الرجل الذي قال “لا” لترامب و”نعم” لفلسطين.. من هو بيدرو سانشيز، رئيس إسبانيا “المتمرّد”؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/16 الساعة 15:29 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/16 الساعة 15:39 بتوقيت غرينتش
بيدرو سانشيز - عربي بوست

في خريفٍ بارد من عام 2016، كان رجلٌ طويل القامة يقود سيارة بيجو 407 قديمة، تجاوز عمرها 11 عامًا، عبر الطرق الممتدة في إسبانيا. لم يكن في موكبٍ رسمي، ولا تحيط به حراسة، ولا تنتظره منصات أو كاميرات. كان سياسيًا مهزومًا، أُقصي من حزبه، وتُرك خارج البرلمان، في تلك المرحلة، كان اسمه يُذكر في السياسة الإسبانية بصيغة الماضي أكثر ما يُستدعى للمستقبل.

كان يتوقف في بلدات صغيرة، يدخل قاعات ومقاهي متواضعة، ويصافح مناضلين مغمورين لا يظهرون في نشرات الأخبار. لم يكن في المشهد حينها ما يُغري بالبطولة بالمعنى التقليدي؛ إذ بدا الأمر أقرب إلى رحلة شخصية، عبثية، لرجل يحاول استعادة شيء انكسر في داخله قبل أن ينكسر في المجال العام. كأننا أمام صدى معاصر لأسطورة دون كيشوت، الفارس التائه الذي خرج من ريف إسبانيا، ل"يُعيد العدالة المفقودة إلى العالم من خلال مقاتلة الظلم، وإنقاذ الضعفاء"، مؤمنًا بقدرته على تغيير العالم بسيفٍ صدئ وحصانٍ هزيل.

لكن بينما انتهت رواية دون كيشوت مهزومًا أمام أحلامه، لم تنتهِ حكاية بيدرو سانشيز بالسخرية أو التهميش. فعاد أقوى وأشهر، لا بوصفه ناشطًا معارضاً أو وجهًا إعلاميًا معروفاً، ولا حتى مسؤولًا على الهامش، بل عاد رئيسًا لوزراء لبلاده، إحدى أهم الدول الأوروبية، وقائدًا لإحدى أكثر الحكومات الاجتماعية الديمقراطية نجاحاً في قارة يعتليها اليمين منذ سنين. فأعادت حكومته توزيع بعض موازين العدالة الاجتماعية، ورفعت الحد الأدنى للأجور، ونجحت – خلافًا لاتجاهات عامة في القارة – في تسجيل أداء اقتصادي متقدم ضمن اقتصادات الدول الغنية.

وفي السياسة الخارجية، لم يكن حضوره أقل إثارة للانتباه. فقد بدا، في لحظات مفصلية، واحدًا من القلائل بين القادة الأوروبيين الذين اختاروا المواجهة المباشرة مع دونالد ترامب، ورفض الانخراط في اصطفافات الحرب على إيران. ومنذ اندلاع الحرب على غزة، كسر انسجامًا أوروبيًا شبه تام، لدعم إسرائيل لإبادة الفلسطينيين، معترفًا بدولة فلسطين، ودعم المسار القانوني الذي فتحته جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية لمحاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي.

ومع ذلك، يبقى سانشيز سياسيًا يصعب أن يضعه المرء داخل تلك القوالب السياسية الجاهزة التي ترفع أشخاصها أو تُسقطهم. فهو ليس ذلك البطل التراجيدي، فعلى نحو أقرب، يبدو كابن مهنة السياسة في معناها الأكثر برودة: إدارة توازنات، واحتمال طويل، وجرأة لا تنفصل عن الانضباط. فلا يعلو صوته كثيرًا، لكنه يعرف كيف يرسّخ موقعه. وفي بلد ألف "الريمونتادا" أي مفاجآت العودة في ملاعب كرة القدم، تبدو السياسة مع سانشيز في مدريد أقل بهرجة، لكنها أكثر كثافة فيما تصنعه في أرض الواقع.

نشأته لا تنبئ بشيء

وُلد بيدرو سانشيز في العاصمة الإسبانية مدريد أواخر سبعينيات إسبانيا، في حيّ تيتوان، وتحديدًا في منطقة كواترو كامينوس، وهي واحدة من تلك الأحياء التي احتفظت، منذ نهاية ديكتاتورية فرانكو 1975، بملامح اجتماعية وسياسية واضحة: طبقة وسطى عاملة، حضور نقابي، وميل انتخابي تقليدي نحو اليسار. ولعل هذا ما يفسر تعلق سانشيز الدائم بالحي، وحرصه على إبرازه بوصفه جزءًا من تكوينه الشخصي والسياسي، حيث نشأ وانضم إلى الشبيبة الاشتراكية.

منطقة تيتوان، مدريد، إسبانيا – shutterstock

غير أن منزل العائلة، بحسب مجلة فانيتاتيس، كان يقع في الجزء الأكثر رقيًا من هذا الحي العمّالي، الذي يضم مناطق شعبية مثل إستريتشو وألفارادو وفالديأثيديراس، حيث تقيم أعداد كبيرة من العائلات المهاجرة من أميركا اللاتينية. ومع ذلك، لم تكن عائلة سانشيز بعيدة عن المزاج الاجتماعي الذي طبع الحي. فعلى الرغم من انتمائها إلى طبقة متوسطة ميسورة، مؤلفة من أبٍ كان يعمل مديرًا في المعهد الوطني للفنون المسرحية والموسيقى، وأمٍ موظفة في الضمان الاجتماعي، ظل البيت مشبعًا بحساسية سياسية مبكرة، نسبها سانشيز لاحقًا إلى والدته أكثر من أي أحد آخر، حين قال: "أمي ليست منتمية حزبيًا، لكنها أكثر اشتراكية من العائلة كلها مجتمعة".

في المدرسة، لم يكن سانشيز من الطلاب الذين يلفتون الانتباه، لا بتفوقٍ استثنائي ولا بتعثرٍ واضح. يتذكره ريكاردو لاكروز، زميله حتى الصف الثامن، على هذا النحو: "كان فتى هادئًا ومنطويًا… لم يكن يمارس دور القائد، بل على العكس تمامًا. كان خجولًا ويفضّل البقاء بعيدًا عن الأضواء". وتستعيده غلوريا بولانكو، المعلمة التي درّسته في الصفين 5 و6 من التعليم الأساسي، بوصفٍ لا يبتعد كثيرًا عن ذلك: "كان فتى هادئًا، مجتهدًا ومحترمًا. هل كان لامعًا؟ ليس بالضرورة. كانت علاماته عادية".

ومع ذلك، كان ثمة ما يميّزه على نحوٍ ظاهر، إذ يروي لاكروز أنهم كانوا يُجلسونه في الصف الأخير مع زميلٍ آخر، لأنهما كانا طويلين إلى حدّ يحجب الرؤية عن بقية التلاميذ. ذلك الحضور الجسدي دفعه مبكرًا إلى فضاءٍ آخر، بعيدٍ عن السياسة، حيث بدا في تلك السنوات أن كرة السلة أقرب إلى أن تكون مستقبله، لا مجرد هواية عابرة، وهو ما صار طموحه فعلًا في مراهقته.

ففي سنوات المراهقة، تعامل سانشيز مع اللعبة بجدية واضحة، وراوده الطموح بجدٍّ بأن يصبح لاعبًا محترفًا. فنُقل إلى معهد "راميرو دي مايثتو"، حيث أكمل دراسته الثانوية، وهناك انضم إلى نادي إستوديانتيس، الفريق التاريخي المرتبط بالمدرسة، وواصل التدريب لفترة، لكن مستواه لم يضعه ضمن الفئة الأبرز أو الأكثر وعدًا. وهو ما فرض عليه، تدريجيًا، إعادة النظر في هذا المسار. هذه النقطة تحديدًا تُذكر في أكثر من شهادة عنه: الطموح كان حاضرًا، لكن الواقع المهني للرياضة لم يفتح له الباب.

التحول هنا لم يكن دراميًا بقدر ما كان عمليًا. التخلي عن حلم الرياضة لم يتحول إلى سردية فشل، بل إلى إعادة توجيه هادئة نحو مسار أكثر استقرارًا. التحق بالتعليم الجامعي، وبدأ اهتمامه يقترب، تدريجيًا، من الاقتصاد والسياسات العامة، في سياق إسباني كان لا يزال يعيد تشكيل نفسه بعد عقود من التحول الديمقراطي.

إسبانيا ما بعد فرانكو وجيل سانشيز

لكن هذا التحول من الرياضة إلى دراسة الاقتصاد لم يجرِ في فراغ. فسانشيز، المولود عام 1972، ينتمي إلى جيلٍ وُلد في أواخر عهد فرانكو، لكنه تشكّل سياسيًا في إسبانيا التي خرجت، بعد وفاته عام 1975، من الديكتاتورية إلى انتقال ديمقراطي طويل وحذر.

هذا الانتقال لم يُبنَ على القطيعة الكاملة، بل على التفاوض والتسوية بين قوى قديمة وجديدة، عبر دستور 1978 بوصفه ثمرة "سياسة التوافق" التي أرادت تجنّب العودة إلى انقسامات الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل نحو 400 ألف من العسكريين والمدنيين، بحسب كتاب "الرمز والطقس في إسبانيا الجديدة" للباحثة لورا دِسفور إدلس.

وحين دخل سانشيز سن المراهقة ثم الجامعة في الثمانينيات والتسعينيات، كانت إسبانيا قد بدأت أصلًا مرحلة إعادة تعريف نفسها: داخليًا كديمقراطية مستقرة، وخارجيًا كدولة أوروبية تريد الخروج النهائي من عزلة عهد فرانكو. في هذا السياق، صعد الحزب الاشتراكي إلى الحكم عام 1982، ثم دخلت إسبانيا الجماعة الاقتصادية الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حاليًا) عام 1986. لذلك فإن البيئة السياسية التي تكوّن فيها سانشيز لم تكن بيئة يسار احتجاجي راديكالي، بل بيئة اشتراكية ديمقراطية إصلاحية، تؤمن بالتحديث، والإدارة، والاندماج الأوروبي، وتربط الشرعية السياسية بالقدرة على الحكم لا بمجرد المعارضة. هذه الخلفية مهمة لفهم نهج سانشيز لاحقًا.

في هذا المناخ تحديدًا، بدأ اقتراب سانشيز من السياسة، وخلال سنوات الجامعة، انضم إلى الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني عام 1993. وكان هذا الانضمام، في إسبانيا تلك المرحلة، يعني الدخول إلى أحد العمودين الرئيسيين للنظام السياسي الذي استقر بعد الانتقال الديمقراطي: الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني PSOE في يسار الوسط، والحزب الشعبي PP في يمين الوسط. وتناوب الحزبان على الحكم لعقود، وعلى امتداد الثمانينيات والتسعينيات، قامت الحياة السياسية الإسبانية، إلى حدّ بعيد، على التنافس بين هذين الحزبين الكبيرين، داخل نظام برلماني لا ينتخب فيه الناخبون رئيس الحكومة مباشرة، بل يختارون برلمانًا تنبثق منه الحكومة بعد نيل الثقة.

في تلك الأثناء، كان سانشيز يدرس الاقتصاد وإدارة الأعمال في مركز ماريا كريستينا الجامعي، التابع لجامعة كومبلوتنسي في مدريد. وبعد تخرجه عام 1995، واصل دراساته العليا، فنال ماجستيرًا في اقتصاد الاتحاد الأوروبي من الجامعة الحرة في بروكسل. ثم عمل مستشارًا سياسيًا في البرلمان الأوروبي، قبل أن ينتقل إلى مكتب الممثل السامي للأمم المتحدة في البوسنة والهرسك، في مسار مهني جمع مبكرًا بين التكوين الأكاديمي والخبرة المؤسسية الدولية.

إسبانيا – بيدرو سانشيز  – shutterstock

ومع عودته إلى الداخل الإسباني، أخذ حضوره السياسي يتقدم على نحو أوضح. ففي عام 2004، أصبح عضوًا في مجلس مدينة مدريد، ثم انتُخب في عام 2009 نائبًا في البرلمان الإسباني عن العاصمة. وحتى في ذروة انخراطه السياسي وصعوده المهني، لم يتخلّ عن مساره الأكاديمي، إذ حصل في عام 2011 على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، قبل أن يمضي لاحقًا إلى قيادة الحزب الاشتراكي، ثم إلى رئاسة الحكومة.

عربة البيجو القديمة في طريقها إلى القصر

دخل مجلس مدينة مدريد عام 2004، ثم انتقل إلى البرلمان الإسباني نائبًا عن العاصمة في 2009، بعدما أخفق في الفوز بالمقعد قبل ذلك بعام. غير أنه خسره مجددًا في انتخابات 2011، قبل أن يعود إلى البرلمان في 2013 إثر استقالة أحد نواب الحزب. وفي 2014، فاز بقيادة الحزب الاشتراكي، حاصدًا نحو 49% من أصوات القواعد الحزبية، في نتيجة عدّتها صحيفة إل باييس صعودًا لافتًا لوجه لم يكن يومها من أبرز الأسماء في المشهد السياسي الإسباني.

لكن مسار سانشيز لم يكن بتلك السهولة. فبحسب مقال نشرته مجلة Renewal للكاتب ديفيد سيزار هايمان بعنوان: "الجرأة على الإنجاز: بيدرو سانشيز وإحياء الديمقراطية الاجتماعية الإسبانية"، فإن فهم صعوده لا يبدأ من بداياته الهادئة بقدر ما يبدأ من لحظة تعثّره. فحين وصل إلى قيادة الحزب الاشتراكي عام 2014، لم يكن الحزب في وضع يسمح بانطلاقة مريحة؛ كان قد خرج مثقلًا بإرث أزمة 2008، بعدما خسر الحكم لمصلحة الحزب الشعبي المحافظ، وتراجع في الانتخابات الأوروبية، فيما أخذ النظام الحزبي الإسباني نفسه يتشقق.

فإسبانيا، منذ الانتقال الديمقراطي، عاشت طويلًا على توازن حزبين كبيرين، لكن ما بعد الأزمة المالية أضعف هذا التوازن، وفتح المجال أمام قوى جديدة، أبرزها حركة "بوديموس" على يسار الاشتراكيين، ثم لاحقًا "فوكس" على اليمين المتطرف. داخل هذا المشهد المتشظي، أصبحت السياسة الإسبانية أكثر تعقيدًا، فلم يعد سؤال الانتخابات فقط من يحكم، بل من يمثل اليسار أصلًا: الحزب الاشتراكي أم منافسه الجديد الأكثر راديكالية؟

في تلك المرحلة، لم يبدُ سانشيز زعيمًا حاسمًا أو صاحب صعود خاطف. فسجله الأول في قيادة الحزب كان متواضعًا، ففي انتخابات 2015 و2016 قاد الحزب إلى أسوأ نتائجه تقريبًا، ولم ينجُ إلا بالكاد من أن يتجاوزه بوديموس داخل معسكر اليسار.

ثم جاءت العقبة الكبرى عقب انتخابات عام 2016، حين انقسم الحزب على سؤال مصيري: هل يسهّل بقاء ماريانو راخوي، زعيم اليمين، في الحكم تجنبًا لمزيد من الفوضى، أم يرفض التعاون معه؟ مال "الحرس القديم" في الحزب، وبينهم فيليبي غونثاليث وسوسانا ديث، إلى الخيار الأول، أما سانشيز فرفض.

فكانت النتيجة إطاحته من قيادة الحزب واستقالته من البرلمان حتى لا يشارك في تمرير حكومة راخوي. وهنا بدأت نقطة التحول الحقيقية: الهزيمة التي كان يُفترض أن تنهيه سياسيًا تحولت إلى فرصة جديدة.

في 2017، عاد سانشيز وانتُخب على رأس الحزب من قبل القواعد، لا من فوق. رغم معارضة وسائل الإعلام الرئيسية في البلاد، مثل "Elpais"، التي شبّهت فوزه بتصويت البريطانيين لصالح "بريكست"، معتبرةً أن فوزه يشبه لحظات مثل بريكست وفوز ترامب من حيث انتصار "العاطفة" والاستياء على العقل والوقائع.

حيث خاض الانتخابات الداخلية بخطاب أكثر يسارية، وبتعهد واضح بعدم التعاون مع اليمين، وجال البلاد بسيارته البيجو القديمة، في صورة ساعدت على تقديمه كسياسي خرج من قبضة الجهاز الحزبي ليعود عبر الأعضاء والمناضلين. هذا الانتصار الداخلي كان أهم من مجرد استعادة الزعامة؛ لقد ثبت له أن الحزب الاشتراكي ما زال قادرًا على المنافسة إذا قدّم نفسه بوضوح ضد اليمين، لا كنسخة مخففة منه.

وبعد عام واحد فقط، تحرّك سانشيز على وقع الحكم القضائي الكبير في قضية غورْتيل، الذي هزّ حزب الشعب وأضعف موقع ماريانو راخوي، فنجح في جمع أغلبية برلمانية واسعة أطاحت بالحكومة في يونيو/ حزيران 2018. وكانت تلك واحدة من أكثر المناورات جرأة في السياسة الإسبانية الحديثة: رجل أُقصي من حزبه في 2016 يصبح رئيسًا للحكومة في 2018 من دون أن يفوز أولًا بانتخابات عامة. ففي إسبانيا، لا يعني حجب الثقة إسقاط الحكومة فقط، بل اختيار بديل لها في اللحظة نفسها، وما إن نجح في حشد الأغلبية اللازمة، حتى انتقل سانشيز من مقاعد المعارضة إلى قصر مونكلوا.

مدريد، إسبانيا – 4 يونيو 2018: رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز  – shutterstock

لكن الوصول إلى السلطة كان بداية لمشاكل جديدة، فحكومته كانت أقلية هشة تملك 85 مقعدًا فقط من أصل 350، في مشهد حزبي مفتت ومعادٍ. فوق ذلك، كانت هناك شكوك مستمرة في كفاءة الاشتراكيين الاقتصادية بعد إرث أزمة 2008.

هنا اختار سانشيز أسلوبًا سيصبح سمة دائمة في حكمه: الجمع بين الحذر المالي والجرأة السياسية. عيّن شخصيات تكنوقراطية مطمئنة، مثل ناديا كالبينيو، لكنه تبنى في الوقت نفسه إجراءات عالية الرمزية والأثر، مثل رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 22%، وإخراج رفات فرانكو من "وادي الشهداء"، في خطوة جمعت بين العدالة التاريخية ورسم خط فاصل أخلاقي وسياسي مع اليمين المحافظ.

وعندما تعثر مشروع موازنته التقدمية في البرلمان، فضّل الذهاب إلى انتخابات مبكرة عام 2019 بدل تخفيف برنامجه لإرضاء حلفاء محافظين صغار. هذا القرار حمل مخاطرة كبيرة، لكنه منحه فوزًا واضحًا ورسخ موقعه كزعيم اليسار الأول في البلاد.

العقبات بعد ذلك لم تقل صعوبة. فشل أولًا في إدارة مفاوضات الائتلاف مع بوديموس بعد انتخابات أبريل/ نيسان 2019، ودعا إلى انتخابات جديدة في نوفمبر/ تشرين الثاني، في مقامرة ارتدت عليه جزئيًا: خسر الاشتراكيون بعض المقاعد، وصعد اليمين المتطرف ممثلًا بحزب فوكس.

لكنه صحح المسار بسرعة، وشكّل أول حكومة ائتلافية يسارية على المستوى الوطني في إسبانيا المعاصرة. في ولايته الثانية، واجه جائحة كوفيد، ثم التضخم، ثم هجومًا سياسيًا وإعلاميًا غير مسبوق من اليمين ووسائل إعلام محافظة اتهمته، باستمرار، بأنه رهينة للقوميين الكاتالونيين والباسكيين.

ورغم ذلك، مضى في إصلاحات العمل وتقليص العقود المؤقتة، ففي ذلك الوقت، كان نحو 30% من العمال الإسبان يعملون بعقود قصيرة الأجل، وهي عقود لا توفر أي حماية من التسريح، وتجعل من الصعب على العمال الحصول على الائتمان؛ كما أنها كانت تشجع الشركات على فصل الموظفين عند أول تراجع في الأرباح، ما يخلق سوق عمل يتسم بالدورية ويزيد من حدة الأزمات الاقتصادية.

وأسهمت إصلاحات سانشيز، بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في خفض العقود المؤقتة بنحو 30% خلال عام واحد، وتحويل معظم العقود الجديدة إلى عقود دائمة، ما جعل سوق العمل أقل هشاشة ما كان عليه.

وإلى جانب إصلاح العمل، واصلت حكومات سانشيز تبنّي حزمة أوسع من السياسات ذات الطابع الاجتماعي والتدخلي، وزيادة الضرائب على الأثرياء، فقد فرضت ضرائب استثنائية على البنوك وشركات الطاقة في خضم موجة التضخم، ووسّعت الاستثمار في التحول الأخضر، وربطت جزءًا مهمًا من أموال التعافي الأوروبية بإصلاحات في سوق العمل والاستثمار والإنتاج.

كما رفعت الحد الأدنى للأجور على نحو ملحوظ؛ إذ أشارت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنه ارتفع بنسبة 47% بين 2018 و2023، بعد قفزة كبيرة في 2019 وزيادات لاحقة. وقد أسهم ذلك في رفع دخول الشرائح الأدنى وتقليص بعض أوجه اللامساواة في الأجور.

وعلى مستوى الحصيلة العامة، بدت هذه المقاربة أكثر قابلية للاستمرار ما توقعه كثيرون. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2024، اعتبرت مجلة The Economist أن إسبانيا في طريقها لتكون من بين أفضل الاقتصادات الغنية أداءً في ذلك العام، فبعد أن كان الشباب الإسباني يهاجر بحثًا عن الفرص، باتت البلاد تستقطبهم، بحسب المجلة.

 إسبانيا – 2 أبريل 2019: رئيس الوزراء الإسباني ومرشح الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني في الانتخابات في ذلك الوقت – shutterstock

ولم يكن ذلك نتيجة عامل واحد، بل ثمرة تفاعل بين انتعاش قوي في صادرات الخدمات، ولا سيما السياحة، وزيادة قوة العمل بفعل الهجرة، والاستثمارات المرتبطة بأموال التعافي الأوروبية، إلى جانب سياسات حكومية نجحت، إلى حدٍّ معتبر، في تحويل هذه العوامل إلى نمو وتشغيل. بهذا المعنى، لم يقدّم سانشيز السياسة الاجتماعية بوصفها خطابًا أخلاقيًا فحسب، بل سعى إلى ترسيخها كخيار يمكن التوفيق بينه وبين أداء اقتصادي قوي.

ثم جاءت انتخابات 2023 لتكشف مرة أخرى طريقته في إدارة الخطر. بعد خسائر قاسية لليسار في الانتخابات في أغلب الدول الأوروبية، كان المتوقع أن يدخل سانشيز مرحلة تآكل بطيء في نهاية ولايته. لكنه فعل العكس: دعا فجأة إلى انتخابات مبكرة في يوليو/ تموز، في خطوة عالية المخاطرة قلبت جدول الأعمال السياسي وأربكت اليمين. خاض حملته بنبرة هجومية، ونجح، خلافًا لكثير من التوقعات، في منع تحالف الحزب الشعبي وفوكس من تحقيق أغلبية، بل وزاد من حصته الانتخابية عن عام 2019، محتفظًا بالسلطة رغم التوقعات المعاكسة.

ومع ذلك، ما زال سانشيز يواجه عقبات في البرلمان لتمرير سياساته الاجتماعية، ما يقيد قدرته على تمرير التشريعات، ويجعله يعتمد أكثر على القرارات التنفيذية والتحالفات الهشة. كما تبنى مؤخرًا أسلوبًا أكثر صدامية، سواء في الخطاب أو في اختيار وزرائه، مفضّلًا المواجهة السياسية المباشرة.

السياسة الخارجية على طريقة سانشيز

إذ يبدو أن سانشيز قد تعلم من تجربته، كما يلاحظ ديفيد سيزار هايمان، أن النجاح في السياسة لا يُقاس فقط بسلامة الأرقام أو بانضباط الإدارة، بل بالقدرة على انتزاع نتيجة ملموسة، ثم تقديمها للناس بوصفها دليلًا على الجدوى.

ويبدو أن هذه هي المنطقة والفلسفة السياسية الخاصة بسانشيز التي يتحرك فيها بأفضل ما يكون، فحين يبدو ضعيفًا، وحين تبدو الخيارات أمامه أضيق من أن تسمح بالمناورة، هناك، على الحافة تقريبًا، يبني سمعته كرجل يعرف كيف ينجو، وكيف يقلب التهديد إلى فرصة. لذلك لم يكن غريبًا أن تصفه مجلة "دير شبيغل" الألمانية بأنه "حيوان سياسي"؛ كرجل خرج مرارًا من مآزق كان يُفترض أن تنهيه، لكنه وما إن يلمح فتحة في الجدار حتى يندفع إليها بلا تردد.

هذه الغريزة يبدو أن سانشيز لم يحبسها في معاركه الداخلية في مدريد، إنما حملها إلى الخارج، إلى ساحة أوسع وأكثر خطورة، حيث لم يعد الصراع مجرد تنافس بين أحزاب إسبانية، وإنما مواجهة بين رؤيتين للعالم.

فبدأ يؤطر خصومته مع اليمين، وخصوصًا حزب فوكس، باعتبارها جزءًا من اشتباك يتجاوز الحدود الإسبانية: الديمقراطية الاجتماعية، كما يحب أن يقدّم نفسه، في مواجهة "أممية رجعية" تمتد من الشعبويين القوميين إلى الأوليغارشيات التكنولوجية، من فوكس في الداخل إلى دونالد ترامب وفيكتور أوربان وخافيير ميلي في الخارج.

على امتداد هذا الخط، ربما يمكن تفسير جزء من السياسة الخارجية لسانشيز. وما إن خرج بصراعه مع اليمين من حدود البرلمان الإسباني إلى المسرح الدولي، وجد الاحتلال الإسرائيلي يشن حرب إبادة على الفلسطينيين بدعم غربي لا محدود، فلم يصطف سانشيز وراء أوروبا في دعم إسرائيل، بل أخذ منحنى آخر منسجمًا مع ميوله اليسارية من جهة، ويستند من جهة أخرى إلى موقع فلسطين الخاص في المخيال السياسي الإسباني. ذلك الموقع وفّر له أرضية داخلية صلبة مكّنته من الذهاب أبعد من معظم القادة الأوروبيين.

فالتعاطف الإسباني مع فلسطين ليس وليد اللحظة، ولا هو حكر على اليسار وحده. فهناك إرث سياسي ودبلوماسي أوسع، عابر للحزبية في جوانب مهمة منه. ومثالًا على ذلك، يُذكر أن إسبانيا أيدت منح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة عام 2012، لا في عهد حكومة يسارية، بل حين كان ماريانو راخوي، زعيم الحزب الشعبي المحافظ، على رأس الحكومة.

ويمكن رد جزء من ذلك، كما تشير إليه بعض الدراسات، إلى أن إسبانيا ما بعد فرانكو لم تنظر إلى الشرق الأوسط من الزاوية نفسها التي نظرت منها دول أوروبا الغربية الأخرى.

فقد تأخر اعتراف إسبانيا الدبلوماسي بالاحتلال الإسرائيلي حتى عام 1986، أي متأخرةً جدًا عن معظم أوروبا الغربية. ولم يكن هذا التحول نتيجة تبدل وجداني مفاجئ في نظرة مدريد إلى المنطقة، بقدر ما جاء في سياق إعادة تموضعها الأوروبي للخروج من العزلة؛ إذ شكّل انضمامها في العام نفسه إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية (EEC) العامل الحاسم الذي أرغم مدريد على إقامة علاقات مع الاحتلال، خاصة مع مشاركتها في التعاون السياسي الأوروبي ثم السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.

فقد استغرق الأمر 38 عامًا بعد قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عقب النكبة عام 1948، وعقدًا كاملًا بعد وفاة فرانثيسكو فرانكو 1975، حتى تم إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الدبلوماسية بين الاحتلال ومدريد عام 1986.

وحتى عند إقامة تلك العلاقات، اقترنت الخطوة بدعوة إلى إشراك منظمة التحرير الفلسطينية في عملية السلام، ثم تحوّلت مدريد في عام 1991 إلى منصة للمؤتمر الذي حمل اسمها، كأول إطار تفاوضي جمع الاحتلال ووفدًا فلسطينيًا مشتركًا مع عدد من الدول العربية.

فلسطين.. حين دفع سانشيز الإرث الإسباني إلى الأمام

لذلك، حين اندلعت حرب الإبادة على غزة بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يكتفِ سانشيز بالاستناد إلى هذا الإرث، بل دفعه إلى الأمام بقوة. فزار معبر رفح في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، ودعا يومها إلى وقف دائم لإطلاق النار. ثم اعترفت حكومته رسميًا بدولة فلسطين في 28 مايو/ أيار 2024، وقدّم القرار على أنه مسألة عدالة واتساق ووسيلة للضغط في اتجاه السلام، لا مجرد لفتة أخلاقية.

وبعد أيام قليلة، أعلنت مدريد نيتها التدخل في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد الاحتلال بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، قبل أن تقدّم رسميًا إعلان تدخلها في 28 يونيو/ حزيران 2024، لتصبح أول دولة أوروبية تُقدم على هذه الخطوة.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يعقد مؤتمراً صحفياً بعد قمة المجلس الأوروبي في بروكسل، أرشيفية – shutterstock

ومن بعدها، لم تعد إسبانيا تطلب من إسرائيل "ضبط النفس"، ولا تكتفي بالدعوة إلى هدنة إنسانية، إنما أخذ خطاب سانشيز نفسه يزداد حدة ووضوحًا في إدانة الاحتلال وقادته.

صحيح أن بعض الوزراء في حكومته سبقوه في 2024 إلى قول الحقيقة بوصف ما يجري في غزة "بالإبادة"، ومن بينهم وزيرة الدفاع مارغريتا روبلز، يتريث قبل أن يبلغ هذه اللغة، كأنه يختبر أولًا مدى ما تسمح به اللحظة السياسية. ثم، حين قرر استخدامها، لم يعد يتراجع عنها. ففي مايو/ أيار 2025، خلال سجال برلماني صاخب، خرجت منه العبارة التي لخصت المسافة كلها بينه وبين اللغة الأوروبية السائدة، قائلًا بأن إسبانيا "لا تتاجر مع دولة إبادة".

وفي سبتمبر/ أيلول 2025، اتهم الاتحاد الأوروبي بأنه لا يفعل ما يكفي لوقف ما وصفه بأنه "أعظم إبادة شهدها هذا القرن"، ثم مضى في الأشهر التالية إلى خطاب أكثر مباشرة، وسلسلة من الإجراءات أكثر حدة ضد الاحتلال. وبعد أن كانت إسبانيا قد علّقت عمليًا بيع السلاح لإسرائيل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أعلن سانشيز حزمة من 9 إجراءات صاغتها حكومته بوصفها تدابير "لوقف الإبادة في غزة" ودعم الشعب الفلسطيني، قائلًا: "إسبانيا، كما تعلمون، لا تمتلك أسلحة نووية، ولا حاملات طائرات، ولا احتياطات نفطية كبيرة. لا يمكننا بمفردنا وقف الهجوم الإسرائيلي. لكن هذا لا يعني أننا سنتوقف عن المحاولة. فهناك قضايا تستحق النضال من أجلها، حتى لو لم يكن النصر فيها بأيدينا وحدنا."

وشملت هذه الحزمة تثبيت الحظر الكامل على بيع وشراء السلاح والمعدات العسكرية ذات الاستخدام المزدوج مع إسرائيل، ومنع السفن والطائرات التي تنقل أسلحة أو وقودًا عسكريًا متجهًا إليها من استخدام الموانئ والأجواء الإسبانية، وحظر دخول كل من يُشتبه بتورطه مباشرة في الإبادة أو جرائم الحرب إلى الأراضي الإسبانية، مع إدراج إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش ضمن هذه الفئة.

كما شملت حظر استيراد منتجات المستوطنات غير القانونية، وتقليص الخدمات القنصلية المقدمة للإسبان المقيمين فيها إلى الحد الأدنى القانوني، وزيادة الدعم للسلطة الفلسطينية، ورفع المساعدات الإنسانية والتعاونية المخصصة لغزة إلى 150 مليون يورو بحلول 2026، مع إضافة 10 ملايين يورو جديدة إلى تمويل الأونروا.

حتى في المجال الرمزي والثقافي، لم يكن سانشيز ميالًا إلى الفصل بين السياسة والحياة العامة. فحين أُلغيت المرحلة الختامية من "طواف إسبانيا" 2025 بعد اقتحام محتجين للمسار اعتراضًا على الحرب ومشاركة فريق إسرائيلي، أبدى إعجابه بما اعتبره تحركًا شعبيًا إسبانيًا من أجل قضية عادلة مثل فلسطين، ثم مضى أبعد حين دعا إلى استبعاد إسرائيل من الفعاليات الثقافية والرياضية الدولية، قياسًا على ما حدث مع روسيا بعد غزو أوكرانيا. كما دعا إلى استبعاد إسرائيل من الفعاليات الثقافية الدولية مثل يوروفيجن، بالمنطق نفسه القائم على رفض "ازدواجية المعايير".

لم يكتفِ بمهاجمة العمليات الإسرائيلية في صيغة عامة ومجردة. وإنما هاجم نتنياهو وحكومته بالاسم، وحرص على أن يربط الجرائم بالفاعل السياسي لا بحالة الحرب المائعة التي تحب أوروبا أن تختبئ خلفها. فتحدث عن "الحكومة التي يقودها نتنياهو" بوصفها مسؤولة عن كارثة ستبقى في كتب التاريخ، وفي مارس/ آذار 2026، مع تفاقم الأزمة الدبلوماسية، سحبت مدريد سفيرها من إسرائيل بشكل دائم، في ذروة تدهور العلاقات بين إسبانيا والاحتلال، على خلفية موقف إسبانيا من الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران، في سياق تدهور أوسع بدأ أصلًا بسبب غزة والاعتراف بفلسطين.

عبر الأطلسي.. سانشيز في مواجهة ترامب

وحين عاد ترامب إلى البيت الأبيض، وعاد معه ذلك الأسلوب القائم على الضغط الفج والابتزاز العلني، كان سانشيز من القلة في أوروبا التي اختارت المواجهة، ووجّه نقدًا صريحًا للدور الذي باتت تؤديه واشنطن تحت ولاية ترامب.

وظهر ذلك بوضوح في قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي في يونيو/ حزيران 2025، حين كان سانشيز الزعيم الأوروبي الوحيد الذي رفض، مطلب ترامب برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مصرًّا على أن هذا السقف "غير متناسب" و"غير ضروري" بالنسبة إلى إسبانيا، وتعهد بدلًا من ذلك بنسبة 2.1% فقط، معتبرًا أن الانصياع للمطلب الأميركي لا ينسجم مع أولويات بلاده ولا مع رؤيتها للتوازن بين الأمن والدولة الاجتماعية.

كان بوسع بيدرو سانشيز أن يمرّ على طمع ترامب في غرينلاند، كما فعل باقي القادة الأوروبيين. فالتوتر الذي أثاره ترامب حول غرينلاند كان قد بدأ ينحسر، بحسب مجلة دير شبيغل، ولذلك فضّل معظم القادة الأوروبيين، بعد القمة الطارئة في بروكسل، لغةً حذرة لا تترك أثرًا كبيرًا.

لكن سانشيز فعل العكس. وصعد إلى المنصة مساء ذلك اليوم، وبهدوء قال: "مساء الخير"، ثم تلت ذلك 20 دقيقة من الكلام الصريح، صفعة تلو الأخرى موجهة إلى ترامب. ولم يكن في حاجة إلى أن ينطق اسم ترامب، إذ كان حاضرًا في كل جملة، وفي كل ضربة من ذلك الكلام، مهاجمًا سياسة واشنطن التي باتت تمارسها تحت ولاية ترامب. فتحدث عن إدارة أميركية تحتقر القانون الدولي، وتتعامل مع الحلفاء والخصوم بمنطق الإكراه والتهديد، لا بمنطق الشراكة أو القواعد المشتركة. ثم مضى إلى ما هو أبعد من توصيف السلوك الأميركي نفسه، حين قال إن أوروبا تحتاج إلى "ترياق" في مواجهة ما سمّاه "الأممية اليمينية المتطرفة".

وعندما جاءت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في فبراير/ شباط 2026، دفعت هذه المجابهة من مستوى الخطاب إلى مستوى القرار التنفيذي. فالتزم سانشيز بمساره، وأعلنت حكومته، بشكل واضح، "لا للحرب"، ومنعت استخدام القاعدتين المشتركتين في روتا ومورون في أي عمليات هجومية ضد إيران. وبعد ذلك مضت أبعد، فأغلقت المجال الجوي الإسباني أمام الرحلات العسكرية الأميركية المرتبطة بالضربات، وهو ما أكدته رويترز في نهاية مارس/ آذار 2026.

على امتداد هذه المسارات كلها، من فلسطين إلى الاشتباك مع ترامب ثم الموقف من الحرب على إيران، يظهر شيء ثابت في طريقة سانشيز أكثر ما تظهر ملفات منفصلة. لم يكن الرجل يبدّل لغته من ساحة إلى أخرى، بقدر ما كان يتصرف من الموقع نفسه، ويحاول، ضمن ما تملكه إسبانيا من وزن وحدود، أن يترك للموقف أثرًا يتجاوز البيان والخطابة.

بهذا المعنى، أصبح سانشيز أبرز صوت غربي في معارضة الحرب الإسرائيلية، ليس فقط لأن لغته كانت أشد وضوحًا من غيره، بل لأنه حاول أن يدفع هذا الوضوح إلى ما بعد الكلام، إلى قرارات وإجراءات تجعل الاعتراض أقرب إلى سياسة دولة منه إلى مجرد إعلان موقف.

ومع ذلك، لا يستقيم ردّ هذا كله إلى سانشيز وحده. فالرجل لم يبدأ من فراغ، ولم يصنع وحده هذا الميل الإسباني نحو فلسطين. كان هناك، قبله، تاريخ أطول، وتعاطف أوسع، وموقع للقضية الفلسطينية داخل الوجدان السياسي الإسباني لا يقتصر على اليسار وحده. ولعل ما فعله، في لحظة أوروبية تميل بثقلها إلى اليمين، أنه التقط هذا الإرث، وأعاد إدخاله إلى اللغة الرسمية للدولة، ثم مضى به أبعد ما تجرأت عليه عواصم أخرى.

تحميل المزيد