبنان، وفق المصادر الرئاسية، تكمن في أن الأمريكيين لا يتعاملون مع الملف بوصفه مجرد ترتيبات حدودية، بل باعتباره مدخلاً لإعادة إنتاج الواقع اللبناني سياسياً وأمنياً، وهو ما يفسر حجم الضغوط الأمريكية المتصاعدة خلال الأسابيع الماضية على رئيسي الجمهورية والحكومة.

توتر مع واشنطن وضغوط متصاعدة

تسببت المواقف الأخيرة الصادرة عن رئاسة الجمهورية، والتي تحدثت علناً عن رفض لقاء نتنياهو، بعد حماسة عون لذلك، بحالة انزعاج داخل الإدارة الأمريكية، وخصوصاً لدى السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، الذي نقل اعتراضاً مباشراً إلى القصر الجمهوري بعد تداول تصريحات ومواقف إعلامية تناقض ما سمعه الأمريكيون سابقاً من عون خلال الاجتماعات المغلقة.

واضطرت رئاسة الجمهورية اللبنانية لاحقاً إلى حذف بعض المواقف المتعلقة برفض لقاء نتنياهو من صفحاتها الرسمية، في محاولة لاحتواء التوتر مع واشنطن، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لإنهاء الإشكال، إذ بات الأمريكيون يطالبون بإجابات واضحة حول الموقف الحقيقي للرئيس اللبناني، وما إذا كان يرفض مبدأ اللقاء نهائياً أم يسعى فقط إلى تأجيله.

وتقول المصادر الدبلوماسية اللبنانية إن واشنطن تعتبر أن أي تراجع لبناني عن الانخراط الكامل في هذا المسار سيُفسر باعتباره رضوخاً لضغوط حزب الله وإيران، ولذلك تستخدم الإدارة الأمريكية حالياً مزيجاً من الضغط السياسي والضغط الأمني الإسرائيلي لدفع بيروت نحو تقديم تنازلات تدريجية.

إسرائيل تضغط ميدانياً وتفرض وقائع جديدة

في موازاة الضغط السياسي الأمريكي، تواصل إسرائيل سياسة الضغط الميداني المباشر على لبنان.

وتقول مصادر أمنية لبنانية لـ"عربي بوست" إن حكومة بنيامين نتنياهو تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لفرض وقائع جديدة جنوب لبنان، مستفيدة من الغطاء الأمريكي الكامل، ومن حالة الإرباك التي يعيشها الداخل اللبناني، خاصة في ظل انحياز قوى مسيحية لبنانية لإسرائيل.

وخلال الأيام الماضية، صعّدت إسرائيل من اعتداءاتها جنوباً، ووسّعت عملياتها لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، في أول استهداف من نوعه منذ تثبيت وقف إطلاق النار، في خطوة حملت رسائل سياسية واضحة أكثر مما حملت أهدافاً عسكرية مباشرة.

وتضيف المصادر أن إسرائيل أرادت من خلال هذا التصعيد القول إنها لا تعتبر الملف اللبناني جزءاً من أي تفاهم أمريكي – إيراني محتمل، بل ساحة مستقلة تخضع مباشرة للحسابات الإسرائيلية، وحسابات نتنياهو الانتخابية.

وتشير المعلومات إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعتبر أن أي تهدئة طويلة الأمد في لبنان يجب أن ترتبط عملياً بإضعاف حزب الله ميدانياً وسياسياً، ومنع عودته إلى التموضع جنوب الليطاني كما كان قبل الحرب.

ولهذا السبب، قامت إسرائيل فعلياً بتقسيم جنوب الليطاني إلى 3 مناطق ميدانية: خط حدودي مدمّر بالكامل، ومنطقة سيطرة نارية بعمق يصل إلى 12 كيلومتراً مربعاً، ومنطقة عمليات تمتد حتى نهر الليطاني، وتشمل عشرات البلدات الجنوبية.

إيران تدخل على الخط ومصر تطرح بديلاً

في المقابل، تكشف المعطيات أن إيران قررت ربط الملف اللبناني بشكل مباشر بالمفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، عبر رسائل نقلتها إلى واشنطن بواسطة باكستان، تتضمن 3 شروط أساسية: وقف كامل لإطلاق النار في لبنان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وتقديم ضمانات تمنع استئناف الاعتداءات مستقبلاً.

وبحسب مصدر دبلوماسي باكستاني لـ"عربي بوست"، فإن طهران باتت أكثر تشدداً في التمسك بالورقة اللبنانية، بطلب مباشر من حزب الله، الذي يعتبر أن أي تفاهم منفصل بين لبنان وإسرائيل قد يؤدي إلى عزله داخلياً وإضعاف موقعه السياسي والأمني.

وتضيف المصادر أن الإيرانيين يحاولون إدخال لبنان ضمن سلة التفاوض الكبرى مع واشنطن، بالتوازي مع الحراك الصيني – الباكستاني، ولهذا الغرض زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الصين، فيما يجري التحضير لزيارة محتملة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال أقل من 10 أيام.

في المقابل، تدخل مصر على الخط بمبادرة بديلة تقوم على "الخطوات المتزامنة". وبحسب معلومات "عربي بوست"، يتحضر وفد أمني مصري لزيارة متزامنة إلى بيروت وتل أبيب، حاملاً تصوراً يقوم على تجميد استخدام سلاح حزب الله شمال الليطاني لفترة زمنية محددة، مقابل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وبدء انسحاب تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

ويتضمن الطرح المصري أيضاً إطلاق مسار تفاوضي مباشر حول النقاط الحدودية والأسرى، بالتوازي مع إدراج ملف إعادة الإعمار ضمن سلة الحل، عبر آلية عربية – إقليمية – دولية تشارك فيها الأمم المتحدة ودول خليجية وأوروبية.

ووفق المعطيات، فإن القاهرة تحاول إقناع واشنطن وتل أبيب بأن هذا الطرح يمنح جميع الأطراف الضمانات التي تحتاجها، ويؤجل في الوقت نفسه أي صدام سياسي داخلي لبناني قد ينتج عن الدفع السريع نحو لقاء مباشر بين عون ونتنياهو، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بحماسة أمريكية أو إسرائيلية لهذا المسار، في ظل رغبة واضحة لدى واشنطن في تسريع الانتقال من "الترتيبات الأمنية" إلى "الترتيبات السياسية" الأوسع.

تحميل المزيد