اللحظة الأخيرة لـ”قسد”: تفاصيل الانهيار المتسارع لقوات مظلوم عبدي خلال 24 ساعة شرق سوريا

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/20 الساعة 09:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/20 الساعة 09:24 بتوقيت غرينتش
سقوط قوات "قسد" كان متسارعاً/ عربي بوست

لم يكن اتفاق "الاندماج" الذي وُقّع في 18 يناير/ كانون الثاني 2026 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي تتويجًا لمسار تفاوضي طويل، بقدر ما كان إعلانًا متأخرًا عن واقعٍ ميداني تغيّر بسرعة غير مسبوقة في شرق الفرات. خلال أقل من 24 ساعة، أُغلقت واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية تعقيدًا في سوريا أبوابها على نحو مفاجئ.

بحسب مصادر دبلوماسية وعسكرية تحدثت إلى "عربي بوست"، فإن الاتفاق كان خيارًا اضطراريًا فُرض بفعل انهيار متسارع طال البنية العسكرية والاقتصادية والاجتماعية لـ"قسد"، بعد سلسلة خسائر ميدانية وضغوط عشائرية وانسحابات داخلية لم تستطع القيادة احتواءها. ومع فقدان السيطرة على النفط والسدود، وتفكك الغطاء العشائري، تحوّل الاتفاق من ورقة سياسية إلى مخرج أخير.

هذا التقرير يرصد، استنادًا إلى مصادر ميدانية ودبلوماسية متقاطعة، كيف انتقلت "قسد" من موقع الشريك الإجباري في شرق الفرات إلى لحظة القبول باتفاق اندماج كامل، وما الذي جرى فعليًا في الساعات التي سبقت التوقيع، ولماذا يرى مراقبون أن ما حدث لا يمثل مجرد تحول عسكري، بل نهاية مسار سياسي بُني على توازنات لم تعد قائمة.

من دير حافر إلى الطبقة: تسلسل ميداني محسوب

تفيد مصادر عسكرية سورية لـ"عربي بوست" بأن العمليات بدأت مع دخول وحدات من الجيش السوري إلى دير حافر ومسكنة شرق حلب، قبل أن تتوسع باتجاه مناطق غرب الفرات، وصولاً إلى مدينة الطبقة وسد الفرات، في مسار اعتُبر تمهيدًا مباشرًا للضغط على الرقة وريفها.

وبالتوازي، شنّت مجموعات من العشائر العربية هجمات منسّقة على مواقع "قسد" وعناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في دير الزور والحسكة، مستفيدة من حالة الارتباك الداخلي وضعف التنسيق بين قيادات التنظيم، ما أدى إلى انهيار سريع في خطوط الدفاع وسقوط مناطق واسعة خلال ساعات.

وتشير المصادر إلى أن هذا التقدم لم يواجه مقاومة جدية، نتيجة الانسحابات المتتالية لعناصر "قسد"، وعجز القيادة عن إعادة تجميع الوحدات المنتشرة على جبهات متباعدة، بالتوازي مع قرار سوري واضح بحسم الملف وعدم تركه رهينة عامل الوقت.

السيطرة على الموارد الاستراتيجية شرق الفرات

وفقاً لمصادر عسكرية سورية، شكّلت السيطرة على الموارد الاستراتيجية أحد الأهداف المركزية للعملية. فقد تمكن الجيش السوري، بمساندة عشائرية مباشرة، من السيطرة على مدينة الطبقة وسد الفرات، إضافة إلى قواعد جوية ومواقع عسكرية وحقول نفط وغاز تُعد من الأهم في البلاد.

وتشمل هذه الحقول حقل العمر، الأكبر في سوريا، إلى جانب كونيكو والجفرة والتنك وصفيان و"ثورة". وتشير تقديرات عسكرية إلى أن الدولة السورية استعادت ما بين 70 و80% من إنتاج النفط والغاز خلال أيام قليلة، مع بقاء خارطة السيطرة متحركة في بعض مناطق الحسكة.

وتوضح المصادر أن فقدان "قسد" لهذه الموارد الحيوية شكّل ضربة قاصمة لبنيتها المالية والإدارية، وأفقدها القدرة على تمويل أجهزتها العسكرية والأمنية والمدنية، أو الاستمرار في إدارة نموذج "الدولة الموازية" الذي قامت عليه الإدارة الذاتية.

العشائر العربية: من الاحتقان إلى الحسم

العامل العشائري كان الحاسم في سرعة الانهيار، تؤكد مصادر حكومية سورية لـ"عربي بوست". فقد انخرطت قبائل عربية في دير الزور والرقة والبوكمال بشكل مباشر في القتال، مع حرصها هذه المرة على العمل ضمن إطار جامع، لا باسم قبيلة واحدة، لتفادي تفكيك التحرك أو احتوائه عبر وساطات جزئية.

وتشير المصادر إلى أن العشائر السورية لعبت دورًا مزدوجًا في سيطرة الحكومة السورية على المنطقة: عسكرياً عبر الهجمات المباشرة، وسياسياً عبر دعوة أبنائها للانشقاق عن "قسد"، في خطاب تماهى بشكل واضح مع خطاب الدولة السورية حول وحدة البلاد ورفض السلاح خارج مؤسساتها.

بحسب المصادر ذاتها، فإن هذه الانتفاضة تختلف عن محطات سابقة بقيت محدودة زمنياً، إذ جاءت هذه المرة على وقع تغيّر فعلي في موازين القوى، وتراجع الغطاء الدولي الذي كانت تعتمد عليه "قسد" لاحتواء أي تمرّد محلي.

استمالة العشائر: مستشار الشرع على الخط

أكدت مصادر حكومية سورية لـ"عربي بوست" أن القيادة السورية فضّلت منذ بداية التصعيد اعتماد مسار تفكيك تدريجي للمسار الفصائلي الكردي سياسياً وعشائرياً، بدلاً من خوض معركة عسكرية مفتوحة في شمال وشرق البلاد، كانت ستُخلّف خسائر بشرية ومادية كبيرة، وتفتح الباب أمام تعقيدات إقليمية ودولية إضافية.

ووفق هذه المصادر، يتمثل الهدف غير المُعلن للرئيس أحمد الشرع في إنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، مع السعي في الوقت نفسه إلى دمج ما تبقى من "قسد" ضمن بنية الدولة السورية الجديدة، بما يضمن تمثيل المكوّن الكردي داخل المؤسسات العسكرية والمدنية الرسمية، من دون الإبقاء على أي كيان مسلح مستقل أو إطار أمني موازٍ.

وتكشف معلومات محدثة حصل عليها "عربي بوست" من مصدر عسكري سوري أن إخراج مقاتلي "قسد" من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب لم يكن نتيجة ضغط عسكري مباشر فقط، بل جاء ثمرة مسار تنسيقي داخلي بدأ قبل نحو شهر، وشمل قنوات تواصل مع عناصر عشائرية فاعلة داخل الحيين.

وبحسب المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه، لعبت مجموعات من أبناء عشيرة البكارة، المرتبطة بـ"قسد" منذ عام 2012، دورًا محوريًا في تمرير هذه المرحلة وتحييد جزء من القوة المقاتلة، ما سهّل انسحاب التنظيم من دون معركة واسعة داخل الأحياء المكتظة.

وتشير المصادر إلى أن عدداً من هؤلاء العناصر انتقلوا لاحقاً إلى دمشق، وتحديداً إلى منطقة المرجة، حيث جرى التعامل معهم ضمن مسار تسويات فردية وتدقيق أمني، تحت إشراف مباشر من جهاز الأمن الداخلي السوري، في إطار نموذج تعمل القيادة السورية على تعميمه في مناطق أخرى.

كما تؤكد المصادر أن هذا المسار جرى بإشراف مباشر من أبو أحمد زكور، مستشار الرئيس السوري لشؤون العشائر، الذي يدير منذ أشهر شبكة تواصل عشائري ممتدة من ريف حلب الشرقي إلى الرقة ودير الزور، ضمن مشروع أوسع لإعادة ضبط شرق الفرات وتفكيك البنية الاجتماعية والعسكرية التي استندت إليها "قسد"، وإعادة إدماج العشائر العربية والكردية ضمن سلطة الدولة المركزية، بالتوازي مع التطورات الميدانية الأخيرة.

الخسارة الخامسة على التوالي لـ"قسد"

وفق مصادر دبلوماسية عربية، فإن ما جرى يُعد الخسارة العسكرية الخامسة لـ"قسد" منذ عام 2018، لكنها تختلف جذرياً عن سابقاتها. ففي جولات عفرين، وتل أبيض ورأس العين، وتل رفعت ومنبج، ثم الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، نجحت "قسد" في امتصاص الضربات وإعادة التموضع، مع الحفاظ على نواة مشروعها.

أما في جولة 2026، فقد طالت الخسارة القلب الجغرافي والسياسي لما يُعرف بالإدارة الذاتية، وأدّت إلى تفكك بنيتها العسكرية وانهيار صورتها كقوة جامعة متعددة المكونات.

وبحسب مصادر عسكرية سورية، أدّت الانسحابات الجماعية للتشكيلات العربية، وتفكك المجالس العسكرية المحلية في دير الزور والرقة والحسكة، إلى عودة قوات سوريا الديمقراطية عملياً إلى نواتها الأصلية المرتبطة بوحدات حماية الشعب (YPG).

وتشير المصادر إلى أن التنظيم الذي تأسس عام 2015 كمظلّة عسكرية عابرة للهويات لتجاوز الحرج السياسي المرتبط بحزب العمال الكردستاني فقد الغطاء الذي مكّنه من التوسع، وبات يُنظر إليه محلياً كقوة كردية صِرفة تفتقد القاعدة الاجتماعية في معظم مناطق انتشاره السابقة، لا سيما مع تغلغل أيديولوجيا حزب العمال الكردستاني داخل مؤسساته.

الحسكة والشدادي: نقطة اللاعودة

تؤكد معلومات عسكرية سورية أن مناطق الحسكة والشدادي وجبل عبد العزيز شهدت فوضى أمنية غير مسبوقة مع بدء العمليات. ومع تصاعد التمرّد العشائري وانسحاب المقاتلين العرب، لجأت قوات "قسد" إلى إجراءات أمنية مشددة في محاولة أخيرة لضبط المشهد.

غير أن هذه الإجراءات، بحسب المصادر، عمّقت القطيعة النهائية مع المجتمع المحلي، وأسهمت في سقوط ضحايا مدنيين، ما سرّع انهيار ما تبقى من شرعية الإدارة الذاتية، وخلق واقعاً ميدانياً مهّد للقبول باتفاق الاندماج.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر دبلوماسية عربية أن الاتفاق الموقع لا يقوم على تقاسم سلطة أو إدارة مشتركة، بل على شروط اندماج كامل. فمع تفكك البنية متعددة المكونات، بات الدمج يطال أساساً بقايا التشكيلات المرتبطة بـ"قسد"، وبأعداد أقل بكثير مما كانت عليه القوة في ذروتها.

وتشير المصادر إلى أن تنفيذ الاتفاق يعني عملياً حلّ "الإدارة الذاتية" بكل مؤسساتها السياسية والمدنية، من مجلس سوريا الديمقراطية إلى المجالس المحلية والخدمية، وتحويل التجربة إلى مرحلة منتهية، مع الإبقاء فقط على ما سيُكرّس دستورياً من حقوق ثقافية وسياسية للمواطنين السوريين الكرد، إضافة إلى تسويات فردية لبعض القيادات.

نهاية مشروع، لا نهاية صراع

تخلص المصادر العسكرية والدبلوماسية إلى أن ما جرى في شرق سوريا لا يُعد مجرد تحوّل ميداني عابر، بل نهاية مسار سياسي وعسكري بُني على الرهان على القوة والغطاء الدولي، وتجاهل التوازنات الاجتماعية السورية.

وبهذا المعنى، فإن قوات سوريا الديمقراطية، ككيان جامع تأسس عام 2015، انتهت فعلياً. وما تشهده المنطقة اليوم ليس اندماجاً متكافئاً، بل تفككاً تدريجياً انتهى بذوبان النواة المسلحة داخل الدولة السورية، وعودة السيطرة المركزية على واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيداً خلال العقد الأخير.

تحميل المزيد