بعد استخدامها في غزة.. “عربي بوست” يتتبع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي توظفها أمريكا في الحرب على إيران

تم النشر: 2026/03/12 الساعة 13:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/12 الساعة 13:22 بتوقيت غرينتش
إليك ما نعرفه عن أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المستخدمة في الحرب على إيران وسبق أن تم استخدامها في غزة - عربي بوست

على امتداد عامين من حرب الإبادة على غزة، وظفت "إسرائيل" تقنيات الذكاء الاصطناعي بمساعدة أمريكية٬ في جمع بيانات الفلسطينيين وتحديد الأهداف ورصدها وملاحقتها وصنع قوائم الموت٬ والتي ترجمت إلى مجازرٍ متتابعة في القطاع. واليوم، يتتكرر توظيف AI في مكان آخر٬ حيث تستخدم الولايات المتحدة أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تملكها شركات أمريكية خاصة في الحرب على إيران٬ ويبدو أن بعضها ارتبط بارتكاب بمجازر، مثل مدرسة منياب جنوب شرق إيران٬ في مفارقةٍ قاتمة، لأنها هي ذات الأدوات التي تم استخدامها في الحرب على غزة.

في هذا التقرير حاولنا جمع وتتبع أهم التقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المستخدمة في الحرب على إيران والتي سبق أن ثبت استخدامها في الحرب على غزة.

ما أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها أمريكا في الحرب على إيران؟

تمتلك جيوش الولايات المتحدة و"إسرائيل" عدداً كبيراً من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي توظفها في شن الحروب والهجمات على خصومها٬ وفي الحرب على إيران٬ تستخدم الولايات المتحدة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي (Machine Learning) للمساعدة في الاستهداف العسكري والمراقبة٬ حيث يتم دمج نماذج لغوية للمساعدة في التحليل والتلخيص والتجميع داخل بيئات حكومية وعسكرية. 

ومن أهم التطبيقات والتقنيات التي يستخدمها الجيش الأمريكي في الحرب على إيران والتي تم رصدها والتأكد منها حتى اللحظة بحسب مصادر مختلفة: 

1- مشروع مافن Project Maven

يعد مشروع "مافن" (Project Maven) الذي طوره البنتاغون الأمريكي بمساعدة شركة تنقيب بيانات مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية بالانتير (Palantir) عام 2017، أبرز تقنية يعتمد عليها الجيش الأمريكي في المعارك والحروب والنزاعات٬ وأصبح البرنامج مدمجاً في جميع الوحدات والقطاعات القتالية الأمريكية منذ عام 2018 كما تم منح أوكرانيا استخدامه خلال حربها مع روسيا.

وقبل عدة أشهر فقط٬ دفع الطلب والاعتماد المتزايد على هذا البرنامج وزارة الدفاع الأمريكية لرفع عقد "مافن" مع "بالانتير" إلى أكثر من مليار دولار. وتأسس مشروع مافن عام 2017 بهدف تزويد وزارة الدفاع الأمريكية بقدرات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال القتال. حيث تتولى منصة "مافن" مهمة جمع وتحليل بيانات المراقبة المأخوذة من مناطق الحرب لتسريع العمليات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك الغارات الجوية القاتلة.

صورة أرشيفية نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية لقسم الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في مركز العمليات الجوية المشتركة بقاعدة العديد الجوية في قطر، خلال بداية استخدام مشروع مارفن (صورة من Air Force photo)

يقوم مبدأ عمل مارفن٬ على استقباله المعلومات من الأقمار الصناعية، وطائرات التجسس، والطائرات المسيرة، والاتصالات المعترضة، والإنترنت، وتجمعها في تطبيق مشترك مزود بخاصية البحث المقدمة للقادة ومجموعات الدعم، وفقاً لوسائل إعلام دفاعية أمريكية.

في عام 2023، انتقل المشروع إلى وكالة الاستخبارات الجغرافية الوطنية (NGA)، حيث أصبح يوفر البنية التحتية السحابية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي اللازم لدعم مبادرات القيادة والسيطرة المشتركة متعددة المجالات (CJADC2) التابعة لمكتب رئيس العمليات والمراقبة (CDAO) في الجيش الأمريكي.

وأكد مصادر مطلعة أمريكية لوكالة بلومبيرغ استخدام الجيش الأمريكي لمشروع مارفن في الحرب الجارية على إيران وسبق أن استخدم في حروب أخرى مثل أوكرانيا. 

ويقول نواه سيلفيا، محلل أبحاث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) قال لصحيفة "ذي تايمز" إن "حجم العمليات في الشرق الأوسط مختلفة عن أوكرانيا، حيث أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتمدان هنا على أسلحة ضربات بعيدة المدى بدلاً من المدفعية والطائرات المسيّرة بمنظور الشخص الأول. كما أن شرق أوكرانيا صغير مقارنة بإيران. القدرة على تنفيذ ضربات عبر جزء كبير من إيران تتطلب بيانات أكثر بكثير وأنظمة أشد أهمية لاختراق كمّ كبير من البيانات".

2- تحليل البيانات مفتوحة المصدر عبر Claude

يوجد أيضاً هناك روبوت الدردشة كلود (Claude) التابع لشركة أنثروبيك (Anthropic) والذي تم دمجه في نظام "مافن" الذكي (Maven Smart System) حيث تؤكد مصادر رسمية لصحيفة واشنطن بوست على أنه استُخدم في الحرب الجارية على إيران لأغراض "تحليل بيانات الاستخبارات". ومن الناحية النظرية يمكنه جمع بيانات مفتوحة المصادر حول ما يجري داخل إيران. حيث تقوم تقنية الذكاء الاصطناعي المتقدمة بتحديد الأهداف في إيران وترتيب أولوياتها بسرعة، مما يدعم العمليات العسكرية الضخمة التي تنفذها القوات الأمريكية والإسرائيلية.

المصدر: رويترز

وبحسب صحيفة The Times البريطانية٬ يقول الأمريكيون إن "هذا النظام يخضع لسياسات استخدام صارمة". وتعتقد شركة أنثروبيك (Anthropic) الأمريكية أن البشر ينبغي أن يكونوا مسؤولين عن تحديد الأهداف المحتملة واتخاذ قرارات الضربات. 

مؤخراً٬ هددت إدارة ترامب بوضع شركة Anthropic على "القائمة السوداء"٬ بسبب إصرارها على "الحفاظ على بعض القيود المتعلقة بكيفية استخدام الجيش لنماذجها"٬ حيث انفجرت التوترات بين الطرفين بسبب استخدام الجيش الأمريكي لبرنامج Claude الذي تملكه الشركة في عملية القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا.

ويضغط البنتاغون على 4 مختبرات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي للسماح للجيش باستخدام أدواتها، حتى في أكثر المجالات حساسيةً، كتطوير الأسلحة وجمع المعلومات الاستخباراتية والعمليات الميدانية. إلا أن شركة أنثروبيك لم توافق على هذه الشروط، وقد بدأ البنتاغون يشعر بالضيق بعد أشهر من المفاوضات الشاقة٬ بحسب موقع آكسيوس.

3- تقنيات Dataminr لجمع وتحليل البيانات 

يظهر منشور حديث للمؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Dataminr تيد بيلي عبر منصة لينكد إن٬ أن الشركة تقدم خدماتها في الذكاء الاصطناعي للجيش الأمريكي وأجهزته الاستخباراتية خلال الحرب مع إيران٬ وقال بيلي: "تفخر Dataminr بدعم الجيش الأميركي وCENTCOM (القيادة المركزية الأميركية) في هذه المهمة وأنت تكون جزءاً منها٬ وبالمساعدة في حماية القواعد والأفراد الأميركيين والحلفاء عبر منطقة الشرق الأوسط".

وشركة داتامينر هي شركة لتحليلات البيانات يعتمد عليها الجيش الأمريكي بشكل كبير ومن بين عملائها حلف الناتو٬ وسبق أن حصلت على عقود بمئات ملايين الدولارات من وزارة الدفاع الأمريكية٬ وتعتمد عليها الأجهزة الأمنية الأمريكية في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات٬ حيث استخدمت الشرطة الأمريكية خدمات داتامينر للمراقبة خلال احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" خلال إدارة ترامب الأولى عام 2020 وغيرها من الاحتجاجات التي تلتها في عهد جو بايدن.

بدأت شركة داتامينر نشاطها قبل نحو 17 عاماً بمنح مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إمكانية الوصول إلى جميع بيانات مستخدمي تويتر لمراقبة وتنبيه جهات إنفاذ القانون إلى "الأنشطة الإجرامية والإرهابية". ومنحت الشركة جهات إنفاذ القانون والحكومات القدرة على مراقبة "النشاط الرقمي السابق" لأي مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي و"اكتشاف تواصل الفرد وتفاعلاته مع الآخرين على هذه المنصات".

هل استخدمت هذه البرامج والتقنيات في الحرب على غزة؟

نعم٬ فقد دعمت شركة بالانتير جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين من الحرب على غزة. وبعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، زودت بالانتير إسرائيل بأدوات تحليل بيانات متعددة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لأغراض عسكرية واستخباراتية٬ كما وظفت دولة الاحتلال العديد من التقنيات الذكية الأخرى والخدمات السحابية التي تقدمها شركات أمريكية مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل وغيرها وهو ما تسبب بارتكاب جرائم إنسانية ومجازر واسعة في القطاع.

كما أنه بحسب تحقيق نشرته مجلة +972 الإسرائيلية في ديسمبر 2025 فإن شركات تكنولوجيا الأمريكية مثل بلانتير (Palantir) وداتامينر (Dataminr)٬ تستخدم لدعم عمليات مراقبة الفلسطينيين في غزة، وترسيخ السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع.

حيث أكدت المجلة أنه منذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025، يعمل نحو 200 عسكري أمريكي في مركز التنسيق المدني والعسكري، الذي أنشئ برعاية أمريكية في مدينة "كريات غات" جنوب "إسرائيل" ظاهرياً لتسهيل تنفيذ "خطة السلام " التي وضعها ترامب، لكن جزءاً من مهمة هؤلاء الجنود استخدام وتوظيف هذه البرمجيات في مراقبة وجمع وتحليل البيانات في غزة.

يقف أفراد عسكريون أمريكيون وألمان أمام شاشة تعرض برنامج نظام Palantir الأمريكي، في مركز التنسيق المدني العسكري في كريات جات، جنوب إسرائيل، في 12 نوفمبر 2025. (ويكيميديا ​​كومنز)

ونظراً لتاريخ الولايات المتحدة في مشاركة ودعم جهود المراقبة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، فمن غير المرجح أن تبقى البيانات التي جمعتها بالانتير وداتامينر تحت السيطرة الحصرية لواشنطن. ففي عام 2013، نشر الأمريكي إدوارد سنودن مجموعة من الوثائق تكشف كيف نقلت وكالة الأمن القومي معلومات استخباراتية إلى وحدات الاستخبارات الإسرائيلية، بما في ذلك "نصوص ورسائل قصيرة ونسخ وبيانات وصفية" تتعلق بالمدنيين الفلسطينيين.

وفي عهد إدارة ترامب الأولى، عملت وكالتا الاستخبارات "بتناغم شبه كامل" في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز. وقد تعمق هذا التعاون منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حيث تشارك الولايات المتحدة كميات هائلة من معلوماتها الاستخباراتية عن نشاط حماس في غزة مع القوات الإسرائيلية – بما في ذلك "لقطات الطائرات بدون طيار، وصور الأقمار الصناعية، وعمليات اعتراض الاتصالات، وتحليل البيانات المدعوم بالذكاء الاصطناعي".

إلى جانب هذه التقنيات٬ استخدم الجيش الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية أنظمة متعددة وواسعة من الذكاء الاصطناعي٬ ساهمت بشكل كبير في تسريع عمليات القتل التي شبَّهها المسؤولون بـ"المصنع"٬ مثل نظام أربيل (Arbel) وبرنامج لافندر (Lavender)  ونظام غوسبل (The Gospel) برنامج Where's Daddy؟ و "هبسورا" وغيرها.

كما بنت دولة الاحتلال بيانات تراكمية ضخمة عن الفلسطينيين في الضفة وغزة٬ من مراقبة مستمرة لموقع سكانهم، المكالمات والاتصالات، الرسائل٬ المواقع المحتملة، البيانات البيومترية٬ وقد قدمت شركات أمريكية مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"أمازون" خدماتها السحابية لصالح جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة٬ حيث استخدم جيش الاحتلال خدمات هذه الشركة ووظفها في حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. 

هل استخدم الجيش الأمريكي أنظمة الذكاء الاصطناعي في ارتكاب مجزرة مدرسة ميناب للفتيات في إيران؟ 

خلال الساعات الأولى من الهجوم الأمريكي على إيران٬ قصف الجيش الأميركي أكثر من 1000 هدف داخل إيران بمساعدة الذكاء الاصطناعي كما تؤكد ذلك صحيفة واشنطن بوست وقد أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت تقنيات AI المستخدمة قد أخطأت في تحديد مدرسة "الشجرة الطيبة" الإيرانية تم قصفها، ما أدى إلى ارتقاء أكثر 175 طفلة وعشرات المعلمات في 28 فبراير 2026.

وبمعدل 42 هدفاً مقترحاً في الساعة، تساءل خبراء عمّا إذا كانت هذه التقنيات قد أصبحت هي المتحكّم فعلياً في ميدان القتال، لأن الدماغ البشري لا يستطيع مجاراة هذه الوتيرة. وأثار خبراء في صحيفة The Times احتمال أن يكون الذكاء الاصطناعي قد أخطأ في تحديد مدرسة ابتدائية في ميناب في اليوم الأول من الحرب. وتشير أدلة متزايدة إلى أن الولايات المتحدة أطلقت صواريخ كروز من طراز توماهوك الأمريكي على الموقع.

يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من البيانات من عدة مصادر  بما يشمل صور الأقمار الصناعية وبيانات طائرات المراقبة والمصادر البشرية٬ لاختيار الأهداف أو استبعادها.

وتزعم وسائل إعلام أمريكية أن صور أقمار صناعية قديمة تظهر أن مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية كانت في وقت سابق جزءاً من مجمّع تابع لـ الحرس الثوري الإسلامي ، ويضم ثكنة بحرية ومباني دعم. إلا أنها كانت خلال السنوات 9  الماضية منفصلة ومعزولة بسور عن ذلك المجمّع. كما ظهرت في بعض صور الأقمار الصناعية جدران تحمل رسوماً ملوّنة وملعب صغير. وأُثيرت أسئلة عمّا إذا كان نظام ذكاء اصطناعي قد اعتمد على صور قديمة تم تزويده بها في استهداف المدرسة.

وقال نواه سيلفيا، محلل أبحاث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) "إذا كان قصف المدرسة الإيرانية خطأً، فهل كان خطأً بشرياً أم نتيجة سرعة أتمتة النظام؟ هل استند إلى بيانات قديمة؟ هل كانت آلة فعلت ذلك تلقائياً؟ عدد الضربات التي نراها يمنح بعض المصداقية لفكرة أن الأهداف تُنشأ إلى حد كبير بشكل شبه ذاتي""".

أما كريغ جونز، المحاضر الأقدم في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل فقد قال "في هذه المرحلة لا يمكننا استبعاد أن الذكاء الاصطناعي ربما فشل في التعرف على المدرسة باعتبارها مدرسة، وبدلاً من ذلك عرّفها كهدف عسكري""".

وأضاف أن القضية الجوهرية هي مدى استخدام الذكاء الاصطناعي في جمع بيانات الاستخبارات وتحليلها بما يؤدي إلى تقديم المدرسة على أنها هدف عسكري، مشيراً إلى أن أي قرار بشري بالضربات كان مبنياً على بيانات وتحليلات ساهم الذكاء الاصطناعي في تشكيلها.

وعندما سُئلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) من قبل صحيفة The Times عما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قد قدّمت معلومات قديمة عن المدرسة، قالت إن تحقيقاً جارياً. فيما زعم الرئيس ترامب – من دون تقديم أدلة- أن إيران أو "شخصاً آخر" ربما نفّذ الضربة، غير أن تحليل لصحيفة نيويورك تايمز وغيرها أشار بشكل واضح إلى استخدام أسلحة أميركية في استهداف تلك المدرسة.

تحميل المزيد