بين ما قيل رسميًا بلغة دبلوماسية محايدة، وما دار خلف الأبواب المغلقة بنبرة أكثر صراحة، جاءت زيارة الفريق أول ركن صدام حفتر إلى القاهرة لتفتح نافذة على ملفات تتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية. فالسودان، والجنوب الليبي، وحساسية المثلث الحدودي، كلها كانت حاضرة في غرفة النقاش، حتى إن غابت عن البيانات العلنية.
الزيارة، بحسب مصدر دبلوماسي مطّلع، لم تكن منفصلة عن سياق إقليمي متوتر، ولا عن إعادة ترتيب أولويات الأمن القومي المصري في ظل حرب مفتوحة جنوبًا، ومسارات تهريب وسلاح لم تعد تُدار باعتبارها "هوامش جغرافية"، بل كعُقد تشغيلية ذات أثر مباشر على الاستقرار الإقليمي.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعلان القاهرة "تطابق المواقف" مع الرياض إزاء أزمات المنطقة، وعلى رأسها وحدة السودان، ما يرفع سقف القراءة السياسية للزيارة، فحين يتقاطع التنسيق السياسي عالي المستوى مع مسارات أمنية حساسة، يصبح الصمت الرسمي بحد ذاته رسالة.
بين البيان الرسمي وحديث الكواليس
قال مصدر دبلوماسي مطّلع إن زيارة صدام حفتر إلى القاهرة جاءت بطلب من جهة رسمية رفيعة لمناقشة ملف أمني حساس مرتبط بالحرب في السودان، وعلى رأسه وقف أي مسارات دعم لقوات الدعم السريع عبر الجنوب الليبي.
وأضاف المصدر، مفضلًا عدم ذكر اسمه، أن صدام حفتر "لم يقدم حتى الآن تعهدات تنفيذية قابلة للقياس على الأرض"، وأشار إلى أن نجل الجنرال الليبي المتقاعد الذي يحكم شرق ليبيا يميل إلى "المراوغة" حين يصل النقاش إلى آليات التحقق الميداني، وليس إلى مستوى النوايا أو الخطاب العام.
مصدر "عربي بوست" أشار إلى وجود توجه داخل مؤسسات معنية لإعادة تقييم مساحة دور أبناء حفتر خلال المرحلة المقبلة، دون تحديد أدوات أو سقف زمني واضح. هذه الرواية لا تؤكدها بيانات رسمية منشورة بتفاصيلها، لكنها تكتسب وزنًا إضافيًا حين توضع داخل سياقين متزامنين:
أولًا، تصاعد حساسية القاهرة تجاه "المثلث الحدودي" (مصر–ليبيا–السودان)،
وثانيًا، إعلان الرئاسة المصرية مؤخرًا "تطابق المواقف" مع السعودية بشأن وحدة السودان واليمن والصومال، مع تشديد الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضرورة تكثيف التنسيق إزاء أزمات المنطقة.
ماذا قيل رسميًا عن لقاءات صدام حفتر؟
في العلن، جاءت اللغة العامة هي العنوان. ففي بيان للقوات المسلحة المصرية نقلته وسائل إعلام محلية، ورد أن وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أول عبد المجيد صقر التقى صدام حفتر في القاهرة، وبحث معه "تعزيز علاقات التعاون العسكري، ومناقشة المستجدات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار".
وحسب ما جاء في بيان الجيش المصري، فإن رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة استقبله كذلك في إطار "التنسيق والتشاور العسكري، وبحث قضايا ذات اهتمام مشترك"، مع مراسم استقبال رسمية.
هذا النوع من البيانات عادة ما يقدّم "الإطار" دون "المحتوى": تعاون عسكري، مستجدات، أمن واستقرار. لكن توقيت الزيارة، وتزامنه مع رسائل سياسية أعلى مستوى بين القاهرة والرياض، يجعل السؤال الملح: ما الذي تُفضّل القاهرة عدم قوله علنًا، لكنها تُصرّ على وضعه على الطاولة داخل الغرف المغلقة؟
لماذا السودان حاضر في غرفة القاهرة؟
لفهم ذلك، يكفي النظر إلى الجنوب الليبي بوصفه "بوابة تشغيلية" لا مجرد هامش جغرافي. في 10 يونيو/ حزيران 2025 نقلت وكالة "رويترز" اتهام الجيش السوداني لقوات تحت قيادة خليفة حفتر بمهاجمة مواقع حدودية، وهو الاتهام الأول من نوعه بشأن "تورط مباشر" لجارٍ شمالي غربي في حرب السودان، بينما نفت قوات حفتر الاتهام وقدمت رواية مضادة.
في اليوم التالي، قالت رويترز إن الجيش السوداني انسحب من منطقة المثلث الحدودي ضمن "ترتيبات دفاعية"، بعد اتهامه قوات موالية لحفتر، وبالتنسيق مع قوات الدعم السريع، بشن هجوم، مع تبادل نفي واتهامات متبادلة، وإشارة إلى حساسية الممر بوصفه محتملًا لتهريب الأسلحة.
بالنسبة للقاهرة، لا تُعد هذه التطورات مجرد "حرب روايات" على أطراف الصحراء، بل معادلة أمن قومي. فإذا استُخدم الجنوب الليبي كمسار إمداد أو مساحة رمادية تُدار فيها التفاهمات بالنصف، فإن كل وعد لا يتحول إلى أثر ملموس على الأرض يصبح غير ذي قيمة.
تعهدات "قابلة للقياس"
من هنا يمكن فهم عبارة المصدر حول الحاجة إلى "تعهدات قابلة للقياس": إجراءات ميدانية، نقاط ضبط، منع مرور، تعاون معلوماتي، وتغييرات ملموسة يمكن اختبارها والتحقق منها، لا بيانات عامة تصلح لكل المواسم.
وقبل أيام من اللقاءات العسكرية في القاهرة، أعلنت الرئاسة المصرية أن القاهرة والرياض تتبنيان "مواقف متطابقة" تجاه أزمات إقليمية، مع التركيز على حلول سلمية تحفظ وحدة وسيادة وسلامة أراضي السودان واليمن والصومال، مع تشديد السيسي على أهمية تكثيف التنسيق إزاء الأزمات الجارية في المنطقة.
هذا البيان لا يتحدث عن ليبيا ولا عن صدام حفتر، لكنه يرفع سقف القراءة السياسية، فعندما تعلن القاهرة تطابقًا مع الرياض في ملفات "الوحدة والسيادة"، يصبح من المنطقي أن تتحرك على المسار الأمني ما ينسجم مع هذا السقف، خصوصًا حيث تتقاطع حرب السودان مع حدود مصر والجنوب الليبي.
الحساسية من "المسارات الرمادية"
تتضاعف حساسية الملف لأن اتهامات الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع تحولت إلى محور ثابت في تقارير دولية. ففي 12 ديسمبر 2024 نشرت رويترز تقريرًا عن رحلات شحن متكررة من الإمارات إلى مهبط في أم جرس بتشاد، وسط شبهات باستخدام الرحلات لإيصال أسلحة، وهو ما نفته أبوظبي، مؤكدة أن الرحلات إنسانية وتخدم مستشفى ميدانيًا.
وفي 31 ديسمبر 2025 أشارت رويترز إلى أن مراقبي عقوبات أمميين وصفوا ما اعتبروه "ادعاءات ذات مصداقية" بشأن تقديم الإمارات دعمًا عسكريًا لقوات الدعم السريع، مع استمرار النفي الإماراتي.
كما تناول تقرير آخر في 29 أبريل 2025 تحقيق خبراء أمميين في كيفية وصول ذخائر كانت ضمن صادرات إلى الإمارات إلى مسرح الصراع في السودان، مع إبراز الموقف الإماراتي القائل إن التقرير لا يثبت دعمًا مسلحًا.
هذه الخلفية تجعل أي "ممر محتمل" عبر الجنوب الليبي قضية تتجاوز ليبيا والسودان إلى شبكة علاقات إقليمية أوسع، وتفسر سبب إصرار القاهرة، وفق رواية المصدر، على ضمانات لا تُترك للتقدير الشخصي أو لتوازنات محلية متقلبة.
أين يدخل "الضغط السعودي"؟
إذا كان محور السودان يفسر "لماذا الآن"، فإن محور اليمن يفسر "لماذا بهذه الحساسية". ففي مطلع يناير/ كانون الثاني 2026 شهد التحالف الذي تقوده السعودية تصاعدًا غير معتاد في التوتر، مع اتهامات علنية مرتبطة بزعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي.
في 7 يناير/ كانون الثاني 2026 قالت رويترز إن الزبيدي تفادى محادثات كانت مقررة في الرياض، ما عمّق أزمة داخل التحالف. وفي اليوم التالي، نقلت الوكالة اتهام التحالف للإمارات بالمساعدة في إخراج الزبيدي عبر مسار بحري ثم جوي وصولًا إلى أبوظبي، وفق رواية التحالف. كما أوردت أسوشيتد برس اتهامًا سعوديًا مماثلًا.
في هذا المناخ، يصبح طرح المصدر حول تضييق الهوامش قابلًا للقراءة السياسية، ليس بمعنى أوامر مباشرة، بل كنتيجة لبيئة إقليمية تدفع الحلفاء إلى تقليص المساحات الرمادية في ملفات الحدود والسودان ومسارات التهريب.
ما الذي قد يعنيه "إعادة التقييم" عمليًا؟
إذا صحّ توجه إعادة تقييم مساحة دور أبناء حفتر، فلا يلزم أن يظهر ذلك في بيان رسمي. قد يأخذ شكل إعادة ضبط قنوات الاتصال لتصبح أكثر مؤسسية وأقل شخصنة، ورفع اشتراطات التحقق الميداني في الجنوب الليبي مقابل استمرار التعاون العسكري والأمني، وتقليص هامش المناورة في ملفات بعينها لصالح التزامات محددة قابلة للمتابعة.
المعيار هنا ليس ما يُقال، بل ما قد يظهر لاحقًا على الأرض: تغييرات ملموسة في أنماط الحركة عبر الجنوب الليبي، أو تراجع الاتهامات حول المثلث الحدودي، أو إغلاق مسارات تهريب بعينها.
في المحصلة، تبدو زيارة صدام حفتر إلى القاهرة، بين رواية المصدر ولغة البيانات الرسمية، كاختبار للفارق بين "التنسيق والضبط". وفي موازاة إعلان الرئاسة المصرية تطابق المواقف مع السعودية بشأن وحدة السودان واليمن والصومال، تتقدم فرضية أن القاهرة تسعى إلى ترجمة هذا السقف السياسي إلى نتائج أمنية ملموسة، خصوصًا في المثلث الحدودي الذي تحول إلى خط تماس محتمل مع حرب السودان.
وتبقى المعلومات المنسوبة إلى المصدر غير مؤكدة رسميًا بتفاصيلها، وقد طلب عدم الكشف عن هويته، فيما يظل السياق الإقليمي المتوتر كافيًا لتفسير لماذا تُدار بعض الملفات بعبارات هادئة في العلن، وبمقاييس صارمة في الكواليس.