تدفع الولايات المتحدة بوتيرة متسارعة نحو فرض اختراق سياسي غير مسبوق في الملف اللبناني، يتجاوز مجرد استئناف التفاوض إلى محاولة فرض لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تزامناً مع استمرار العمليات العسكرية جنوب لبنان، وانقسام داخلي حاد يعطل قدرة الدولة على اتخاذ قرار موحّد.
في المقابل، تتحرك عواصم عربية، تقودها السعودية، لمحاولة احتواء هذا المسار ومنع فرض تسوية غير متوازنة، إلا أن هذا التحرك يصطدم بانقسامات داخلية عميقة، كان أبرزها رفض رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الانخراط في حوار داخلي يشمل "حزب الله"، ما يعكس مأزقاً مركباً يضع لبنان بين ضغط خارجي متصاعد وعجز داخلي متفاقم.
ويدخل لبنان، على وقع هذه التطورات، مرحلة تُعد من الأكثر تعقيداً منذ سنوات، حيث لم يعد التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجنوب حدثاً منفصلاً عن المسار السياسي، بل أصبح جزءاً من منظومة ضغط متكاملة تهدف إلى فرض وقائع جديدة في الملف اللبناني.
الملف اللبناني أمام انقسام داخلي وضغط خارجي
رغم أن هذا التصعيد لا يزال مضبوط الإيقاع نسبياً، إلا أنه يترافق مع اندفاعة أمريكية واضحة تسعى إلى استثماره سياسياً، عبر الدفع نحو تفاوض مباشر مع تل أبيب، في وقت تتراجع فيه فعالية الوساطات التقليدية التي لطالما لعبت دوراً في احتواء الأزمات اللبنانية.
وبحسب مصدر دبلوماسي عربي، فإن ما يجري حالياً لا يمكن قراءته كمسار تفاوضي تقليدي، بل كعملية "هندسة سياسية" تُدار تحت الضغط، حيث تحاول الولايات المتحدة استغلال اللحظة العسكرية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في لبنان.
يضيف المصدر في تصريح لـ"عربي بوست" أن هذه المقاربة تقوم على فرض توازنات جديدة لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى إعادة تعريف دور الدولة اللبنانية، وحدود علاقتها مع الفاعلين غير الحكوميين، وفي مقدمتهم "حزب الله".
في الداخل اللبناني، يتخذ هذا الضغط الخارجي بعداً أكثر تعقيداً بسبب الانقسام الحاد بين القوى السياسية اللبنانية، والذي لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى صراع فعلي حول الخيارات الاستراتيجية للبلاد.
ووفق مصدر حكومي لبناني، فإن الخلاف بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله" بلغ مستوى غير مسبوق، حيث يتمسك الرئيس جوزيف عون بخيار فتح مسار تفاوضي مباشر، لكن ضمن شروط يعتبرها أساسية لضمان الحد الأدنى من التوازن.
وتشمل هذه الشروط، بحسب المصدر الحكومي اللبناني، وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية، إلى جانب بدء انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية، بما يعزز حضور الدولة ويعيد تثبيت سيادتها الميدانية.
غير أن هذا الطرح يواجه رفضاً واضحاً من "حزب الله"، الذي يعتبر أن أي تفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يُعد تنازلاً مجانياً، ويمنح إسرائيل ما لم تتمكن من تحقيقه ميدانياً.
ويستند الحزب، وفق المصدر نفسه، إلى تقدير مفاده أن إسرائيل لم تنجح في تحقيق أهدافها العسكرية، وأنها تحاول الآن نقل المواجهة إلى المستوى السياسي لفرض شروطها عبر الضغط الدولي.
هذا التباين في القراءة لا ينعكس فقط على مستوى المواقف، بل يترجم عملياً في شلل شبه كامل في القرار الرسمي، حيث لم يعد بالإمكان التوصل إلى موقف موحّد، في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات التنسيق.
ولا يقتصر هذا الانقسام على الثنائية بين الدولة و"حزب الله"، بل يمتد إلى مجمل المشهد السياسي اللبناني، حيث تتوزع القوى بين مؤيد للتفاوض، ورافض له، وآخر يربط موقفه بتطورات إقليمية أو بشروط داخلية.
هذا التشظي يجعل من الصعب إنتاج موقف وطني جامع، ويضعف قدرة لبنان على التفاوض من موقع قوة، أو حتى على الصمود في وجه الضغوط المتزايدة.
واشنطن تسرّع المسار وتضغط للقاء نتنياهو
في هذا السياق، تكشف مصادر دبلوماسية عربية أن إدارة دونالد ترامب تعتمد مقاربة تقوم على تسريع المسار التفاوضي عبر أدوات غير تقليدية، أبرزها طرح فكرة عقد لقاء مباشر بين جوزيف عون وبنيامين نتنياهو.
وتؤكد هذه المصادر في تصريحات لـ"عربي بوست" أن هذا اللقاء لا يُطرح كخطوة لاحقة لتقدم تفاوضي، بل كمدخل لفرضه، في محاولة لتحقيق اختراق سريع يمكن البناء عليه في ملفات إقليمية أخرى.
غير أن هذا الطرح يواجه رفضاً لبنانياً واضحاً في المرحلة الحالية، حيث يؤكد مصدر حكومي أن أي لقاء من هذا النوع يجب أن يكون نتيجة لمسار تفاوضي يحقق تقدماً ملموساً، وليس نقطة انطلاق له.
ويضيف المصدر الحكومي أن هذا الموقف تعزز بعد تدخل عربي ساهم في "فرملة اندفاعة" بعض الأطراف داخل الدولة نحو الانخراط السريع في هذا المسار الذي تفرضه الولايات المتحدة.
وتعتمد واشنطن، في موازاة ذلك، سياسة مزدوجة تجمع بين الترغيب والترهيب؛ فمن جهة، تقدم حزمة من الحوافز تشمل وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاباً تدريجياً، وإطلاق سراح أسرى، إلى جانب وعود بمساعدات لإعادة إعمار المناطق المتضررة.
ومن جهة أخرى، تلوّح بإمكانية منح إسرائيل ضوءاً أخضر لتوسيع عملياتها العسكرية، بما في ذلك استهداف البنية التحتية الحيوية للدولة اللبنانية.
ويضع هذا النهج لبنان أمام معادلة شديدة الصعوبة، حيث يجد نفسه مضطراً للاختيار بين الانخراط في مسار تفاوضي بشروط قاسية، أو مواجهة تصعيد عسكري قد تكون كلفته باهظة على المستويين البشري والاقتصادي.
وبحسب مصدر دبلوماسي عربي، فإن هذا التضييق في الخيارات هو جزء أساسي من الاستراتيجية الأمريكية، التي تهدف إلى دفع لبنان نحو القبول بالأمر الواقع.
تحركات عربية لتفادي سيناريوهات أكثر خطورة
في مواجهة هذا الضغط، تتحرك عواصم عربية، وعلى رأسها السعودية وقطر ومصر، لمحاولة احتواء أزمة الملف اللبناني ومنع انزلاقه نحو سيناريوهات أكثر خطورة.
وتستند هذه الدول إلى قناعة مفادها أن أي مسار تفاوضي لا يمكن أن ينجح دون غطاء داخلي لبناني، وأن فرضه بالقوة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تصل إلى حد تهديد الاستقرار الداخلي أو المساس بأسس النظام السياسي.
وفي هذا الإطار، قاد الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان سلسلة لقاءات مكثفة في بيروت، سعى من خلالها إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي، ودفع القوى السياسية نحو الحد الأدنى من التوافق.
وركزت هذه اللقاءات على مخاطر المرحلة الإقليمية، ولا سيما ما يُنظر إليه كتحول في الاستراتيجية الإسرائيلية نحو فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد في المنطقة.
وبحسب مصادر مطلعة، فقد عقد بن فرحان اجتماعاً مطولاً مع سمير جعجع استمر نحو 4 ساعات، ناقش خلاله بشكل تفصيلي التحديات الإقليمية، بما في ذلك ما وصفه بـ"المشروع الإسرائيلي التوسعي" الذي لا يقتصر على لبنان، بل يمتد إلى سوريا، ويهدف إلى إنشاء مناطق عازلة وفرض وقائع ميدانية جديدة.
وخلال اللقاء، شدد الموفد السعودي على ضرورة إطلاق مسار حوار وطني شامل برعاية رئيس الجمهورية، يضم مختلف القوى السياسية، بما فيها "حزب الله"، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية حول استراتيجية دفاعية وطنية.
ويرى الداعمون لهذا الطرح أنه يمثل الخيار الواقعي الوحيد في ظل استحالة فرض نزع سلاح الحزب بالقوة، والحاجة إلى معالجة هذا الملف ضمن إطار سياسي تدريجي.
إلا أن هذا المسعى اصطدم برفض واضح من جعجع، الذي اعتبر أن الانخراط في حوار مع "حزب الله" في هذه المرحلة من شأنه أن يكرّس واقع السلاح بدلاً من معالجته.
ويعكس هذا الموقف، وفق مصادر حكومية، عمق الانقسام داخل الساحة اللبنانية، حتى بين القوى التي يُفترض أنها أقرب إلى الخط العربي والدولي، ما يضعف فرص نجاح أي مبادرة خارجية.
سلاح حزب الله العقدة "الأكثر تعقيداً"
في صلب هذه الأزمة، يبقى ملف سلاح "حزب الله" العقدة الأكثر تعقيداً، حيث تتمسك واشنطن بضرورة إدراجه كجزء أساسي من أي اتفاق، وترفض أي صيغة تُبقي الحزب كقوة عسكرية مستقلة.
في المقابل، تشير مصادر لبنانية إلى أن الطروحات المتداولة تتراوح بين تفكيك تدريجي للبنية العسكرية للحزب، واستيعاب جزئي لعناصره ضمن مؤسسات الدولة، ضمن مسار إصلاحي أوسع.
غير أن هذه الطروحات لا تزال بعيدة عن القبول، سواء من قبل الحزب أو من قبل قوى سياسية أخرى، ما يجعل هذا الملف مرشحاً للبقاء نقطة خلاف مركزية تعيق أي تقدم فعلي في المسار التفاوضي.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الأمريكية مع الانقسام الداخلي، في ظل تهديد عسكري إسرائيلي مستمر، ومحاولات عربية لاحتواء الأزمة ومنع انفجارها.
وبين هذه العوامل المتشابكة، تبدو الخيارات المتاحة محدودة أمام الملف اللبناني، وتدور بين مسار تفاوضي صعب بشروط قاسية، أو تصعيد عسكري قد يعيد رسم المشهد بالكامل.
وفي ظل غياب موقف داخلي موحّد، واستمرار التجاذبات الإقليمية، يبدو أن لبنان مقبل على مرحلة طويلة من إدارة الأزمة، بانتظار تبلور توازنات جديدة قد تفتح الباب أمام تسوية مختلفة، تعيد تعريف موقعه في خريطة الصراعات الإقليمية.