قدّمت الولايات المتحدة عبر باكستان مقترحاً جديداً لاستئناف المفاوضات مع إيران، في محاولة لكسر الجمود الذي أصاب المسار الدبلوماسي بين الجانبين منذ انطلاقه في 11 أبريل/ نيسان 2026، ونقلت إسلام آباد العرض الأمريكي إلى طهران خلال اليومين الماضيين، في إطار وساطة تهدف إلى إعادة إطلاق جولة ثانية من المحادثات كانت مقررة على أراضيها.
غير أن طهران سارعت إلى وضع شرط مسبق وحاسم لأي عودة إلى طاولة التفاوض، يتمثل في إنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئها في مضيق هرمز، وبحسب مصادر لـ"عربي بوست"، رفضت القيادة الإيرانية حتى مناقشة تفاصيل المقترح الأمريكي أو الموافقة على حضور الجولة المقبلة، ما لم يتم رفع هذا الحصار.
يأتي ذلك في ظل تعقيد متزايد للمشهد، بعدما تبادل الطرفان خلال الأسابيع الماضية عدة صيغ تفاوضية دون التوصل إلى أرضية مشتركة، بالتوازي مع تصعيد ميداني. في هذا التقرير، نستعرض مساعي الوساطة الباكستانية وتمسك طهران بشروطها، وكيف يواجه المسار التفاوضي اختباراً جديداً بين إعادة إحيائه أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد.
مقترح أمريكي لعودة المفاوضات مع إيران
في الأسابيع الماضية، تبادلت كل من الولايات المتحدة وإيران عدة مقترحات للعمل عليها من أجل التوصل إلى إطار قابل للتنفيذ، ومن ثم العمل على إبرام اتفاق نووي جديد، وهو ما عمل الوسطاء في باكستان على محاولة إخراجه إلى أرض الواقع وإقناع واشنطن وطهران بالجلوس إلى طاولة التفاوض مجدداً.
لكن مع تعثر المفاوضات مع إيران، وفرض واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز، وعدم وفاء الجانب الأمريكي بمطالب طهران التي تم الاتفاق عليها من أجل إعادة فتح إيران لمضيق هرمز، زادت الأمور تعقيداً ورفضت طهران الذهاب إلى عقد جولة ثانية من المفاوضات.
وقال مصدر أمني مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "بعد أن أعادت إيران إغلاق مضيق هرمز، ورفضت القيادة الإيرانية الذهاب إلى الجولة الثانية من المفاوضات، حاولت باكستان التوسط للتوصل إلى حل وسط من أجل استعادة زخم المفاوضات، وأبلغ القادة الباكستانيون نظراءهم الإيرانيين بوجود عرض أمريكي من أجل استئناف المفاوضات".
وبحسب المصدر ذاته الذي صرح لـ"عربي بوست" شرط عدم ذكر اسمه لكونه غير مخول له الحديث للإعلام، جاء في المقترح الأمريكي من أجل عودة المفاوضات مع إيران عدة نقاط كان أهمها كالآتي:
- تمديد وقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً.
- تعليق إيران لتخصيب اليورانيوم لمدة 10 سنوات.
- نقل مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى روسيا.
- فتح المنشآت النووية الإيرانية أمام المفتشين النوويين الأمريكيين بالإضافة إلى مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- مقابل الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
لكن المصدر الأمني الإيراني أشار إلى نقطة أثارت غضب القيادة الإيرانية، وقال لـ"عربي بوست"، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "بلغ باكستان بأنه يريد أن يضمن أن يخرج سواء من هذه الحرب أو المفاوضات بمظهر المنتصر، وهذا ما رفضه القادة الايرانيون، لأن هذا ببساطة بمثابة إعلان هزيمة لإيران".
وأضاف المصدر ذاته "لا ترى القيادة الإيرانية في المقترح الأمريكي أي حافز من أجل الموافقة عليه لاستئناف المفاوضات".
كيف كان الرد الإيراني على واشنطن؟
جاء الرد الإيراني على المقترح الأمريكي في نقطة واحدة فقط: إنهاء الحصار البحري الأمريكي. وقال مسؤول أمني إيراني مقرب من الحرس الثوري "القيادة الإيرانية اتخذت قرارها في نفس اللحظة التي تم ابلاغها فيها بالمقترح الأمريكي: لا تفاوض بدون إنهاء الحصار البحري الأمريكي".
وأضاف المصدر ذاته في تصريح لـ"عربي بوست" قائلاً "حتى مع تمديد ترامب لمدة وقف إطلاق النار، فهذا لا يعني شيئا بالنسبة للقيادة الايرانية، الأهم هو إنهاء الحصار البحري الأمريكي".
ويرى حسن وحيدي الخبير السياسي الإيراني المقرب من المؤسسة العسكرية، أن ترامب يسعى من خلال الحصار البحري إلى إجبار طهران على القبول باتفاق لا يراعي مصالح إيران بقدر ما يُظهر الرئيس الأمريكي بمظهر المنتصر.
وقال وحيدي لـ"عربي بوست"، "لا يدرك ترامب أن الحصار البحري هو اداة باهظة الثمن ليس فقط على إيران ولكن على الاقتصاد العالمي ايضا، وسوف يؤثر على الاقتصاد الأمريكي، فهل هو مدرك لهذا الأمر، أم أنه يستخدم الحصار البحري كأداة ضغط على إيران دون الالتزام باستراتيجية محددة".
قلق طهران من حالة "لا حرب، لا سلام"
بالإضافة إلى ردود الفعل الغاضبة التي سادت الأوساط السياسية الإيرانية جراء رفض الولايات المتحدة إنهاء الحصار البحري، يرى البعض داخل إيران أن إبقاء واشنطن على الحصار البحري مع تمديد وقف إطلاق النار هو أسوأ سيناريو بالنسبة لطهران في الوقت الحالي.
يقول حسن وحيدي الخبير السياسي المقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية لـ"عربي بوست"، "الوضع الراهن مع إبقاء الحصار البحري الأمريكي وتمديد ترامب لوقف إطلاق النار، أي وضع إيران في حالة لا حرب، لا سلام، هو بمثابة استنزاف لطهران".
أضاف وحيدي المطلع على تفكير المؤسسة العسكرية الإيرانية، قائلاً "سعى القادة الايرانيون منذ بداية هذه الحرب إلى تجنب هذه الحالة، وارادوا الانتهاء من هذه الحرب بنتيجة ايجابية اما الانتصار العسكري أو استمرار السيطرة على مضيق هرمز أو التوصل إلى اتفاق يرضي طهران. لكن ما يحدث الآن هو استنزاف لإيران وتعطيلها عن وضع نهاية حاسمة لهذه الحرب".
ويوافق المسؤول الأمني الإيراني المقرب من الحرس الثوري على هذا التفسير قائلاً لـ"عربي بوست"، "إبقاء الحصار البحري الأمريكي يعني منح واشنطن حرية التصرف، وحرية استئناف الحرب مرة أخرى في الوقت الذي تراه مناسبا، مع منح إسرائيل الفرصة للقيام بأعمال تخريبية واغتيالات داخل إيران، هذه الحالة الرمادية سيكون لها آثار سلبية على ما حققته إيران من انتصارات منذ بداية الحرب".
في ظل هذا الوضع، ترى طهران أن الصمود في وجه الضغوط الأمريكية سيكون الخيار الأفضل في الوقت الحالي.
استراتيجية الصمود والاستعداد للتصعيد
بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن طهران ترى أن واشنطن تعتقد أن الضغط الدبلوماسي والحصار البحري سيجبران إيران على الرضوخ للمطالب الأمريكية، لكن القيادة الإيرانية اختارت الصمود وعدم تقديم أي تنازلات.
وقال مصدر سياسي مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لـ"عربي بوست"، "لم تجبر الحرب ولا الاغتيالات إيران على تقديم تنازلات للامريكان، وكذلك لن يحقق الحصار البحري هذا الهدف، تسئ إدارة ترامب فهم الاستراتيجية الإيرانية مرارا وتكرارا".
وأضاف المصدر ذاته قائلاً "لقد اتخذت القيادة الإيرانية سواء السياسية أو العسكرية قرارا بأن الصمود والتحضير لتصعيد محتمل هو افضل قرار لمواجهة الضغوط الامريكية، لكن صمود إيران سيرفع التكاليف الاقتصادية العالمية أيضا".
ولم يستبعد المصدر تطور الأمور إلى استئناف الحرب مرة أخرى بين إيران والولايات المتحدة، قائلاً "نحن نستعد لجميع السيناريوهات، فالتصعيد لن يبقى محصورا في مضيق هرمز، فمن الممكن أن يمتد إلى بحر عُمان وباب المندب، لأن طهران لن تتنازل عن خطوطها الحمراء في التفاوض".
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة، أن القيادات الإيرانية ترى أن التصعيد البحري أو حتى استئناف الحرب سيكون أفضل حالاً من إجبار واشنطن لإيران على الدخول في حالة من الجمود الاستراتيجي لفترة طويلة.
وعلق حسن وحيدي الخبير السياسي المقرب من الحرس الثوري الإيراني على هذا الأمر، قائلاً لـ"عربي بوست"، "لن تتخذ إيران موقفا سلبيا تجاه هذه الحالة، فالحرس الثوري يدرس الآن كيفية الخروج من الموقف وتغيير قواعد اللعبة لصالح إيران سواء عسكريا أو دبلوماسيا".