حصري: ما الرسائل التي حملها وزير الخارجية الإيراني إلى حزب الله؟ وتحركات دولية لـ”طمأنة” لبنان

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/14 الساعة 08:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/14 الساعة 08:15 بتوقيت غرينتش
تحركات دبلوماسية متواصلة في لبنان/ عربي بوست

دخل لبنان مجددًا مرحلة سياسية شديدة الحساسية، مع تحوّله إلى نقطة تقاطع مباشرة بين مسارات التصعيد الإقليمي ومحاولات احتوائه. فخلال أسابيع قليلة، تراكمت في بيروت زيارات ورسائل وتحركات دبلوماسية، عكست بوضوح انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات الموضعية إلى مرحلة البحث عن صيغ تسوية كبرى، يكون لبنان أحد ساحاتها الأساسية.

في هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت في توقيت لا يمكن فصله عن التطورات الداخلية المتسارعة في إيران، ولا عن التهديدات الأميركية–الإسرائيلية المتصاعدة، التي باتت تتجاوز أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، لتصل إلى الحديث العلني عن تغيير سلوك النظام الإيراني أو إعادة توجيه بنيته.

لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في توقيتها، بل في مضمونها السياسي والأمني، وفي كونها حلقة ضمن سلسلة رسائل متبادلة، يُستخدم فيها لبنان مجددًا كمنصة تواصل غير مباشر بين خصوم إقليميين ودوليين.

لماذا لبنان؟ ولماذا الآن؟

تعرف طهران أن لبنان لم يعد مجرد ساحة نفوذ تقليدية، بل نقطة التقاء دبلوماسي فريدة، يمكن عبرها قراءة المزاج الدولي، وقياس اتجاهات التصعيد أو التهدئة، والتقاط الرسائل الغربية التي يصعب تمريرها مباشرة إلى إيران في هذه المرحلة.

وبحسب مصادر دبلوماسية عربية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن القيادة الإيرانية، وفي مقدمتها الرئيس مسعود بزشكيان، تنظر إلى المرحلة الحالية بوصفها مفصلية، في ظل تقاطع 3 مخاطر كبرى:

  • أولها، استمرار الاحتجاجات الداخلية وتحولها إلى أزمة بنيوية تمس النظام ومؤسساته وحلفاءه.
  • ثانيها، احتمالية توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية أو أميركية، في ظل تصاعد التهديدات والرسائل المتبادلة.
  • ثالثها، خطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة تفوق قدرة إيران على إدارتها، خصوصًا في حال انخراط قوى وفصائل حليفة.

ضمن هذا الإطار، تُقرأ زيارة عراقجي إلى بيروت كجزء من محاولة إيرانية لإعادة ضبط أوراق الحلفاء، وفي مقدمتهم حزب الله، تحسبًا لأي تطور كبير في المشهد الإقليمي.

رسائل عراقجي إلى حزب الله

وفق معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر دبلوماسية، حمل وزير الخارجية الإيراني إلى قيادة حزب الله عدة رسائل مركزية، صيغت بلهجة مباشرة وغير رمزية.

الرسالة الأولى كانت سياسية–داخلية، إذ تعمّد عراقجي وضع قيادة الحزب في صورة دقيقة لحجم الضغوط السياسية والاجتماعية التي تواجهها طهران، ولجدية المقاربة الأميركية الجديدة، التي لم تعد تراهن فقط على استنزاف طويل الأمد، بل تبحث عن "فرصة أخيرة" لإحداث اختراق سياسي يغيّر مسار النظام أو يعيد توجيهه، خاصة في ضوء ما جرى في فنزويلا.

وفي هذا السياق، نقل عراقجي تفاصيل الزيارة التي قام بها الجانب العُماني إلى طهران، حاملاً مبادرة أميركية وُصفت داخل الأوساط الإيرانية بأنها "الأخيرة قبل الانتقال إلى مراحل أكثر قسوة". وبحسب المعلومات، لا تفتح هذه المبادرة باب تفاوض واسع، بل تضع مجموعة شروط محددة مقابل وقف التصعيد التدريجي.

أما الرسالة الثانية، فكانت ذات طابع أمني بحت، إذ أبلغ عراقجي قيادة الحزب أن التقديرات الإيرانية لا تستبعد لجوء إسرائيل إلى ضرب لبنان قبل إيران، في إطار مناورة عسكرية–سياسية تهدف إلى إرباك المشهد، ودفع حزب الله إلى استنزاف نفسه، أو إلى ارتكاب خطأ استراتيجي يبرر تصعيدًا أوسع.

في حين جاءت الرسالة الثالثة بطابع مالي–تنظيمي، حيث شدد عراقجي على أن إيران مستمرة في التزاماتها المالية تجاه الحزب خلال المرحلة المقبلة، رغم الضغوط والعقوبات، لكنه في المقابل طلب مستوى عاليًا من الجهوزية والانضباط، تحسبًا لأي تدحرج مفاجئ للأحداث.

فصل الجبهات: خيار دولي شبه محسوم

تتقاطع هذه الرسائل مع معطيات تلقّاها مسؤولون لبنانيون من أكثر من جهة دولية، تشير إلى أن خيار الحرب الشاملة على لبنان ليس مطروحًا حاليًا. فبحسب هذه المعطيات، ستواصل إسرائيل ضرباتها المحدودة والمتدرجة، خصوصًا شمال نهر الليطاني، دون الذهاب إلى مواجهة واسعة.

ووفق مصادر مطلعة، فإن اتصالات يجريها رئيس الحكومة نواف سلام مع الأميركيين والفرنسيين، إضافة إلى دول إقليمية وعربية، أسفرت عن "طمأنة" لبنان بعدم حصول حرب حاسمة في المرحلة المقبلة، شريطة أن يبدأ لبنان نشاطًا فعليًا في ملف حصر السلاح شمال نهر الليطاني، بعد الانتهاء التدريجي من منطقة جنوب النهر.

وتؤكد المصادر أن هذا المسار المتدرج يهدف إلى تحقيق 3 أهداف متزامنة:

  • لضغط على حزب الله لمنعه من الانخراط في أي حرب دفاعًا عن إيرانا،
  • دفع الدولة اللبنانية إلى استكمال مسار حصر السلاح،
  • إبقاء لبنان في حالة "لا حرب ولا استقرار"، بانتظار اتضاح المسار الإقليمي.

كما طلبت جهات دولية بشكل واضح من بيروت العمل على إقناع حزب الله بتحييد نفسه عن أي مواجهة إيرانية محتملة، محذّرة من أن أي انخراط لبناني سيُقابل بتغيير جذري في قواعد الاشتباك.

التصعيد الإسرائيلي: نار محسوبة تحت السقف

على المستوى الميداني، يتعامل الإسرائيليون مع التصعيد بوصفه أداة سياسية بامتياز. فالضربات لا تهدف فقط إلى تدمير أهداف عسكرية، بل تُستخدم كورقة تفاوض غير معلنة لدفع لبنان نحو الدخول في المرحلة الثانية من خطة سحب السلاح.

وتقول المصادر إن إسرائيل تحاول فرض معادلة جديدة: "إمّا التقدّم السياسي المنظّم، أو التصعيد العسكري المتدرّج"، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفرض عليها أثمانًا غير مرغوبة.

عودة الخماسية: واشنطن تغيّر قواعد اللعبة

في موازاة هذا المشهد، عادت اللجنة الخماسية إلى الواجهة بعد نحو عام على شللها شبه الكامل، لكن بآلية مختلفة شكلًا ومضمونًا.

فبحسب مصادر حكومية لبنانية رفيعة تحدثت لـ"عربي بوست"، تولّت الولايات المتحدة إعادة صياغة عمل اللجنة، ونقلها من إطار تشاوري فضفاض إلى أداة ضغط سياسية ذات جدول أعمال واضح. ولم تعد واشنطن راغبة في إدارة الملف اللبناني عبر الوسطاء فقط، بل تميل إلى الانخراط المباشر سياسيًا وأمنيًا.

وتتمحور الرؤية الأميركية حول 3 عناوين أساسية:
* حصر السلاح بيد الدولة كمدخل إلزامي لأي دعم،

  • إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة وحزب الله،
  • منع تحويل لبنان إلى منصة اشتباك إقليمي.

ويشير المصدر إلى أن اجتماعات يجريها سفراء اللجنة الخماسية تسبق وصول المبعوثين الخارجيين، وتحديدًا المبعوث الفرنسي الخاص بلبنان جان إيف لودريان، ونظيره السعودي الأمير يزيد بن فرحان.

قطر: وسيط صامت ولكن مؤثر

ضمن هذا الإطار، يبرز الدور القطري كعامل توازن أساسي. فالدوحة، بحسب المصادر الحكومية، تعمل على تنسيق هادئ بين واشنطن وبعض العواصم الإقليمية والقوى اللبنانية، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع طهران.

ولا تقوم المقاربة القطرية على فرض حلول جاهزة، بل على إدارة الوقت ومنع الانفجار، وربط أي تسوية بمسار تدريجي يحفظ الحد الأدنى من التوازنات الداخلية.

وتؤكد المصادر أن وزير الدولة القطري الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي يعتزم زيارة بيروت خلال الأسبوع الثالث من الشهر الحالي، وقد تشهد الزيارة عقد اجتماع للجنة الخماسية على مستوى المبعوثين الكبار، لا السفراء فقط، خصوصًا أن الدوحة استضافت خلال الفترة الماضية مسؤولين من حزب الله وقوى سياسية أخرى.

حزب الله بين السلاح والسياسة

عمليًا، تشير المعطيات إلى أن حزب الله لم يعد يرفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكنه يربط هذا المسار بحزمة ضمانات متكاملة، تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتشمل الانسحاب وإعادة الإعمار، ولا تنتهي عند البحث في استراتيجية دفاعية أو أمن وطني.

كما يطالب الحزب بضمانات من دول مثل السعودية وتركيا بعدم حصول أي اشتباك بينه وبين دمشق.

وفي هذا السياق، تتداول أوساط سياسية أفكارًا تتعلق بضمانات داخل النظام، من دون تعديل اتفاق الطائف، تشمل ترتيبات مؤسساتية وانتخابية، مقابل تغيير وجهة لبنان الاستراتيجية وإنهاء حالة الصراع المفتوح مع إسرائيل، مع إمكانية إبقاء جزء من السلاح "غير الاستراتيجي" بعهدة الحزب كضمانة للمكوّن الشيعي.

لبنان أمام تسوية كبرى

من هنا، يبدو أن لبنان لم يعد في مرحلة إدارة أزمة مؤقتة، بل بات في قلب عملية إعادة هندسة سياسية وأمنية إقليمية. زيارة عراقجي، عودة اللجنة الخماسية، وتقدّم الدور الأميركي، كلها مؤشرات على أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة.

والسؤال لم يعد ما إذا كان لبنان سيتأثر بما يجري حوله، بل أي موقع سيحتله في التسوية المقبلة: ساحة ضغط، أم طرف تفاوض، أم مجرد تفصيل في معادلة أكبر؟

تحميل المزيد