رسل الفوضى.. لماذا اجتمع كوشنر وبلير مع ترامب من أجل غزة؟

عربي بوست
تم النشر: 2025/08/29 الساعة 10:10 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2025/08/29 الساعة 10:10 بتوقيت غرينتش
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع صهره غاريد كوشنر/رويترز

في قاعة مغلقة من البيت الأبيض، جلس توني بلير، رجل العراق القديم، إلى جوار جاريد كوشنر، مهندس "صفقة القرن" واتفاقيات أبراهام. لم يكن على الطاولة أي فلسطيني، ولا حتى حليف عربي بارز. ومع ذلك، كان النقاش يدور حول غزة: مستقبلها، خرائطها، ومصير أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت النار والحصار.

اجتماع بدا أقرب إلى مشهد رمزي من حقبة مشبعة بالفشل والدماء: بلير الذي ما زال يطارده إرث الغزو والارتباط بالأنظمة الاستبدادية عبر مؤسسته الاستشارية، وكوشنر الذي لا يخفي رؤيته لغزة كـ"واجهة بحرية ثمينة" يمكن تحويلها إلى مشروع عقاري مربح. فما الذي جمعهما الآن في واشنطن، وتحت أي مسمى يُناقشان مصير غزة من دون أبنائها؟

اجتماع من أجل اليوم التالي

في أروقة البيت الأبيض، وفي جلسة وصفها مسؤولو الرئاسة الأمريكية بأنها "اجتماع سياسي روتيني"، التقى الرئيس دونالد ترامب بتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وجاريد كوشنر، صهره ومستشاره السابق في شؤون الشرق الأوسط، لبحث ما سُمِّي بـ"اليوم التالي" في غزة. وفقاً لما نقلته وكالة رويترز، شمل النقاش كل الملفات المتشابكة حول الإبادة الإسرائيلية لغزة: المساعدات الغذائية، والأسرى، وخطط ما بعد الانتهاء من الإبادة.

وفي وقت سابق، نقل موقع أكسيوس الأميركي عن مصادر قولها إن بلير وكوشنر سيناقشان "أفكاراً لكيفية حكم غزة من دون وجود حماس في السلطة".

من ناحية أخرى، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر يزور واشنطن بالتزامن مع الاجتماع الذي يعقده ترامب بشأن غزة.

واللافت أنه لم ترد أي تقارير تشير إلى مشاركة أي من حلفاء واشنطن العرب، فضلاً عن أي فصيل فلسطيني، في هذا الاجتماع.

توقيت الاجتماع

يأتي الاجتماع الذي أقام بتاريخ 27 أغسطس 2025 بعد أيام من إعلان الأمم المتحدة رسميا انتشار المجاعة في قطاع غزة، تزامنا مع بدء الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية لاحتلال مدينة غزة متجاهلا جهود الوسطاء للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

منتجات غذائية عربية تجويع غزة
المجاعة تتفشى في غزة بسبب إجراءات الاحتلال التي تمنع دخول كميات كافية من الغذاء لسكان القطاع – رويترز

وذكرت المصادر أن رئيس الوزراء البريطاني السابق كان قد التقى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بالبيت الأبيض في يوليو/تموز الماضي في اليوم نفسه الذي عُقد فيه لقاء بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.

ما علاقة توني بلير وجاريد كوشنر بغزة؟

يُنظر إلى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتباره المهندس الرئيسي لاتفاقيات أبراهام عام 2020، التي شهدت تطبيع كل من المغرب والبحرين والإمارات علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم أنه لا يشغل أي منصب رسمي في الإدارة الأمريكية الحالية، كشفت وسائل إعلام مثل Middle East Eye أنه كان يتشاور منذ أشهر مع فريق ترامب حول غزة، وأن خططه ما زالت تدور حول رؤيته السابقة: تهجير الفلسطينيين قسراً وتحويل القطاع إلى مشروع استثماري أو ما يشبه "ريفييرا أمريكية–إسرائيلية".

أما توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، فقد كان هو الآخر ناشطاً في النقاشات المتعلقة بخطة ترامب للسيطرة على غزة. ففي يوليو/تموز، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن معهد توني بلير (TBI) شارك في مناقشات حول تحويل غزة إلى "ريفييرا"، وبالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، إحدى أكبر شركات الاستشارات في العالم، والتي أشارت عدة تقارير إلى أنها لعبت دوراً رئيسياً في تصميم مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)؛ وهي المؤسسة التي تحولت مشاريعها المزعومة للإغاثة إلى فخ قاتل، أودى بحياة مئات الفلسطينيين الجائعين تحت ذريعة توزيع المساعدات.

ومن خلال هذا التواطؤ، جرى تطوير رؤية تُحوِّل غزة إلى مركز تجاري واستثماري بعد أن تُنهي إسرائيل إبادتها لغزة.

وبحسب الصحيفة، أشارت وثائق داخلية إلى أن تهجير الفلسطينيين قد يكلف نحو 5 مليارات دولار، لكنها ادعت أن "إزالة السكان" ستوفّر ما يقارب 23,000 دولار عن كل فلسطيني يغادر. هذه الحسابات الباردة تعني ببساطة أن الأرباح قد تتعاظم كلما زاد عدد الفلسطينيين المقتلعين من أرضهم.

ورغم أن TBI حاول لاحقاً النفي، مؤكداً أنه لم يُعدّ أو يؤيد الشرائح التي عُرضت الخطة من خلالها، إلا أن تلك الشرائح كانت من إعداد BCG وبمشاركة رجال أعمال إسرائيليين.

لاحقاً، أعلنت BCG انسحابها من مشروع مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، لكن ذلك لم يُنهِ تداعيات الفضيحة. ففي المملكة المتحدة، دعت لجنة الأعمال والتجارة في البرلمان الشركة إلى تقديم تفسيرات مفصلة حول طبيعة عملها في غزة، مع كشف جدول زمني، والجهات المتعاونة، والموافقات التي حصلت عليها أو تم التحايل بشأنها.

وفي مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، أقالت الشركة اثنين من شركائها التنفيذيين الذين قادوا المشروع من دون موافقات رسمية، مدعية أن ذلك تمّ "من دون تصريح" وبما يخالف سياساتها.

كما تسببت الفضيحة في اهتزاز علاقات BCG مع شركائها الإنسانيين، إذ أعلنت منظمة Save the Children تعليق تعاونها الطويل مع الشركة، ووصفت دورها في المشروع بأنه "غير مقبول بالمرة".

بلير وكوشنر يجتمعان دائماً لمصالح إسرائيل

في الثالث عشر من أغسطس/آب 2020، وقبيل إعلان التوصل إلى "اتفاق أبراهام"، جلس ترامب في المكتب البيضاوي محاطاً بمستشاريه، موجهاً كلامه إلى صهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر بالقول: "قمتَ بعمل عظيم. جاريد قام بعمل مذهل… لا أظن أن أحداً يستطيع فعل ما فعله".

لكن الدور في الوصول إلى هذا الاتفاق لم يكن حكراً على كوشنر. فبعد ساعات من الإعلان، ذكرت القناة السابعة الإسرائيلية أن رجل الأعمال الأميركي–الإسرائيلي حاييم صبّان لعب دوراً مؤثراً، بينما أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى دور رئيس "الموساد" آنذاك يوسي كوهين. كما كشفت وول ستريت جورنال أن الاتفاق سبقته جولات محادثات سرية منذ عام 2019، جمعت مسؤولين من الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات في واشنطن ووارسو وتل أبيب.

إلا أن الطريق إلى هذه المحادثات كان قد شُقّ منذ سنوات. فقد نشرت صحيفة إسرائيل هيوم تقريراً، قيل فيه إن المفاوضات السرية "أصبحت ممكنة عبر القنوات الخلفية، بفضل جهود رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي عمل أيضاً مبعوثاً خاصاً للجنة الرباعية إلى الشرق الأوسط حتى عام 2015".

ووفقاً للتقرير، عقد مبعوث نتنياهو الخاص آنذاك، إسحاق مولخو، بين عامي 2015 و2018، سلسلة لقاءات في لندن وأبوظبي ونيقوسيا، أسهمت في "إعادة بناء الثقة" بعد أزمة اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح بدبي عام 2010.

ما علاقة بلير بالمنطقة بعد حرب العراق

بعد مغادرته رئاسة الوزراء البريطانية عام 2007، إثر سنوات دامية شاركت خلالها بريطانيا عسكرياً إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وأيّد خلالها توني بلير الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، ودعم عزل حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات الفلسطينية، لم يبتعد الرجل عن الشرق الأوسط. بل سرعان ما انتقل إلى موقع أقل صخباً: مبعوث اللجنة الرباعية الدولية للسلام في المنطقة.

هذا الدور فتح أمامه أبواب العواصم الخليجية. فقد أقامت له وزارة الخارجية الإماراتية حفل استقبال عند تسلمه مهامه، لتبدأ مسيرة علاقات وثيقة مع أبوظبي، تُرجمت لاحقاً بعقود استشارية بملايين الجنيهات. وبحسب فاينانشال تايمز، ظل بلير حتى عام 2014 مرتبطاً بعقد مع صندوق "مبادلة" السيادي، وكان مقرّباً من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، الذي يُشاركه آراءه الصريحة المناهضة للإسلام، حتى إن أحد أصدقاء بلير قال: "هناك انسجام تام بينه وبين محمد بن زايد"، بحسب الصحيفة. وفي العام نفسه، بحث بلير افتتاح مكتب له في أبوظبي لتوسيع حضوره السياسي والاقتصادي "خلف الكواليس".

وقد ذكرت صحيفة ذا تايمز البريطانية في عام 2015 أن مؤسسته Tony Blair Associates وقّعت عقداً استشارياً للإمارات بقيمة تتراوح بين 25 و35 مليون جنيه إسترليني. أما صحيفة الإندبندنت، فاعتبرت أن مهمته الدولية أتاحت له الجلوس مع قادة العالم، ليس فقط سعياً إلى "حل الصراع"، بل أيضاً لاستثمار تلك اللقاءات في بناء شبكة علاقات وفرص أعمال تخدمه شخصياً.

تحميل المزيد