هل تشكل الحرب على إيران فرصة للصين وروسيا؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/10 الساعة 09:03 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/10 الساعة 11:06 بتوقيت غرينتش
هل تشكل الحرب على إيران فرصة للصين وروسيا؟ /عربي بوست

في خضم المواجهة العسكرية المحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتجه الأنظار نحو اثنتين من كبرى القوى العالمية: الصين وروسيا.

ولا تقتصر ارتدادات هذه الحرب على إحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز فحسب، بل تضع بكين وموسكو أمام اختبار جيوسياسي واقتصادي دقيق.

فبينما تحاول روسيا استثمار الفوضى لتعويض خسائرها وتخفيف وطأة العقوبات الغربية عبر الارتفاع الصاروخي لأسعار النفط، تجد الصين نفسها في موقف بالغ الحساسية؛ فهي ممزقة بين محاولة حماية وارداتها النفطية الحيوية من طهران، وبين الخطر المحدق الذي يهدد استثماراتها الاستراتيجية بعيدة المدى في الشرق الأوسط.

ما هو موقف الصين وروسيا من الحرب على إيران؟

تبنت كل من روسيا والصين مواقف دبلوماسية رسمية حازمة ومتطابقة إلى حد كبير في رفض الحرب والضربات العسكرية على إيران، حيث تركزت تصريحاتهما الرسمية وتحركاتهما في الأروقة الدولية على الإدانة والتحذير من عواقب التصعيد.

وأدانت وزارة الخارجية الروسية الضربات الأمريكية والإسرائيلية، واصفة إياها بـ "العدوان غير المبرر" و"الانتهاك الصارخ لسيادة دولة مستقلة وميثاق الأمم المتحدة".

وقادت روسيا جهوداً دبلوماسية مكثفة للدعوة إلى جلسات طارئة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وطالبت بإصدار قرارات تدين الهجوم وتلزم الأطراف بوقف إطلاق النار، معتبرة أن هذه الممارسات تقوض الاستقرار العالمي.

فيما أكدت وزارة الخارجية الصينية معارضتها الشديدة لاستخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية. وشددت بكين رسمياً على دعمها الثابت لسيادة إيران وسلامة أراضيها، رافضة أي تدخل خارجي في شؤونها.

وطالبت الصين جميع الأطراف، وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتحلي بـ "أقصى درجات ضبط النفس" لتجنب دفع منطقة الشرق الأوسط نحو شفا الهاوية. ودعت إلى العودة الفورية إلى طاولة المفاوضات والالتزام بالحلول الدبلوماسية.

هل تشكل الحرب فرصة للصين وروسيا؟

أولاً: روسيا

أشارت تقارير عدة إلى أن روسيا برزت منذ بداية الحرب على إيران كفائز مبكر، ويبدو أنها قادرة على الاستفادة من الآثار الاقتصادية والجيوسياسية الثانوية للحرب بينما يتحمل الآخرون التكاليف.

وبينما قد تخسر موسكو حليفاً قوياً في المنطقة، فإنها قد تستفيد أيضاً على المدى القصير، بحسب محللين.

وقال روبرت بيرسون، وهو زميل أول غير مقيم في برنامج أوراسيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI)، لمجلة تايم الأمريكية: "ما نشهده الآن لم يكن من الصعب التنبؤ به".

وأضاف بيرسون: "من المرجح أن بوتين ومستشاريه قد توصلوا إلى أن الحرب في إيران تخدم مصالح روسيا على المدى القصير: ارتفاع أسعار الطاقة، وتشتيت الانتباه العالمي عن حرب أوكرانيا التي لا يرغب بوتين في تسويتها، وأمريكا معرضة لخطر الوقوع في مستنقع آخر في الشرق الأوسط".

بوتين كورسك روسيا لماذا طردت روسيا دبلوماسيين بريطانيين، وما تداعيات هذه الخطوة؟
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/ الأناضول

وفيما يلي الطرق التي تستفيد بها روسيا من الحرب الإيرانية:

ارتفاع أسعار النفط: 

  • يمرّ أكثر من 20% من صادرات النفط والغاز العالمية عبر مضيق هرمز، وبعد اندلاع الحرب، أمرت السلطات الإيرانية السفن بتجنب المرور في المضيق.
  • وقد أحدث هذا الإغلاق صدمة في الأسواق ورفع أسعار النفط وصولاً إلى 108 دولارات للبرميل قبل أن يتراجع إلى حدود 90 دولاراً، وهو ما يُعدّ خبراً ساراً لروسيا.
  • ويُشكّل النفط والغاز 45% من الميزانية الفيدرالية الروسية، وسيُوفّر ارتفاع أسعار النفط بعض الراحة للاقتصاد الروسي المُتعثّر ويُساعد في تمويل صراعها مع أوكرانيا.
  • وقد يوفر الجمع بين ارتفاع الأسعار واضطراب قدرة دول الخليج على تزويد الأسواق في آسيا مكاسب غير متوقعة لموسكو، وذلك بعد عام واحد فقط من انخفاض عائداتها من النفط والغاز إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2020.
  • وقال الكرملين، الجمعة 6 مارس/ آذار، إن الحرب على إيران أدت إلى زيادة كبيرة في الطلب على النفط والغاز الروسي، ما عزز الصادرات التي تضررت بشدة من العقوبات المرتبطة بالحرب الروسية في أوكرانيا.
  • وقالت 6 مصادر مطلعة لرويترز إن مصافي التكرير الهندية تشتري ملايين البراميل من شحنات النفط الخام الروسي الفورية، في الوقت الذي تسعى فيه نيودلهي إلى التغلب على أزمة إمدادات النفط الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.

مبيعات الأسلحة: 

  • قبل اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة، أبرمت إيران صفقة لشراء 500 منصة إطلاق صواريخ فيربا روسية محمولة على الكتف، و2500 صاروخ أرض-جو، لحمايتها من الهجمات الجوية.
  • ورغم أن هذه المنصات لا تستطيع إصابة سوى الطائرات على ارتفاعات منخفضة، ما يجعلها غير فعّالة في صدّ الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية، فإن إيران ستواصل سعيها للحصول على الأسلحة الروسية.
  • ولطالما كانت روسيا، ولا تزال، المورّد الرئيسي للأسلحة إلى إيران، إذ تستحوذ على ثلث واردات الأسلحة الإيرانية منذ عام 1979. وتستفيد روسيا من هذه المبيعات لأنها تدرّ على الكرملين إيرادات بالغة الأهمية، وفق مجلة فوربس.

حرب أوكرانيا: 

  • يُهدد استمرار المواجهة الأمريكية مع إيران باستنزاف مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر الحيوية، بما في ذلك صواريخ PAC-3 MSE الاعتراضية لأنظمة باتريوت، وصواريخ APKWS المستخدمة لمواجهة طائرات شاهد المسيّرة روسية الصنع.
  • وسيؤدي هذا الاستنزاف إلى تقويض قدرة الولايات المتحدة على مواصلة دعمها العسكري لأوكرانيا، وهو ما يصب في مصلحة روسيا.
  • وأقرّ الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بأن التطورات في الشرق الأوسط ستؤثر بشكل مباشر في محادثات السلام مع روسيا.
  • واعتبر الخبير المغربي في العلاقات الدولية، علي فاضيلي، أن حرب استنزاف طويلة قد تخدم أيضاً المصالح الروسية، إذ قد تدفع الولايات المتحدة إلى تحويل جزء من اهتمامها ومواردها العسكرية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
  • وأضاف لوكالة الأناضول أن هذا التحول من شأنه إضعاف القوات الأوكرانية، ومنح روسيا هامشاً أوسع للتحرك واستغلال الانشغال الأمريكي بالصراع في المنطقة لتحقيق تقدم كبير على الأرض.
أوكرانيا
ذخائر مدفعية في أوكرانيا/رويترز

ثانياً: الصين

لا تحظى بكين بذات المكاسب التي قد تجنيها موسكو من الحرب الأمريكية على إيران، خاصة إذا علمنا أن الصين تشتري حوالي 80% من النفط الإيراني، وهو ما يمثل 13% من واردات الصين البحرية.

ومع ذلك، يخلق قرار ترامب بشن حرب على إيران فرصة للصين لاستغلال هيمنتها على المعادن الحيوية، ولإبقاء واشنطن "مشتتة" في صراعات الشرق الأوسط بعيداً عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بحسب تقارير.

وفيما يلي الطرق التي تستفيد بها الصين من الحرب الإيرانية:

المعادن الحيوية: 

  • يؤدي شنّ هجوم جديد على إيران إلى استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي العام الماضي، أوقف البنتاغون شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا بسبب مخاوف من تناقص المخزونات.
  • وذكرت صحيفة الغارديان أن البنتاغون لا يملك سوى 25% من منظومات صواريخ باتريوت اللازمة لخططه العسكرية.
  • ومع ذلك، فقد نشرت الولايات المتحدة الكثير من أقوى أسلحتها في عملية "الغضب الملحمي" في الشرق الأوسط، بما في ذلك أنظمة الدفاع الصاروخي باتريوت وثاد، بالإضافة إلى طائرات مقاتلة من طراز إف-35 ومعدات متطورة أخرى.
  • وتعتمد هذه الأسلحة على أشباه الموصلات والرادارات المصنوعة من الغاليوم، وهو معدن بالغ الأهمية تسيطر الصين على سلسلة توريده.
  • وخلال الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين العام الماضي، قطعت بكين صادرات الغاليوم وغيره من العناصر الأرضية النادرة، ما أدى إلى شلّ سلاسل التوريد الصناعية العالمية تقريباً، ودفع واشنطن إلى التدخل في المفاوضات التجارية.
  • ويعتقد بعض المحللين أن قرار ترامب بفتح جبهة عسكرية جديدة في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تعتمد على الصين في سلعة أساسية لصناعة الدفاع سيعزز موقف الصين في اجتماع ترامب-شي القادم في بكين.

تقويض الهيمنة الأمريكية: 

  • فبدون غزو شامل، يبدو من غير المرجح أن تؤدي أي ضربات أمريكية إلى تغيير النظام في إيران. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن تتمحور العلاقات الأمريكية-الإيرانية في المستقبل حول فترات من المفاوضات تتخللها جولات من التصعيد العسكري المحدود، وفق تقرير لمعهد تشاتام هاوس البريطاني.
  • وبالنسبة للصين، فمن شأن هذه الدورة المتقطعة من التصعيد المحدود أن تخدم أهداف بكين من خلال زيادة التكلفة الاستراتيجية للتواجد الأمريكي في الخليج، وتشتيت انتباهها عن مواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، واستنزاف مواردها العسكرية والمالية تدريجياً.
  • ويتوافق هذا الواقع مع هدف بكين الاستراتيجي العالمي المتمثل في تقويض الهيمنة الأمريكية، لا استبدالها.
روسيا
هل تشكل الحرب على إيران فرصة للصين وروسيا؟ /عربي بوست

ما هي مخاطر الحرب وتداعياتها على البلدين؟

ركزت غالبية التقارير التي تناولت المخاطر التي قد تتعرض لها روسيا والصين جراء الحرب الأمريكية على إيران على الصين بدرجة أكبر، ويمكن رصد هذه المخاطر فيما يلي. 

– صدمة النفط: تشتري الصين حوالي 80% من النفط الإيراني المصدر بحراً، وهو ما يمثل نحو 13% من إجمالي وارداتها النفطية المنقولة بحراً. ويشكل فقدان هذا المورد الرخيص ضربة قوية للصين، رغم أن بكين أمضت العام الماضي في بناء احتياطيات نفطية ضخمة للتحوط ضد هذه الصدمات الجيوسياسية.

– تهديد الشراكة الاستراتيجية: حذرت تقارير من أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الإيرانية-الصينية لعام 2021 (والتي تقدر قيمتها بـ 400 مليار دولار) ستكون في مهب الريح إذا أدت الحرب إلى انهيار النظام الحالي في طهران واستبداله بنظام موالٍ للغرب.

– سباق التسلح النووي: أشار معهد تشاتام هاوس إلى قلق صيني بالغ من تقييمات تشير إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تدمر برنامج إيران النووي بالكامل. وقد يدفع بقاء اليورانيوم عالي التخصيب إيران لاستخدامه في إعادة بناء قدراتها، مما ينذر بإشعال سباق تسلح نووي إقليمي تعارضه بكين بشدة.

هل تدعم روسيا والصين إيران؟

زعمت تقارير صحفية أمريكية أن روسيا تزود إيران بمعلومات ​للاستهداف تتضمن مواقع السفن الحربية والطائرات الأمريكية في الشرق ‌الأوسط.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن ثلاثة مسؤولين، أن روسيا أبلغت إيران منذ بدء الحرب بمواقع الأصول العسكرية الأمريكية، بما في ذلك السفن الحربية والطائرات.

وأضافت الصحيفة أن الدعم الروسي لإيران لم يكن واضحاً تماماً، لكن قدرة الجيش الإيراني على تحديد مواقع القوات الأمريكية تراجعت منذ شنت الولايات المتحدة ​وإسرائيل ضربات ضد طهران الأسبوع الماضي.

وبحسب تحليل أجرته صحيفة واشنطن بوست أيضاً لبيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، غادرت سفينتان تابعتان لشركة إيرانية تخضع لعقوبات أمريكية، ميناءً صينياً مخصصاً لتخزين المواد الكيميائية، هذا الأسبوع محملتين بالبضائع ومتجهتين إلى إيران.

الصين
إنفوجرافيك: خارطة موردي النفط للصين 2024/2025 – (عربي بوست)

وأفادت الصحيفة أن السفينتين تابعتين لشركة خطوط الشحن الإيرانية (IRISL)، وهي شركة مملوكة للدولة تخضع لعقوبات أمريكية وبريطانية وأوروبية.

وأوضح خبراء للصحيفة الأمريكية أن ميناء غولان هو ميناء تحميل للمواد الكيميائية، بما في ذلك بيركلورات الصوديوم، وهي مادة أولية أساسية لوقود الصواريخ الصلب الذي تحتاجه إيران بشدة لبرنامجها الصاروخي.

لماذا لم تنضم الصين وروسيا إلى الحرب مع إيران؟

عزت تقارير احجام روسيا والصين عن تقديم الدعم العسكري لإيران إلى عدم الرغبة في الانجرار إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط أو المخاطرة بالتصعيد مع الولايات المتحدة.

وقال تقرير لموقع إن دي تي في الهندي إن روسيا تخوض بالفعل صراعاً طويل الأمد مع أوكرانيا، ولا ترغب في الانجرار إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط.

ومن جانبها، من غير المرجح أن تخاطر الصين، وهي حليف قديم آخر لإيران، بمصالحها من خلال مواجهة واشنطن ومساعدة شريكها القديم، حسبما أضاف موقع "إن دي تي في".

ووفق مجلة فورين آفيرز الأمريكية، فإن النهج الصيني المتحفظ تجاه إيران كان متوقعاً منذ فترة طويلة. 

فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تزايدت خيبة أمل بكين في قدرات طهران ومصداقيتها كقوة إقليمية. كما فقد الاستراتيجيون الصينيون ثقتهم بسبب ما يرونه ميلاً لدى إيران للاستسلام للمطالب الغربية بدلاً من الرد، وهو ما يتجلى في رغبتها المستمرة في التفاوض مع واشنطن. 

وفي نهاية المطاف، لا ترى بكين في تغيير النظام في إيران أسوأ سيناريو. فالصين مستعدة للعمل مع أي قيادة تظهر بعد الضربات طالما أنها تحمي تدفقات النفط وتعطي الأولوية للمصالح الاقتصادية المشتركة. 

تحميل المزيد