قبل إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، كانت ملامح الاتفاق قد حُسمت عملياً خارج بيروت، عبر تفاهم غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران نُقل عبر القناة الباكستانية، إذ أكدت مصادر دبلوماسية وسياسية لـ"عربي بوست" أن الصيغة النهائية وصلت إلى لبنان شبه مكتملة، فيما اقتصر دور المؤسسات الرسمية على إدارة لحظة الإعلان وتوقيتها.
وبحسب مصدر رئاسي لبناني، فإن النقاش داخل الدولة لم يتناول مضمون الهدنة بقدر ما ركّز على إخراجها سياسياً، لتفادي ظهور لبنان كطرف يتلقى قراراً خارجياً. في المقابل، كانت مختلف الأطراف، ومن بينها حزب الله، قد تبلّغت تفاصيل الاتفاق عبر قنوات موازية، بانتظار الصيغة الأمريكية التي تُلزم الاحتلال الإسرائيلي.
فيما كشفت مصادر حكومية عن ضغوط أمريكية رافقت الساعات الأخيرة، تمثلت بمحاولة الدفع نحو اتصال مباشر بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أن يُحبط هذا الطرح باعتراضات داخلية قادها نبيه بري ووليد جنبلاط، ما دفع عون إلى رفض أي تواصل قبل تثبيت وقف إطلاق النار.
كيف انتقل قرار وقف إطلاق النار في لبنان؟
كشفت مصادر دبلوماسية عربية أن القناة الباكستانية شكّلت المسار الأساسي لنقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران، إذ جرى عبر إسلام آباد بحث إمكانية وقف إطلاق النار في لبنان ضمن سياق أوسع يتصل بإعادة فتح قنوات التفاوض بين الطرفين، وهو ما يفسر الطابع المرحلي وغير النهائي للهدنة.
في هذا الإطار، أبلغت واشنطن طهران، عبر الوسيط الباكستاني، بوجود توجه نحو وقف إطلاق النار، دون تحديد موعد دقيق في البداية.
هذا الغموض انعكس في الاتصالات الإقليمية، ومنها الاتصال الذي أجراه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، حيث جرى الحديث عن اتفاق تبلور دون تحديد لحظة الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان.
في بيروت، تزامن تدفق المعلومات من مصادر أمريكية وإيرانية وعربية، ما خلق حالة من الترقب داخل مؤسسات الدولة. كان واضحاً أن القرار اتُخذ خارج لبنان، فيما بقيت تفاصيل توقيته وصيغته النهائية قيد الضبط، بانتظار التفاهم الكامل بين الأطراف الدولية.
وأعلن الرئيس الأمريكي أن قادة إسرائيل ولبنان اتفقوا على وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام، دخل حيّز التنفيذ اعتباراً من الساعة 9 بتوقيت غرينتش من مساء الخميس 16 أبريل 2026، وعقب الإعلان، وجّه ترامب دعوةً إلى كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس اللبناني لزيارة البيت الأبيض لإجراء محادثات إضافية.
محاولة فرض اتصال بين عون ونتنياهو
مع اقتراب لحظة الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان، برزت محاولة أمريكية لدفع لبنان نحو مسار سياسي مباشر مع إسرائيل، عبر اقتراح اتصال بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
المعلومات التي وصلت إلى الرئاسة تحدثت عن سيناريو اتصال ثلاثي، ما استدعى تحركاً داخلياً سريعاً، إذ تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري بشكل مباشر، محذراً من تداعيات خطوة كهذه، فيما دخل وليد جنبلاط على الخط عبر قنواته، مشدداً على خطورة التوقيت في ظل استمرار العمليات العسكرية.
أمام هذا الضغط الداخلي، حسم عون موقفه، وأبلغ الجانب الأمريكي رفضه إجراء أي اتصال مباشر قبل تثبيت وقف إطلاق النار. هذا الرفض، المدعوم سياسياً، أسقط الطرح الأمريكي، ودفع واشنطن إلى الاكتفاء باتصال بين الرئيس الأمريكي وعون، أعقبه الإعلان الرسمي للهدنة.
وقف إطلاق النار في لبنان "هدنة معلّقة"
رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار في لبنان، لم يطرأ تغيير جذري على الوضع الميداني، فقد واصلت إسرائيل تثبيت مواقعها في المناطق التي تقدمت إليها جنوب الليطاني، مع مؤشرات على نيتها تحويل هذا التقدم إلى واقع دائم، عبر فرض منطقة عازلة.
لم يكن استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي البنية التحتية، خاصة الجسور، مجرد عمل عسكري، بل جزءاً من استراتيجية لعزل الجنوب عن باقي الأراضي اللبنانية، وفرض قيود على حركة السكان، بما يؤخر عودتهم ويكرّس واقعاً جغرافياً جديداً.
في المقابل، يتمسك لبنان رسمياً بمطلب الانسحاب الكامل، لكن المعطيات تشير إلى أن تحقيق ذلك سيبقى مرتبطاً بمسار تفاوضي أوسع، يتجاوز الملف الميداني إلى قضايا أكثر تعقيداً، أبرزها سلاح حزب الله.
السعودية على خط ما بعد الهدنة
في موازاة المسار الأمريكي–الإيراني، حضرت السعودية في الكواليس، لكن من زاوية مختلفة، إذ كشف مصدر رئاسي لـ"عربي بوست" أن الرياض لم تلعب دور الوسيط في تثبيت وقف إطلاق النار، بل ركزت على مرحلة ما بعده، أي كيفية إدارة التوازنات السياسية التي ستنتج عنه.
الاتصالات التي جرت مع رئيس مجلس النواب نبيه بري عكست هذا التوجه، إذ تناولت ترتيبات المرحلة المقبلة، واحتمالات البناء على التفاهم الأمريكي الإيراني لفتح مسار سياسي أوسع. وفي هذا السياق، جاء الاتصال الذي تلقاه بري من الأمير يزيد بن فرحان، مترافقاً مع معطيات نقلها معاونه السياسي علي حسن خليل من لقاءاته في السعودية.
وتشير المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" مفضلة عدم ذكر اسمها، إلى أن الدور السعودي تمحور حول منع أي اختلال داخلي بعد الهدنة، خصوصاً في ظل هشاشة التوازنات اللبنانية، ما يجعل إدارة "اليوم التالي" أكثر حساسية من لحظة وقف النار نفسها.
حزب الله بين الالتزام والانتظار
داخلياً، يتعامل حزب الله مع الهدنة بحذر واضح، فبحسب مصادر قريبة منه تحدثت لـ"عربي بوست"، يلتزم الحزب بوقف إطلاق النار طالما أنه شامل ولا يمنح إسرائيل حرية الحركة، لكنه في الوقت نفسه يربط أي استقرار دائم بانسحاب القوات الإسرائيلية.
وترى هذه المصادر أن حزب الله، رغم الخسائر التي تكبدها، نجح في الحفاظ على موقعه ضمن المعادلة الإقليمية، ما يجعله طرفاً أساسياً في أي تسوية إقليمية مقبلة، خصوصاً مع الحديث عن استئناف المفاوضات الأمريكية–الإيرانية في إسلام آباد.
هذا الموقف يعكس استراتيجية مزدوجة بالنسبة إلى حزب الله، تقوم على الالتزام التكتيكي بالهدنة وقرار وقف إطلاق النار في لبنان، مع إبقاء الخيارات مفتوحة في حال تغيرت المعطيات الميدانية أو السياسية.
لبنان بين إعلان الهدنة وانتظار التسوية
تكشف مجريات الساعات التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار في لبنان أن بيروت لم تكن ساحة لصنع القرار، بل منصة لإعلانه، فالاتفاق صيغ خارج حدود لبنان، بينما اقتصر دور الدولة على إدارة الشكل وتفادي التداعيات الداخلية.
وبينما نجحت المؤسسات الرسمية في فرض إخراج سياسي يحفظ الحد الأدنى من السيادة الشكلية، بقيت خارج دائرة التأثير الفعلي، ويعيد هذا الواقع تكريس موقع لبنان في المعادلة الإقليمية: ساحة تتقاطع فوقها التفاهمات، أكثر ما تُصنع فيها.
في المحصلة، لا تبدو الهدنة نهاية للمواجهة، بل انتقالاً إلى مرحلة جديدة تُدار فيها الأزمة على طاولات التفاوض الدولية، وبين واشنطن وطهران، مروراً بإسلام آباد، ستُحسم ملامح المرحلة المقبلة، فيما يبقى لبنان في موقع الانتظار، مترقباً تسوية لم يشارك فعلياً في صياغتها.