لا تقتصر العقبات التي تواجه العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران على الرفض الشعبي الذي أظهرته استطلاعات أخيرة فحسب، بل يشمل ذلك أيضاً عقبات عسكرية ولوجستية تُعقّد مهمة الجيش الأمريكي، الذي شنّ هجوماً عسكرياً ضد طهران بمشاركة إسرائيلية.
ويأتي في مقدمة تلك العقبات، وفق تقارير أمريكية، نفاد مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وحالة الضبابية التي تحيط بأهداف العملية العسكرية، فضلاً عن اتساع رقعة الصراع، والصعوبات التي تكتنف عملية القضاء على ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية.
وأظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس أن ربع الأمريكيين فقط يؤيدون الضربات الأمريكية ضد إيران، بينما يعتقد نحو نصفهم -بمن فيهم واحد من كل أربعة جمهوريين- أن الرئيس ترامب يميل بشدة لاستخدام القوة العسكرية.
🎥_ الحرس #الثوري ينشر مشاهد لإطلاق صواريخ خيبر ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية pic.twitter.com/0AQT1IV7sY
— عربي بوست (@arabic_post) March 3, 2026
وعبر نحو 27% من المشاركين في الاستطلاع عن تأييدهم للضربات، في حين عارضها 43%، وأحجم 29% عن إبداء رأي واضح.
وتهدد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بالخروج عن السيطرة والتحول إلى حرب إقليمية أوسع، حيث استهدفت إيران إسرائيل والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن رداً على ذلك.
وفيما يلي نستعرض أبرز العقبات التي تواجه العملية العسكرية الأمريكية في إيران.
أولاً: نفاد مخزونات الصواريخ
كما كان الحال خلال حرب الـ 12 يوماً الماضية ضد إيران في يونيو/ حزيران 2025، تشكل مسألة المخزونات الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية معضلة كبيرة أمام إتمام المهمة الأمريكية في طهران.
وكانت هذه المسألة من بين النقاط التي أثارها مسؤولو البنتاغون مع الرئيس ترامب بوصفها أحد المخاطر التي قد تواجه العملية العسكرية الأمريكية ضد طهران.
يأتي ذلك بينما قال ترامب إن بلاده يمكنها خوض حروب "إلى الأبد" وتمتلك مخزوناً "غير محدود تقريباً" من الذخيرة المتوسطة والعالية.
وقال مسؤولون ومحللون حاليون وسابقون إن هذا الأمر يخضع الآن للاختبار، حيث تُسارع الولايات المتحدة لتدمير قوة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قبل أن تنفد لديها الصواريخ الاعتراضية لصد الصواريخ الإيرانية.

ويُعدّ الحجم الدقيق لمخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية – ما يُطلق عليه البنتاغون "سعة المخزن" – معلومات سرية. إلا أن الصراعات المتكررة مع إيران ووكلائها في الشرق الأوسط تُؤثّر سلباً على إمدادات الدفاعات الجوية الأمريكية في المنطقة، وفق تقرير صحيفة وول ستريت جورنال.
وقالت كيلي غريكو، وهي زميلة بارزة في مركز ستيمسون للأبحاث، لصحيفة وول ستريت جورنال: "أحد التحديات هو أن هذه الموارد تُستنفد بسرعة كبيرة. نحن نستخدمها بوتيرة أسرع من قدرتنا على استبدالها".
يُذكر أن الولايات المتحدة نشرت منظومة ثاد الصاروخية المضادة للصواريخ في إسرائيل عام 2024، إلى جانب قوات الجيش الأمريكي لتشغيلها. كما تم نشر منظومة ثاد في الأردن، حيث تتمركز حالياً العديد من الطائرات المقاتلة الأمريكية.
ويُعدّ الحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية لمنظومة ثاد، التي تُشغّلها القوات الأمريكية أيضاً في كوريا الجنوبية وغوام، من أهمّ الشواغل لدى البنتاغون، وذلك لردع كوريا الشمالية والصين.
ويسعى البنتاغون أيضاً إلى تجديد مخزونه من صواريخ باتريوت وستاندرد الاعتراضية، التي تُستخدم أيضاً للتصدي للتهديدات الجوية، وللدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية العام الماضي أن البنتاغون لا يملك سوى 25% من منظومات صواريخ باتريوت اللازمة لخططه العسكرية.
ولا تقتصر الذخائر التي تعاني من نقص على صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي فحسب، بل تستخدم الولايات المتحدة أيضاً صواريخ توماهوك كروز التي تُطلق من البحر، والمعروفة اختصاراً بـ "تلام"، بالإضافة إلى أسلحة تُطلق من الطائرات ضد أهداف إيرانية.
من جانب آخر، تعتمد منظومات الدفاع الجوي الأمريكية على أشباه الموصلات والرادارات المصنوعة من الغاليوم، وهو معدن بالغ الأهمية تسيطر الصين على سلسلة توريده.
ويعتقد بعض المحللين أن قرار ترامب بفتح جبهة عسكرية جديدة في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تعتمد على الصين في سلعة أساسية لصناعة الدفاع سيعزز موقف الصين في اجتماع ترامب-شي القادم في بكين.
وقال جوزيف ويبستر، وهو زميل بارز في مركز أبحاث المجلس الأطلسي، لصحيفة الغارديان: "ستكون بكين مسرورة برؤية الولايات المتحدة تنفق ذخائرها النادرة وصواريخها الاعتراضية في مسرح عمليات ثانوي. إن تقليص مخزونات الأسلحة الحالية لن يقلل فقط من الموارد المتاحة لحالات الطوارئ في تايوان، بل إن هيمنة الصين على المعادن الحيوية قد تمنحها نفوذاً على إنتاج أسلحة جديدة".
ثانياً: تغير الأهداف
شهدت الأهداف الأمريكية من عمليتها العسكرية ضد إيران تغيرات ملحوظة، سواء على صعيد الأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها أو على صعيد الإطار الزمني للعملية، ما عقد مهمة الجيش، حسبما تقول صحيفة وول ستريت جورنال.
ورصد تقرير لوكالة رويترز الرسائل المتباينة للرئيس ترامب منذ بدء شنّ العملية العسكرية ضد طهران.
فعندما أعلن ترامب عن الضربات، السبت 28 فبراير/ شباط، حث الإيرانيين على "استعادة بلدهم" وألمح إلى هدف تغيير النظام.
ويوم الأحد، قال ترامب لمجلة ذي أتلانتيك إنه منفتح على إجراء محادثات مع أي شخص يبرز على الساحة لقيادة إيران، وصرّح لنيويورك تايمز بأن عملية يناير/ كانون الثاني لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كانت نموذجاً لمستقبل إيران.

كما تغير الجدول الزمني الذي وضعه ترامب للعملية الإيرانية منذ انطلاقها. فقد صرّح في البداية لصحيفة ديلي ميل بأنها قد تستغرق "4 أسابيع أو أقل"، ثم قال لنيويورك تايمز إنها قد تدوم من 4 إلى 5 أسابيع. وفي تصريحات منفصلة يومي الأحد والاثنين، ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية استمرار العملية لفترة أطول حتى تحقيق أهدافها.
وفي إخطاره للكونغرس بشأن الضربات على إيران، الذي اطلعت عليه صحيفة بوليتيكو، لم يقدم ترامب جدولاً زمنياً.
وكتب ترامب: "على الرغم من أن الولايات المتحدة ترغب في سلام سريع ودائم، فمن المستحيل في الوقت الحالي معرفة النطاق الكامل اللازم للعمليات العسكرية ومدتها".
وقال محللون إنه إذا كانت السياسة مربكة، فذلك لأن البيت الأبيض يبدو وكأنه يرتجل.
وقال جاستن لوغان، مدير شؤون الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو للأبحاث في واشنطن، لصحيفة وول ستريت جورنال: "لم تكن الإدارة – والرئيس – مثالاً للوضوح في هذه الحرب. يبدو أنهم يرتجلون القرارات أثناء سيرها. السياسة الحالية تبدو أقرب إلى التخبط وعدم التماسك".
ثالثاً: الصواريخ الباليستية الإيرانية
بينما أعلن الرئيس ترامب أن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية كان أحد أهم أهداف الهجمات الأمريكية على البلاد، أشارت تقارير إلى أن العثور على ترسانة إيران الكاملة من الصواريخ الباليستية وتدميرها، بالإضافة إلى مواقع إنتاجها، قد يمثل تحدياً خاصاً للجيشين الأمريكي والإسرائيلي.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن الغارات الجوية وحدها لا يمكنها تدمير مخططات وخبرات تصنيع هذه الأسلحة، وقد أثبتت إيران براعتها في الحصول على المعدات اللازمة لإعادة تشغيل خطوط الإنتاج، حيث وضعت بعضها، على الأقل، تحت الأرض في منشآت محصنة.
كما أظهر الإيرانيون قدرتهم على تفكيك صواريخهم الباليستية إلى أجزاء أصغر يسهل تهريبها إلى القوات الوكيلة وإعادة تجميعها لاستخدامها، ما قد يجعل مهمة العثور عليها جميعاً أكثر صعوبة.

وفي يناير/ كانون الثاني، صرّح مسؤولون إسرائيليون بأن إيران أعادت بناء برنامجها للصواريخ الباليستية إلى حد كبير بعد حرب الـ 12 يوماً.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد 1 مارس/ آذار، أنها استخدمت قاذفات الشبح B-2 لمهاجمة "منشآت صواريخ باليستية محصنة" بقنابل زنة 2000 رطل.
وأقرّ الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن هذه المواقع كانت تحت الأرض.
وعلى مدى عقود، طورت إيران مجموعة واسعة من الصواريخ التي يمكنها ضرب أهداف تقع خارج حدودها.
وتشمل هذه الأسلحة أنواعاً مختلفة من الصواريخ الباليستية، التي تسلك مساراً مقوساً عالياً في الغلاف الجوي، ثم تستخدم الجاذبية للوصول إلى سرعات تفوق سرعة الصوت بأضعاف مضاعفة.
وقال توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لصحيفة نيويورك تايمز: "يبذل الجيش قصارى جهده لضرب هذه الأهداف. ربما لدينا فكرة جيدة عن مواقعها، لكن القدرة على الحصول على كل شيء، ومن ثم معرفة حجم الضرر الذي لحق بها من وجهة نظر تقييم أضرار المعركة، ستكون صعبة، لا سيما القيام بذلك من الجو".
وأضاف كاراكو أن القضاء على منشآت إنتاج الصواريخ الإيرانية تحت الأرض قد يشمل نشر قوات خاصة أمريكية أو إسرائيلية على الأرض لتفتيش المواقع المعروفة أو المشتبه بها.
رابعاً: اتساع رقعة الحرب
تواجه الولايات المتحدة مخاطر متزايدة على قواتها العسكرية ووجودها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، حيث تشن إيران موجات من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار في جميع أنحاء المنطقة، ما يختبر قدرتها على الدفاع عن مساحة واسعة من الأراضي.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية مقتل 6 من جنودها. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن القتلى الـ 6 سقطوا في غارة جوية بطائرة مسيّرة استهدفت قاعدة عسكرية في الكويت.
وفي سياق منفصل، أُسقطت 3 طائرات أمريكية من طراز إف-15 بنيران صديقة، على ما يبدو، فوق الكويت، الاثنين 2 مارس/ آذار، في واحدة من أكبر الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة في المعدات خلال العملية.
كما تعرضت القواعد التي تضم القوات الأمريكية لهجمات في العراق والسعودية والبحرين.
⭕️ المكتبُ الإعلاميُّ: حريقٌ في منطقةٍ صناعيةٍ بالفجيرة إثر اعتراضِ دفاعاتِ الإماراتِ لمسيّرةٍ، دون وقوعِ إصاباتٍ
— عربي بوست (@arabic_post) March 3, 2026
◾️ أعلن المكتبُ الإعلاميُّ لإمارةِ #الفجيرة في #الإمارات اليوم عن اندلاعِ حريقٍ في منطقةِ "الفجيرة للصناعة البترولية – فوز"، ناتجٍ عن سقوطِ شظايا إثر اعتراضٍ ناجحٍ… pic.twitter.com/oyfzWP26ZU
ويتمثل التحدي الذي يواجه القوات الأمريكية في التصدي للهجمات الإيرانية المنتشرة في مساحة شاسعة من الشرق الأوسط، بالتزامن مع محاولة تنسيق الدفاع الجوي مع الحلفاء المحليين. وإلى جانب حماية عشرات الآلاف من القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة، يتعين على الولايات المتحدة أيضاً حماية عشرات السفارات والمنشآت الحكومية الأخرى.
وقال رافي تشودري، مساعد وزير القوات الجوية الأمريكية السابق المسؤول عن المنشآت، إن مخزونات إيران من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى أسراب طائرات شاهد المتفجرة بدون طيار وقدرات الحرب الإلكترونية، تشكل تهديداً هائلاً للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وقال: "ستخضع المنشآت الأمريكية لاختبارات غير مسبوقة في هذا الصراع تحديداً. لقد أظهر خصومنا النية والقدرة على استهداف بنيتنا التحتية الحيوية لتعطيل قدرة الولايات المتحدة على نشر قوتها الجوية".
ويتفاقم هذا التحدي مع توسيع إيران لحملتها الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة لتشمل البنية التحتية التي تضخ جزءاً كبيراً من إمدادات النفط والغاز العالمية.
وتسبب هجوم إيراني بطائرة مسيّرة في اندلاع حريق في مركز نفطي سعودي هام، بينما أجبرت الهجمات الإيرانية على وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة له في العالم.