صراع القرن الأفريقي: مصر تستعد لنشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية بالمنطقة

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/24 الساعة 16:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/24 الساعة 16:48 بتوقيت غرينتش
التحركات المصرية تأتي للرد على رغبات إسرائيلية في التوسع بالقرن الأفريقي/ عربي بوست

تستعد مصر لنشر قوات عسكرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في خطوة تعكس تحركاً استراتيجياً لافتاً يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليصل إلى إعادة رسم موازين النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وذلك بالتزامن مع تسارع الخطوات الإسرائيلية في إقليم أرض الصومال الانفصالي.

وتشير المعطيات إلى أن هذا الانتشار العسكري لا ينفصل عن رؤية مصرية أوسع تهدف إلى حماية وحدة الدولة الصومالية، ومنع فرض واقع جيوسياسي جديد في جنوب البحر الأحمر، خاصة في ظل مخاوف متزايدة من تحركات إسرائيلية مدعومة بتفاهمات دولية تسعى لترسيخ وجود دائم في المنطقة.

لكن هذا المسار يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور المصري في الصومال، وحدود هذا التدخل، وما إذا كان يمثل بداية لمرحلة جديدة من الانخراط المباشر في قضايا القرن الأفريقي، أم أنه استجابة ظرفية لتطورات متسارعة قد تعيد تشكيل خريطة النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

خلفيات التحرك المصري في الصومال

جاء الحديث عن قرب نشر القوات المصرية خلال اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مدينة أنطاليا التركية، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، وتطرق اللقاء بشكل واضح إلى ترتيبات بعثة السلام في الصومال، في ظل تصاعد القلق من التحركات الإسرائيلية في إقليم أرض الصومال.

وأعلنت الخارجية الإسرائيلية أخيراً أنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب السفير الاقتصادي المتنقل في قارة أفريقيا، سفيراً غير مقيم لدى "أرض الصومال". وجاء هذا التعيين بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير/ شباط 2026، تعيين محمد حاجي 1 سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر/ كانون الأول 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر، كدولة مستقلة، وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي للإقليم. ومنذ ذلك الحين، تعددت المواقف المصرية الفردية والجماعية الرافضة لتلك الخطوة واعتبرتها باطلة، وطالبت إسرائيل بالتراجع عنها.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً وسياسياً وأمنياً. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تحولاً نوعياً في سياسة تل أبيب تجاه القرن الأفريقي، حيث تسعى إلى تثبيت حضورها في منطقة استراتيجية تطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وترى القاهرة أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتضمن محاولات لإعادة تشكيل التوازنات في البحر الأحمر، ما قد يهدد الأمن الإقليمي ويؤثر بشكل مباشر على المصالح المصرية، خاصة المرتبطة بحركة الملاحة وقناة السويس.

تفاصيل الانتشار العسكري وأهدافه الاستراتيجية

قال دبلوماسي مصري لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن القاهرة تستعد لنشر قواتها ضمن بعثة حفظ السلام تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، إذ يقدر عدد العناصر العسكرية بنحو 5 آلاف جندي، إلى جانب 5 آلاف آخرين متفق عليهم بين البلدين في إطار اتفاقية الدفاع المشترك.

ويستهدف هذا الدعم العسكري بالأساس، يوضح المصدر الدبلوماسي المصري، الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الصومالية، والوقوف حائلاً أمام أي مساعٍ لتقسيمه، في إطار شراكة استراتيجية تشمل التعاون السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي.

كما أن هذه الشراكة بين القاهرة ومقديشو انعكست في خطوات عملية، منها افتتاح فرع لأحد أبرز البنوك الحكومية المصرية (بنك مصر) في العاصمة الصومالية مقديشو، وتدشين خط طيران مباشر بين البلدين، إلى جانب اتفاقيات اقتصادية واستثمارات متسارعة.

وتحدث مصدر "عربي بوست" عن دعم مصري للصومال في مجالات بناء القدرات، خاصة في التعليم والصحة والثقافة، مع أدوار متنامية للأزهر الشريف، وهي خطوات تأتي بالتوازي مع التقارب العسكري بين البلدين.

وتتحرك القاهرة، بالتعاون مع دول أفريقية مطلة على ساحل البحر الأحمر، لتوفير الدعم اللازم لبعثة السلام الأفريقية، على أن يساهم في تمويلها الاتحاد الأفريقي وبعض دول الاتحاد الأوروبي، بما يمكّنها من بدء عملها في أقرب وقت، رغم عدم وجود جدول زمني محدد حتى الآن.

في المقابل، أنهت القوات المصرية استعداداتها للانتشار وتنتظر تحديد نقطة الانطلاق، فيما اعتُبر الاستعراض العسكري الذي حضره الرئيس الصومالي في مصر خلال فبراير/ شباط الماضي بمثابة بروفة نهائية قبل نشر القوات.

مواجهة التحركات الإسرائيلية في القرن الأفريقي

لفت المصدر إلى أن التحرك العسكري المصري في الصومال يأتي للحفاظ على وحدته بعد الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي، مع تأكيد القاهرة أن الصومال، بما فيه هذا الإقليم، يمثل دولة واحدة، وأن أي اعتراف مخالف لذلك يتنافى مع القوانين والمواثيق الدولية ومواقف الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي، بل ويتعارض أيضاً مع الموقف الدبلوماسي الأمريكي المعلن.

وأشار المصدر الدبلوماسي إلى أن المخاوف المصرية ترتبط بوجود خطط إسرائيلية ضمن ما يُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد"، لا تقتصر على ضم أراضٍ، بل تشمل الهيمنة وتفتيت الدول، كما في الحالة الصومالية، بهدف التمركز في جنوب البحر الأحمر وخلق كماشة جغرافية.

وحسب المصدر ذاته، فإنه يمكن إضافة نية إسرائيل تهيئة بيئة محتملة لتهجير الفلسطينيين إلى الإقليم الانفصالي، والتعامل مع إيران والحوثيين، وهو ما يهدد الملاحة في البحر الأحمر ويؤثر سلباً على قناة السويس.

التلويح بنشر قوات مصرية يرتبط أيضاً بتقديرات حول إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية-إسرائيلية في أرض الصومال، يُعتقد أنها بدأت منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، مع تسارع ملحوظ في أعمال الإنشاءات وفق صور الأقمار الصناعية، ما يشير إلى محاولة فرض واقع عسكري جديد في المنطقة.

وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية وتؤسس لوجود إسرائيلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

التحرك الدبلوماسي والدعم الإقليمي للصومال

في المقابل، أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، انطلاقاً من العلاقات القوية بين البلدين، وإدراكاً لأهمية استقرار الصومال لأمن القرن الأفريقي.

وشدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقائه مع الرئيس الصومالي على إدانة مصر للاعتراف الإسرائيلي بما يسمى "أرض الصومال"، وتعيين مبعوث دبلوماسي، معتبراً ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.

كما جدد التزام بلاده بدعم الصومال، وبناء قدراته في مجال الأمن والاستقرار، خاصة في مواجهة الإرهاب والتطرف، مع التأكيد على أهمية توفير تمويل مستدام لبعثة الاتحاد الأفريقي، بالتزامن مع قرب نشر القوات المصرية.

وفي سياق متصل، أعلنت إسرائيل تعيين ميخائيل لوتيم سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال، بعد إعلان الإقليم في فبراير/ شباط الماضي تعيين سفير له لدى إسرائيل، وهو ما جاء عقب اعتراف تل أبيب بالإقليم كدولة مستقلة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وهي خطوة قوبلت برفض مصري متكرر، وسط تأكيد أن الإقليم لم يحظ بأي اعتراف رسمي منذ إعلانه الانفصال عام 1991.

كما أدانت دول عربية وأفريقية هذه الخطوة، حيث اعتبر وزراء خارجية عدة دول، من بينها مصر والسعودية وتركيا، القرار الإسرائيلي انتهاكاً لسيادة الصومال، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة أراضيه ومؤسساته الشرعية.

أبعاد إقليمية أوسع للتحرك المصري

مصدر مصري مطلع قال إن التأكيد على قرب نشر قوات بعثة السلام يعكس جدية القاهرة في توفير اللوجستيات اللازمة، خاصة التمويل، مع العمل على تذليل العقبات، مشيراً إلى أن تأخير نشر البعثة يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى، فيما تهدف مصر إلى منع العبث بمقدرات الدول العربية والأفريقية.

وأضاف أن نقل السفارة المصرية بالكامل إلى مقديشو يمثل تمهيداً لوجود عسكري، في إطار اتفاقية التعاون المشترك، وأن رفع العلاقات إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية" يعزز قدرة الصومال على مواجهة الإرهاب، ويساهم في بناء كوادره الوطنية وتأمينه من تدخلات خارجية.

بينما أشار المصدر المطلع لـ"عربي بوست" إلى زيادة الصادرات المصرية إلى الصومال، خاصة المنتجات الصناعية، إلى جانب دعم القطاع الصحي والتعاون الأمني والاستخباراتي، فضلاً عن دور مركز القاهرة لتسوية المنازعات وحفظ السلام في دعم الاستقرار والتنمية.

ولفت إلى بعد آخر يتعلق بالتصدي لمحاولات إثيوبيا الوصول إلى منفذ بحري عبر البحر الأحمر، وهو ما قد يؤثر على توازنات إقليمية أوسع، بما في ذلك الأزمة السودانية، في ظل تداعياتها على الأمن المصري.

وتسعى القاهرة لإظهار يقظتها تجاه التحركات الإسرائيلية، التي قد تتم بغطاء أمريكي، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب الإيرانية، مشيراً إلى أن تشابك الملفات يتطلب استخدام أدوات مختلفة، بما في ذلك الوجود العسكري، ضمن إطار احترام القانون الدولي وبدعم عربي وإسلامي.

وفي السياق العملياتي، تتكون بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM) من مكونات عسكرية وشرطية ومدنية، ويبلغ قوامها وفق التفويض الأممي 11826 عنصراً، بينهم 680 شرطياً، مع خطة لخفض تدريجي للقوات.

وقد بدأت المرحلة الأولى مطلع 2025، تلتها مرحلة ثانية تمتد حتى نهاية 2027، تشمل دعم العمليات الأمنية، ثم مرحلة انتقالية في 2028، وصولاً إلى الانسحاب الكامل في 2029، في إطار خطة طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار في الصومال.

تحميل المزيد