- تطور متسارع في العلاقات المصرية التركية
- ملفات التنسيق بين مصر وتركيا
- مجلس التعاون الاستراتيجي وزيارات مرتقبة
- الحرب الإسرائيلية "عامل تسريع للتقارب"
- إسرائيل: مهدد رئيسي ومحرك للتوافق الإقليمي
- تطور لافت في التعاون العسكري بين البلدين
- رؤية مشتركة لمنع تفكك الدول
- الطاقة والغاز: بعد اقتصادي للتقارب الاستراتيجي
في لحظة إقليمية تتسم بتسارع الأزمات وتشابك مسارات الصراع من غزة إلى القرن الإفريقي، تعود مصر وتركيا إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفهما طرفين يسعيان لإعادة هندسة التوازنات، لا عبر الصدام، بل من خلال تنسيق سياسي وأمني متنامٍ في ملفات شديدة الحساسية.
هذا التقارب، الذي خرج من عباءة الخلافات القديمة، لم يعد محصوراً في المجاملات الدبلوماسية أو الزيارات البروتوكولية، بل بدأ يترجم عملياً في مواقف مشتركة تجاه قضايا الحرب والسلام، ووحدة الدول، والتدخلات الخارجية، وفي مقدمتها التحركات الإسرائيلية في غزة والسودان والصومال.
ومع اتساع رقعة هذا التنسيق، تتزايد المؤشرات على أن العلاقات المصرية التركية تتجه نحو مرحلة أكثر عمقاً، تتجاوز إدارة الأزمات إلى محاولة صياغة توازن إقليمي جديد، خاصة في ظل مخاوف مشتركة من مشاريع التقسيم وتغيير الخرائط في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.
تطور متسارع في العلاقات المصرية التركية
أخذت العلاقات المصرية التركية في التطور على نحو سريع خلال الأشهر الماضية، وهو ما انعكس على تعدد الاتصالات على مستويات دبلوماسية مختلفة بشأن التنسيق المشترك للتعامل مع قضايا إقليمية مشتعلة، في مقدمتها قطاع غزة بعد أن أصبحت تركيا جزءاً من الوساطة التي تضم أيضاً القاهرة والدوحة.
إلى جانب المواقف المشتركة بشأن حل الأزمة السودانية ووقف الحرب الدائرة هناك منذ أكثر من 3 سنوات، وصولاً إلى التطورات الأخيرة في الصومال وإعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" كدولة مستقلة، وهو ما تمخض عنه مواقف مصرية تركية مشتركة ترفض الخطوة الإسرائيلية.
مصدر مصري مسؤول قال لـ"عربي بوست" إن العلاقات المصرية التركية تشهد تقدماً وتطوراً متسارعاً خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس رغبة مشتركة لدى البلدين، ما يهدف إلى تعزيز مسارات التعاون الثنائي والبناء على الزيارات الرسمية المتبادلة واللقاءات بين الرئيسين المصري والتركي، التي ترتب عليها تعزيز العلاقات الاقتصادية وتطوير التنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
ملفات التنسيق بين مصر وتركيا
وقف إطلاق النار في قطاع غزة
تتعدد ملفات التنسيق بين مصر وتركيا، يقول مصدر "عربي بوست" موضحاً أن هناك توافقاً على المضي قدماً نحو استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إلى جانب تقديم كافة أشكال الدعم للجنة الوطنية لإدارة القطاع التي تشكلت أخيراً.
كما يسعى البلدان للضغط من أجل نشر قوة الاستقرار الدولية التي تهدف لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، هذا بالإضافة إلى التنسيق المصري التركي بشأن إدخال المساعدات الإنسانية وتوفيرها، وكذلك الضغط باتجاه إعادة إعمار قطاع غزة، مع رفض أي إجراءات أو ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية.
السودان: هدنة إنسانية ومنع تفكك الدولة
وأوضح المصدر ذاته أن مصر وتركيا يتوافقان على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان على أن تتحول في مرحلة لاحقة، بعد عدة أشهر، إلى وقف شامل لإطلاق النار، كما أن مصر وتركيا لديهما مشتركات تؤكد على أهمية الحفاظ على وحدة الدولة السودانية وعدم السماح بتفتيتها، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، إلى جانب الضغط باتجاه إيجاد مسارات إنسانية لإيصال المساعدات.
الصومال والقرن الإفريقي: رفض الخطوة الإسرائيلية
المصدر ذاته شدد على أن التوافق يمتد أيضاً إلى الملف الصومالي، حيث كان البلدان أول من دانا الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي، كما أنهما يؤكدان دعمهما الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، ويرفضان أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية أو تقويض أسس الاستقرار.
وتتعامل مصر وتركيا مع الخطوة الإسرائيلية الأخيرة باعتبارها انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويقوض أسس السلم والأمن الإقليمي والدولي. وأشار المصدر إلى أن التفاهمات المشتركة تهدف لإحداث توازن في منطقة القرن الإفريقي في ظل التحركات الإسرائيلية الهادفة للإخلال بتوازنات الاستقرار الحالية وتشجيع النعرات الانفصالية.
مجلس التعاون الاستراتيجي وزيارات مرتقبة
بحسب المصدر ذاته، فإن هذا التقارب في ملفات شائكة يدفع نحو مزيد من التقدم على مستوى العلاقات الثنائية في مجالات اقتصادية وعسكرية وأمنية وصناعية مختلفة، الأمر الذي يؤسس لانعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى برئاسة السيسي وأردوغان في القاهرة، والمقرر له خلال الشهر المقبل، وسط توقعات بزيارة وشيكة يقوم بها الرئيس أردوغان إلى مصر خلال الأيام القادمة.
كما أشار مصدر "عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إلى أن مجلس التعاون الاستراتيجي المصري-التركي "سيمنح طفرة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية".
في فبراير/شباط 2024، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان زيارة هي الأولى له إلى القاهرة منذ 2012، قبل أن يعاود نظيره المصري زيارة أنقرة في سبتمبر/ أيلول من العام ذاته، التي شهدت تأسيس "مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى"، لينطلق مسار جديد للعلاقات بين البلدين، شهد تقارباً ملموساً ولافتاً في الأشهر الأخيرة.
وحضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مدينة شرم الشيخ المصرية حيث شهد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بوصفه وسيطاً خلال الماضي، كما شهد عام 2025 3 زيارات قام بها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة التركية أنقرة.
الحرب الإسرائيلية "عامل تسريع للتقارب"
يؤكد مصدر مصري مطلع أن العلاقات بين مصر وتركيا تشهد تقارباً منذ عام 2023، وأن البلدين تجاوزا الخلافات السابقة، وأن معالم التقارب برزت في التلاقي بشأن ملفات ليبيا والسودان، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
إذ كانت الحرب الإسرائيلية الحلقة الأهم في هذا التقارب، خاصة أن تركيا شكلت إسناداً قوياً للدور المصري الرافض لتصفية القضية الفلسطينية، وهو ما جعل أنقرة لاحقاً تلعب دور الوساطة، وهو أمر لم يكن لمصر أن ترحب به لولا حالة الدفء الراهنة في العلاقات والتنسيق المشترك بشأن كيفية التعامل مع مساعي التمدد الإقليمي الإسرائيلية.
وأوضح المصدر ذاته أن الرغبة الإسرائيلية في الهيمنة على المنطقة ساعدت مصر وتركيا على التقارب بشكل أكثر سرعة، كما قاد ذلك إلى تنسيق متصاعد بشأن ملفات مختلفة، إلى جانب تجميد نقاط الخلاف لصالح تحقيق قدر من الاستقرار في بعض الملفات التي تضر مباشرة بالأمن القومي المصري والتركي.
وأشار مصدر "عربي بوست" إلى أن تداخل ملفات سوريا وغزة ولبنان وإيران أفرز مصلحة مشتركة للتقارب، وقاد إلى وجود صوت إقليمي قوي في مواجهة مشروع تغيير الشرق الأوسط الذي ترعاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
حسب المصدر ذاته، فإن كلاً من مصر والسعودية وتركيا بات لديها حضور في مواجهة خطط تقسيم المنطقة، وهو أمر من المتوقع أن يأخذ مزيداً من التصاعد والتناغم بين الدول الثلاث في المستقبل القريب، بخاصة في ظل القلق السعودي من إعادة ترتيبات الأوضاع في اليمن الجنوبي.
كما أن الدول الثلاث لديها مصلحة في تحقيق الاستقرار بمنطقة البحر الأحمر، فالتطورات الراهنة تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط أمام مخططات لتغيير الخرائط وتقسيم الدول دون اعتبار للقوى الكبرى الفاعلة، وذلك لصالح أقليات وميليشيات تعمل على تغيير الواقع الديموغرافي.
إسرائيل: مهدد رئيسي ومحرك للتوافق الإقليمي
ولفت المصدر ذاته إلى أنه في حال كان هناك تباين بين مصر وتركيا بشأن ملفات أخرى، فإن هذا التباين يخفت الآن في ظل وجود مهدد رئيسي يتمثل في إسرائيل ومشروعاتها التوسعية، وبالتالي فإن التوافق المصري التركي نابع من مصلحة استراتيجية واضحة.
إذ إن مصر ترفض انهيار الدولة السودانية لأنها امتداد طبيعي لأمنها القومي ويؤثر مباشرة على مياه النيل والحدود والهجرة وأمن البحر الأحمر، أما بالنسبة إلى تركيا، فالسودان نقطة ارتكاز اقتصادية وجيوسياسية في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، كما أنه عنصر مهم في مشاريعها التجارية والزراعية واللوجستية، لذلك ترفض الدولتان أي مساعٍ لتقسيم السودان.
وشدد المصدر ذاته على أن التقارب المصري التركي يقلق إسرائيل التي تسعى للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وتهدف لقيادة المنطقة وفقاً لمصالحها، وفي الوقت ذاته فإن مصر وتركيا تسعيان من خلال هذا التنسيق والتقارب إلى وضع أسس وقواعد للعلاقات الإقليمية.
كما أن البلدين حريصان على المشاركة في إعادة هندسة المنطقة وتسوية الصراعات بشكل عادل وكامل، وإقامة الدولة الفلسطينية، ووقف التعديات على سوريا ولبنان، ووضع حد للغطرسة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن التقارب العسكري والمناورات البحرية الأخيرة بمثابة رسالة واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل بأنه لا يمكن تجاوزهما.
تطور لافت في التعاون العسكري بين البلدين
شهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا خلال عامي 2024 و2025 مرحلة متقدمة بعد سنوات من الجمود شبه التام، ومن أبرز هذه المؤشرات تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، الذي ضم جدول أعماله ملفات عسكرية حيوية، بما في ذلك تنسيق المناورات، وتبادل الخبرات، ومتابعة المشاريع الصناعية المرتبطة بالدفاع.
وتجسدت هذه التطورات في استئناف المناورات البحرية المشتركة تحت اسم "بحر الصداقة 2025" في سبتمبر/ أيلول 2025، بعد انقطاع دام نحو 13 عاماً، وشملت هذه المناورات وحدات بحرية وطائرات مقاتلة وقواتاً خاصة، مع التركيز على التخطيط العملياتي المشترك وتوحيد معايير العمل البحري.
ومثل هذا الحدث خطوة نوعية في العلاقات العسكرية بين البلدين، خاصة أنها جاءت في سياق إقليمي مضطرب، وتوتر العلاقات بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وكل من تركيا ومصر.
رؤية مشتركة لمنع تفكك الدول
بحسب محلل سياسي مصري، فإن هناك انسجاماً مصرياً تركياً بشأن حرب السودان والنزاعات الانفصالية في الصومال، وأن البلدين لديهما اتجاه مشترك لحل الصراعات الداخلية بهاتين الدولتين والحفاظ على وحدتهما، ومنع أن تؤدي الصراعات الداخلية إلى تفتيتهما أو إلى تدخلات خارجية من شأنها زعزعة الاستقرار أكثر من كونها سبيلاً نحو الحل.
كما أوضح المحلل السياسي في تصريح لـ"عربي بوست" أن البلدين يبدآن حقبة جديدة تتحول فيها الخصومات إلى شراكات، وفي ظل أخطار محيطة بالمنطقة ما يتطلب تنسيقاً وتعاوناً بين القوى الفاعلة، تحديداً مصر وتركيا والسعودية، والعمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة.
وأشار إلى أن تطوير العلاقات لكي تصبح تحالفات يعد أمراً ضرورياً، فالأمر حتى الآن يبقى في إطار التنسيق وليس التحالف الكامل، خاصة أن تركيا يتم محاصرتها عبر محاولات تقسيم سوريا، كما يتم حصار مصر عبر تهيئة الأوضاع في السودان نحو التقسيم، فيما تواجه السعودية خطر انفصال اليمن الجنوبي.
الطاقة والغاز: بعد اقتصادي للتقارب الاستراتيجي
وفق مصدر "عربي بوست"، فإن مصر وتركيا تعدان أكبر قوتين غير خليجيتين، والتنسيق بينهما يصوغ توازناً إقليمياً جديداً، مشيراً إلى أن التقارب المصري التركي في الفترة الأخيرة بدأ يفكك عقداً كثيرة كانت مستحيلة الحل، وانعكس ذلك على الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بعد أن كانت إسرائيل تصر على إفشال الاتفاق.
وهناك تفاهمات يجري بلورتها الآن بشأن تعاون عسكري وتكنولوجي ضخم سيتم الإعلان عنه خلال الفترة المقبلة، تبرز مصر من خلاله كمركز إقليمي للطاقة، وتركيا كجسر لأوروبا، وهو ما سيغير موازين سوق الغاز في المتوسط.
وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، الاثنين 26 يناير/كانون الثاني 2026، تصدير شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال خلال يناير الحالي، من مجمع إسالة الغاز بإدكو، لصالح شركة شل العالمية، ومتجهة إلى أحد الموانئ التركية.
وقالت الوزارة، في بيان، إن الشحنة تبلغ نحو 150 ألف متر مكعب من الغاز المسال، وتم تحميلها على متن ناقلة الغاز "ميثان بيكي آن" (METHANE BECKI ANNE)، في إطار خطة تصدير عدد من شحنات الغاز الطبيعي المسال خلال الفترة الحالية.
وعادت مصر إلى تصدير عدد من شحنات الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025، في إطار توجه يهدف إلى تعظيم العائد الاقتصادي من مجمعات الإسالة، وتعزيز مكانة البلاد كمركز إقليمي لتداول وتجارة الغاز، فضلاً عن تشجيع الشركاء الأجانب على زيادة الاستثمارات في أنشطة البحث والإنتاج.