منذ بدء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ومقتل أبرز القيادات الدينية والسياسية والعسكرية الإيرانية، تكرر سؤال: من يملك سلطة اتخاذ القرار اليوم في إيران؟ وهو سؤال تغذّى من تصريحات دونالد ترامب حين أعلن إلغاء رحلة المفاوضين الأمريكيين إلى إسلام آباد، قائلاً: "لا أحد يعرف من يمسك بزمام الأمور، حتى هم أنفسهم".
تصريحات ترامب، التي تكررت خلال الأيام الماضية، عززت سردية وجود انقسامات عميقة داخل النخبة السياسية الإيرانية، خاصة بعد رفض طهران المشاركة في جولة ثانية من المفاوضات، وسرعان ما انعكست هذه التصريحات في وسائل الإعلام الغربية والعربية، وتصاعدت التكهنات بوجود صراع داخلي بين مؤيدي المسار الدبلوماسي ومعارضيه.
خلف هذا الضجيج الإعلامي والتصريحات الأمريكية، يسعى "عربي بوست" من خلال هذا التقرير للإجابة عن أسئلة أكثر جوهرية مرتبطة بمن يحكم إيران اليوم: من يدير فعلياً عملية صنع القرار في إيران اليوم؟ وهل تؤثر الانقسامات السياسية على قرارات الحرب والسلام؟ أم أن السلطة باتت متمركزة في جهة واحدة تتجاوز هذه التباينات؟
"هيمنة" الحرس الثوري على السلطة في إيران
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، تمت هيكلة الحكم ليكون تحت سيطرة رجال الدين، لكن بمرور السنوات، وبالتحديد بعد تولي المرشد الأعلى السابق علي خامنئي حكم البلاد، عزز سلطة ونفوذ الحرس الثوري الإيراني ليشكل مركزاً موازياً لصنع القرارات في إيران.
كان خامنئي، الذي عزز قوة الحرس الثوري، هو نفسه الذي يستطيع دائماً كبح جماح القادة العسكريين في الوقت المناسب، لكن الأمور تغيرت بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/ شباط 2026.
يقول سياسي إيراني معتدل ومقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية: "بعد اغتيال خامنئي بدأت السلطة تتحول بشكل سريع إلى الحرس الثوري، والمؤسسات الأمنية التي سيطر عليها أيضا الحرس الثوري، واصبحت عملية صنع القرارات سواء الحربية أو الدبلوماسية متمركز بيد القادة العسكريين".
وأضاف المصدر ذاته لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، قائلاً: "حتى الشخصيات السياسية والامنية التي تتمتع بنفوذ قوي ترتبط بالحرس الثوري بشكل وثيق".
وعلق الباحث السياسي الإيراني حميد رضا فقيهي على هذا الأمر قائلاً: "في عهد خامنئي كان الحرس الثوري موجود وبقوة في عملية صنع القرار ولكنه كان يلتزم بالقرار النهائي لخامنئي الذي كان يلعب دورا هاما في موازنة العلاقة بين الحرس الثوري وباقي التيارات السياسية، ولكن الآن وبسبب الحرب أصبحت عملية صنع القرار متمركزة في المؤسسة العسكرية مع تهميش المؤسسات المدنية والدينية من عملية اتخاذ القرارات المصيرية".
وأضاف فقيهي في تصريح لـ"عربي بوست" قائلاً: "بات الحرس الثوري يتحكم في كافة قرارات الدولة وحتى السياسة الخارجية والمفاوضات وتنظيم الأمور الداخلية، والمؤسسات المدنية تنفذ فقط القرارات التي يتم اتخاذها داخل المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية التابعة له".
وكان للحرس الثوري الإيراني دائماً دور في صنع القرارات الداخلية والخارجية في السنوات الماضية، وتنامي نفوذه ليس بالأمر الجديد، لكنه لم يكن يملك الهيمنة الكاملة، وهو ما تأتى له خلال الحرب الأخيرة وتمكن من إحكام سيطرته على زمام الأمور، في ظل غياب جهة فاعلة أخرى تستطيع العمل على موازنة الأمر بين المؤسسات العسكرية والمدنية.
وضع التيارات السياسية الإيرانية
أشارت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إلى أن التكهنات حول وجود خلافات داخلية في إيران ليست عارية من الصحة بشكل كامل، مؤكدة وجود بعض الخلافات بين الفصائل المتنافسة داخل إيران.
وفي حديثه لـ"عربي بوست"، يقول سياسي إيراني متشدد ومطلع على هذه الخلافات: "التنافس بين الفصائل السياسية الإيرانية كان دائما حاضرا، منذ عهد الخميني وهو ليس أمرا جديدا على السياسة الداخلية الإيرانية".
وأشار المصدر السياسي الذي فضل عدم ذكر اسمه للتحدث بحرية، قائلاً لـ"عربي بوست": "هناك من يرى أن الدبلوماسية والتفاوض مع الولايات المتحدة خاصة بعد الحرب تنازلات إيرانية لا يمكن التهاون معه، وآخرون يرون أن المفاوضات لا تعتبر تنازلا خاصة في ظل تحقيق إيران انتصارات عسكرية".
هذه الخلافات التي أشار إليها السياسي الإيراني المنتمي للتيار الأصولي، دائماً ما كانت حاضرة في السياسة الداخلية الإيرانية، ويمكن تقسيم التيارات الحالية في إيران إلى:
- التيار الإصلاحي الذي يدعم المفاوضات والانفتاح على الغرب، وقد تمكن في السابق من إبرام اتفاق نووي مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2015 في عهد حكومة الرئيس الإيراني السابق المعتدل حسن روحاني.
هناك تيار براغماتي محافظ يرى أن الحرب لا يمكن أن تستمر لسنوات طويلة، وأن الدبلوماسية مع تمسك إيران بخطوطها الحمراء لا تُعد تنازلاً.
هناك تيار أيديولوجي متشدد لا يقبل أي مرونة أو ميل للمسار الدبلوماسي، ويرى أن الموافقة على المفاوضات مع الولايات المتحدة، خاصة بعد الحرب الأخيرة، تعتبر تنازلاً في حد ذاته، ودليلاً على الاستسلام.
يقول الباحث السياسي حميد رضا فقيهي لـ"عربي بوست": "هذه الانقسامات ظهرت بشدة في الجدل الذي أثُير حول قاليباف المؤيد للتفاوض، فقد شن المتشددون حملة ضده بسبب موقفه الداعم للمسار الدبلوماسي، كما انتقد التيار المتشدد تغريدة عباس عراقجي التي اعلن فيها إعادة إيران لفتح مضيق هرمز واعتبروه تنازلا و استسلاما إيرانيا لصالح إدارة ترامب".
وأضاف فقيهي قائلاً لـ"عربي بوست": "تم استغلال كلام عراقجي عن إعادة فتح المضيق في دعاية سلبية ضد الرجل وكل الفريق المفاوض الإيراني من قبل التيار المتشدد، خاصة بعد أن استغل ترامب الأمر وجاءت تصريحاته في سياق أن طهران تقدم تنازلات من أجل التوصل إلى اتفاق".
يرى فقيهي أن التيار المتشدد، الذي دائماً ما كان يعارض التفاوض مع الغرب، لا يملك أي نفوذ على عملية صنع القرار المتمركزة بيد الحرس الثوري في الوقت الحالي.
وأوضح أن "المتشددون ليسوا فاعلين في عملية صنع القرارات التي تخص الحرب أو السلام، ولكنهم قادرون على التأثير على البيئة السياسية التي يتم من خلالها اتخاذ القرارات في المؤسسات العسكرية والامنية، وهذا ما يفسر ما يتم تداوله في الأيام الأخيرة عن وجود انقسامات داخل القيادة الإيرانية".
ماذا عن دور المرشد الأعلى الحالي؟
إلى جانب تناول مسألة الخلافات داخل النخب السياسية الإيرانية، تم التطرق إلى غياب المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي عن الأنظار، ودوره في عملية صنع القرار الحالية.
في هذا الصدد، يقول مصدر مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه: "لا يمكن إنكار أن مجتبى لا يتمتع بنفس الدور الذي كان يلعبه والده، فخامنئي الأب كان يجمع كل المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية حوله وهو من يصدر الكلمة الفصل في جميع الأمور".
وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "وهذا لا يعني أن مجتبى ليس له دورا في عملية صنع القرار الحالية، ولكنه يتشارك دوره مع الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية نظرا للوضع الراهن للحرب، وصعوبة التواصل معه خوفا من كشف مكانه واغتياله، لقد تولى الحكم في ظروف صعبة ومعقدة لن تمكنه إلى الآن من تأسيس دائرته الخاصة وفرض ارائه بشكل كامل".
وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن الظروف المعقدة الحالية المحيطة بمجتبى خامنئي، بالإضافة إلى وضعه الصحي بعد إصابته في الغارة التي استهدفت والده، جعلت مجتبى يلعب دوراً ضمن عملية أوسع لصنع القرار يتحكم بها الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية، وليس دوراً لموازنة السلطة بين مؤسسات الدولة المختلفة.
حملة تضليل إسرائيلية-أمريكية
في النقاشات الداخلية بين التيارات السياسية الإيرانية، تم تفسير التكهنات بوجود خلافات داخل القيادة الإيرانية على أنه جزء من استراتيجية أمريكية-إسرائيلية للضغط على إيران، من أجل انتزاع المزيد من التنازلات وتحقيق ما عجزت عنه واشنطن وتل أبيب عسكرياً.
وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن حملة التضليل الإسرائيلية-الأمريكية هذه، تهدف إلى عرقلة المسار الدبلوماسي من خلال تصوير أن الخلافات الداخلية في إيران ستؤثر على التماسك السياسي الإيراني، ما ينعكس سلباً على سير المفاوضات مع الولايات المتحدة واحتمالية إحراز أي تقدم.
كما ترى بعض الآراء في طهران أن هذه الدعاية السلبية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي أيضاً، فالتركيز على مزاعم وجود صراع داخلي شديد بين مؤسسات الدولة سيعمل على زعزعة ثقة القاعدة الشعبية المؤيدة للنظام الإيراني وفقدان الثقة في عملية صنع القرار الحالية.
وفي ختام حديثه لـ"عربي بوست"، يقول الباحث السياسي حميد رضا فقيهي، المطلع على تفكير القيادة الإيرانية: "ما يحدث من اختلافات في الآراء داخل النخب السياسية الإيرانية في الوقت الحالي أمر طبيعي، فنحن نمر بمرحلة انتقالية، وطالما كانت هذه الخلافات تقليدا سياسيا في إيران".