- لماذا ليبيا "غرفة صدى" في الخلاف السعودي الإماراتي؟
- السودان: كيف دخل ليبيا وهو بلا حدود مباشرة معها؟
- الكُفرة: بوابة تتحول إلى "ترس" إقليمي
- سقف التنافس الخليجي في ليبيا
- طرابلس: اختبار "المياه" بين الإعلان والتنفيذ
- مؤشر جديد: زيارة مرتقبة إلى الرياض
- مصر: نفوذ دولة عبر بوابة الحدود
- تركيا: من حصرية طرابلس إلى سياسة القناتين
- كيف ينعكس الخلاف السعودي–الإماراتي داخل ليبيا؟
- ماذا نراقب في الربع الأول 2026؟
- الحدود والدولة في ميزان 2026
ليبيا لا تدخل في الخلاف السعودي الإماراتي من بوابة العناوين، "بل من شقوق الجغرافيا"، فبينما لا تبدو طرابلس أو بنغازي مرشحتين لصدام سياسي خليجي مباشر، تعمل البلاد في العمق كـ"غرفة صدى" تلتقط ارتدادات الصراعات الإقليمية حين تمر عبر ساحات أكثر اشتعالًا، ثم تعيد إنتاجها داخليًا على هيئة ممرات لوجستية، واقتصاد ظل، واستثمارات منخفضة الضجيج.
في هذا السياق، لا يظهر التباين السعودي–الإماراتي في ليبيا كمعركة نفوذ صريحة، بل كاختلاف في الأدوات ومسارات التأثير. فحرب السودان، واتساع شبكات العبور الصحراوية، وصعود الجنوب الليبي، وتحديدًا الكُفرة، كعقدة تشغيل إقليمية، أعادت تشكيل حسابات أطراف مؤثرة، من القاهرة وأنقرة إلى الرياض وأبوظبي، مع دخول عام 2026.
هذا التقرير يتتبع كيف تحوّلت ليبيا إلى ساحة ارتداد غير مباشر للخلافات الإقليمية، وكيف تتبدل أدوات النفوذ وتُعاد التموضعات، دون أن تتحول البلاد إلى مسرح صدام معلن، بل إلى مساحة تنافس "مُدار" تُقاس فيه السياسة بالممرات والمشاريع أكثر ما تُقاس بالتصريحات.
لماذا ليبيا "غرفة صدى" في الخلاف السعودي الإماراتي؟
ليبيا ليست الساحة المرجّحة لصدام سياسي مباشر بين السعودية والإمارات. لا مؤشرات على "معركة أعلام" داخل طرابلس أو بنغازي، ولا مصلحة لأي طرف خليجي في تحويل ليبيا إلى مسرح تصفية حسابات مكشوف.
لكن هذا لا يعني أن ليبيا خارج نطاق التأثر. على العكس: تعمل ليبيا اليوم كـ"غرفة صدى" تلتقط ارتدادات الخلافات الإقليمية حين تمر عبر ساحات أخرى أكثر سخونة، ثم تعيد إنتاجها داخل البلاد على هيئة ممرات لوجستية، واقتصاد ظل، واستثمارات منخفضة الضجيج.
المفتاح لفهم هذه المعادلة هو حرب السودان. فالسودان لا "يدخل" ليبيا بوصفه دولة نفوذ أو طرفاً سياسياً في طرابلس وبنغازي، بل يدخلها كحرب طويلة تُنتج طلباً ومسارات (وقود، سلاح، مركبات، وخدمات عبور).
وحين تبحث الشبكات عن طرق صحراوية أقل رقابة، يصبح جنوب شرق ليبيا، وتحديداً الكُفرة، حلقة وصل تتضخم أهميتها بسرعة، فتتحول إلى ورقة ضغط إقليمية تُحرّك حسابات أطراف مؤثرة، وتدفع دول نفوذ مثل مصر وتركيا إلى إعادة التموضع، بينما تفضّل السعودية، وفق مؤشرات متعددة، اختبار بوابة اقتصادية-خدمية أقل ضجيجاً بدل الدخول في لعبة الممرات.
وخلال النصف الثاني من 2025 تزامنت ثلاثة تطورات أعادت الجنوب الليبي إلى واجهة الاهتمام: اتساع حرب السودان وما تبعها من حديث متزايد عن مسارات إمداد عبر الصحراء، وصعود الكُفرة كعقدة لوجستية في تقارير دولية، ثم تصاعد التوتر السعودي–الإماراتي في اليمن نهاية العام وبداية 2026.
هذا التزامن لا يعني أن ليبيا تحولت إلى ساحة صدام خليجي بين السعودية والإمارات، لكنه يفسّر لماذا باتت "الأدوات" أهم من "العناوين"، ولماذا أصبحت مراقبة الممرات والاستثمارات والزيارات أكثر دلالة من قراءة التصريحات وحدها.
السودان: كيف دخل ليبيا وهو بلا حدود مباشرة معها؟
قد يبدو إدخال السودان في تقرير عن ليبيا أمراً مربكاً للوهلة الأولى: لا حدود مباشرة بين البلدين، ولا نفوذ سوداني مؤسسي داخل طرابلس أو بنغازي. لكن السودان يدخل ليبيا عبر 3 بوابات تشغيلية:
- بوابة الصحراء والممرات: اتصال عملي عبر فضاء ليبيا–تشاد–دارفور، حيث تتحول الطرق الصحراوية إلى بدائل للشبكات عندما تشتد الرقابة على المسارات التقليدية.
- بوابة اقتصاد الحرب: الحرب ترفع الطلب على الوقود والسلاح والمركبات والعتاد والخدمات اللوجستية، فتبحث الشبكات عن نقاط عبور وتخزين وإمداد.
- بوابة الارتداد الأمني: تغيّر مسارات النزوح والتهريب يضغط على مصر أولاً (أمن حدود/هجرة/بحر أحمر)، ثم ينعكس على شرق ليبيا وجنوبها، وعلى حسابات تركيا والخليج في ليبيا.
بهذا المعنى، السودان لا يفاوض في طرابلس ولا ينافس في بنغازي، لكنه يدفع الجنوب الليبي إلى واجهة الأحداث لأنه يحوّله إلى ممر—وفي ليبيا، الممرات تتحول سريعاً إلى نفوذ.
الكُفرة: بوابة تتحول إلى "ترس" إقليمي
خلال 2025، تصاعدت دلالات الكُفرة باعتبارها عقدة تشغيل في فضاء الصحراء. ومن زاوية الشبكات، تصبح الكُفرة أكثر من مدينة؛ تصبح نقطة ضبط أو نقطة تسرب: من يملك القدرة على تشغيلها أو تعطيلها، يملك ورقة تأثير تمتد آثارها إلى خارج ليبيا.
في هذا السياق، يوضح الباحث جلال حرشاوي أن التحولات التي شهدتها الكُفرة خلال الأشهر 9 إلى 12 الماضية لا يمكن قراءتها بمعزل عن تقاطع 4 أطراف: الإمارات، وعائلة حفتر، ومصر، وقوات الدعم السريع السودانية. والأهم في قراءته أنه يضع قيداً تفسيرياً يمنع القفز إلى استنتاجات سهلة:
السعودية، وفق حرشاوي، لم تلعب دوراً مباشراً في الأنشطة المرتبطة بالنزاع السوداني داخل ليبيا؛ وحتى دعمها للبرهان منذ اندلاع الحرب تركز، بحسب تقديره، داخل مسارح السودان الأساسية (الخرطوم وبورتسودان) أكثر من المسارات الصحراوية المرتبطة بشمال دارفور.
هذا التفريق جوهري لأنه يدعم زاوية "غرفة الصدى": الممرات قد تُدار عبر شبكات وتحالفات تشغيلية، دون أن تتحول بالضرورة إلى منافسة خليجية سياسية مباشرة داخل ليبيا.
ميدانياً، لا تعمل الكُفرة كمنشأة معزولة عن المجتمع المحلي. فالجنوب الليبي خليط من هشاشة خدمات، واقتصاد ظل، ومسافات شاسعة، وقدرات محدودة على الرقابة؛ وهي شروط تجعل أي ممر لوجستي قابلاً للتحول سريعاً إلى سوق ووظائف وحماية محلية. لهذا تصبح السيطرة على "العبور" شكلاً من أشكال السلطة، حتى قبل أن تتحول إلى سياسة رسمية.
سقف التنافس الخليجي في ليبيا
كي لا يتحول التقرير إلى سردية "تصعيد حتمي"، من الضروري وضع سقف دبلوماسي لاحتمالات الصدام. هنا تفيد مداخلة جوناثان واينر، الباحث في معهد الشرق الأوسط (MEI) والمسؤول الأميركي السابق، الذي يقرأ التباين السعودي–الإماراتي من زاوية المصالح الوجودية:
اليمن جار للسعودية ويمس أمنها القومي مباشرة، بينما لا يرى لليبيا الوزن نفسه في حسابات الرياض. لذلك يرجّح واينر أن التباين، مهما ارتفع، أقرب إلى أن يُدار ويُحتوى من أن يتمدد إلى صراع جديد، وأن ليبيا ليست مرشحة لتكون ساحة تنافس سعودي–إماراتي مباشر.
لكن واينر يضيف نقطة تخدم زاويتنا بدقة: حتى إذا بقي التنافس "مُداراً"، فإن السعودية قد تُوسّع حضورها عبر قنوات الاستثمار (خصوصاً المياه والبنية التحتية) وإن كان ذلك "في مرحلة مبكرة". ويقترح مؤشراً عملياً للرصد في الربع الأول 2026: ظهور نمط لقاءات منتظم بين مسؤولين سعوديين أو شركات ذات صلة وبين حكومة الدبيبة أو أفراد من عائلة حفتر قد يعني بناء حضور مستقل "كتحوط"، مع بقاء المنافسة ضمن إطار مُدار.
طرابلس: اختبار "المياه" بين الإعلان والتنفيذ
إذا كانت الكُفرة تمثل بوابة النفوذ الشبكي، فإن طرابلس تقدم نموذجاً آخر: النفوذ منخفض الضجيج عبر المشاريع الخدمية. ففي ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الإسكان والتعمير الليبية توقيع مذكرتي تفاهم مع مجموعة "أميانتيت" السعودية وشركتها التابعة PWT الألمانية.
وتشمل، بحسب الإعلان، التعاون في حلول نقل وتوزيع المياه، وشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وإدخال تقنيات المعالجة والتحلية وتطوير الكوادر المحلية واستدامة المشاريع، مع حديث عن لقاء لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مع وفد من المجموعة بحضور وزير الإسكان لدفع التعاون وتعزيز فرص الاستثمار وتطوير مشاريع البنية التحتية.
تحليلياً، أهمية الإعلان ليست في كونه "عقوداً" (هو مذكرات تفاهم)، بل في أنه يقدم نموذجاً عملياً لنفوذ يمكن أن يتراكم ببطء: مشاريع طويلة الأمد تنتج علاقات تشغيل (توريد، صيانة، تدريب، تمويل) قد تتحول إلى وزن سياسي إذا غابت قواعد موحدة للطرح والإسناد والرقابة. لذلك، معيار القياس خلال 2026 يتلخص في 3 أسئلة عملية:
هل تتحول مذكرات التفاهم إلى عقود ممولة وجداول تنفيذ وبداية أعمال؟
ما طبيعة آليات الإسناد والرقابة والطرح والتنفيذ؟
هل تُدار المشاريع بمعيار مؤسسي واحد أم تصبح مساراً إضافياً داخل ازدواجية المؤسسات بين الشرق والغرب؟
وفي ليبيا، كما يعرف العاملون في البنية التحتية، الفارق بين مذكرة تفاهم ومشروع قائم أكبر من الفارق بين ورقة A4 وحقيقة على الأرض.
مؤشر جديد: زيارة مرتقبة إلى الرياض
ضمن المؤشرات الجديدة التي تقوّي قراءة الحضور السعودي منخفض الضجيج، أفادت مصادر حكومية وإعلامية مقربة من حكومة الوحدة بوجود زيارة مرتقبة لوفد حكومي رفيع من طرابلس إلى السعودية خلال يناير/ كانون الثاني 2026.
أهمية هذا المؤشر أنه، إن تم، ينقل العلاقة من "إشارات" إلى قناة تواصل قابلة للتكرار، وهو ما يتسق مع معيار واينر حول رصد نمط اللقاءات المنتظم باعتباره دليلاً على قرار بناء حضور مستقل/تحوطي، لا مجرد تواصل عابر.
ويُقدَّم هذا التطور بوصفه "ترتيبات واستعدادات" طالما لم يصدر إعلان رسمي نهائي بموعد محدد، لكن مجرد تداوله من مصادر حكومية يمنحه قيمة كمؤشر يجب مراقبته، لا كخبر يُغلق بفقرة واحدة.
مصر: نفوذ دولة عبر بوابة الحدود
مصر لاعب نفوذ في ليبيا، لكن حضورها يُقرأ أساساً عبر أمن الحدود. كلما ارتفعت حرارة السودان، ارتفعت حساسية القاهرة تجاه الجنوب الصحراوي ومسارات الهجرة والسلاح والتهريب. وحين تتغير حساسية القاهرة، يتغير ضغطها على شرق ليبيا وتوازناته، لأن الشرق في الحسابات المصرية ليس شريكاً فقط، بل جزء من معادلة منطقة عازلة في مخيال الأمن القومي.
بهذا المعنى، تتحول الكُفرة من ملف ليبي داخلي إلى سؤال مصري عملي: إذا أصبح الجنوب ممراً مؤثراً في حرب مجاورة، تتغير كلفة تجاهله.
تركيا: من حصرية طرابلس إلى سياسة القناتين
في المقابل، أعادت تركيا خلال 2025 ضبط مقاربتها الليبية. بعد سنوات من تركيز القناة الأساسية على غرب ليبيا، ظهرت مؤشرات على توسع قنوات التواصل مع الشرق، ما يعكس انتقالاً من "الرهان الأحادي" إلى "سياسة القناتين".
تُقرأ هذه السياسة كاستجابة لبيئة تتعدد فيها الأبواب: الجنوب المضغوط بحرب السودان، حسابات مصر، توازنات المتوسط والهجرة… كلها عوامل ترفع قيمة امتلاك أكثر من قناة داخل ليبيا. وبمجرد أن تتعدد القنوات، يصبح النفوذ الخليجي مضطراً للتكيّف مع بيئة لا تسمح بالاحتكار السهل لأي معسكر.
كيف ينعكس الخلاف السعودي–الإماراتي داخل ليبيا؟
الخلاف الخليجي لا يظهر في ليبيا كصراع مباشر، بل كاختلاف في هندسة النفوذ:
- الإمارات تميل إلى نفوذ شبكي والتحوط عبر شركاء محليين ومسارات أمنية/لوجستية.
- السعودية تميل—وفق ما يراه واينر وما يعززه مسار المياه والمؤشرات الدبلوماسية—إلى أدوات رسمية/اقتصادية منخفضة الضجيج تُقاس بالمشاريع والزيارات والاتصالات، لا بممرات الصحراء.
وتأتي قراءة محمد القبلاوي، الناطق السابق باسم وزارة الخارجية، لتدعم منطق الأولويات: إذ يرى أن من المبكر تثبيت سيناريو نهائي لنهج السعودية في ليبيا لأن ملفات مثل اليمن والسودان تظل أثقل وزناً في ترتيب الاهتمامات السعودية، مع إقرار بأن ليبيا قد تتأثر بالارتداد بشكل غير مباشر وأقل حدّة.
ويضيف د. البشير محمد إبراهيم، مدير مركز معالم لدراسات العلاقات السياسية والدولية، أن التباين السعودي–الإماراتي قديم لكنه بلغ مستوى أعلى من الحساسية عندما يتصل بالأمن القومي، وأن الارتدادات قد تُلمس في ساحات هشّة مثل ليبيا عبر شبكات التمويل واللوجستيات، مع احتمال انتقال الإقليم نحو "تحالفات أدوات" تُقاس ما تفعله على الأرض أكثر ما تُقاس ما ترفعه من شعارات.
ماذا نراقب في الربع الأول 2026؟
بدلاً من عبارات عامة، يمكن ضبط مؤشرات 2026 بمعايير قابلة للقياس:
- الكُفرة: رصد حركة الطيران والشحن عبر تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية.
- الرياض/طرابلس: رصد نمط لقاءات منتظم لا زيارة واحدة.
- ملف المياه: الانتقال من مذكرات التفاهم إلى عطاءات وعقود ممولة.
- تركيا/الشرق: سلسلة خطوات ملموسة لا إشارات بروتوكولية.
بهذه المعايير تصبح المؤشرات مثل "عدّاد كهرباء": إمّا يتحرك أو لا يتحرك.
الحدود والدولة في ميزان 2026
في 2026، لن تكون ليبيا مرشحة لصدام سعودي–إماراتي مباشر، لكنها ستظل شديدة التأثر بتبدّل الأدوات وتحوّل الأولويات في الإقليم. حرب السودان رفعت قيمة الجنوب الليبي كممرّ، والكُفرة باتت اختباراً عملياً لكيفية انتقال الارتدادات. وفي المقابل، يفتح مسار "المياه" نافذة لنفوذ منخفض الضجيج قد يتوسع إذا تحوّل من نية إلى تنفيذ.
المحصلة أن ما سيحدد موقع ليبيا في هذه المعادلة ليس كثافة التصريحات، بل قدرة الدولة على تقليص قابلية البلاد للاستخدام: ضبط الحدود، كبح اقتصاد التهريب، وتوحيد المعايير المؤسسية. كل خطوة في هذا الاتجاه تخفّض "صدى" الإقليم داخل ليبيا، وتعيد السياسة إلى مسارها الطبيعي: مؤسسات تقرر، لا ممرات تفرض.