الداخلية المصرية تستخدم وسائل التواصل بديلاً عن المخبرين! مصادر: “أسلوب ردع” خوفاً من جر الشارع نحو الفوضى

عربي بوست
تم النشر: 2025/08/29 الساعة 07:20 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2025/08/29 الساعة 07:20 بتوقيت غرينتش
الرئيس المصري يترأس اجتماعا للحكومة (أرشيف)/ رويترز

نشطت وزارة الداخلية المصرية بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية لضبط جرائم العنف والسرقة والتعدي على الآداب العامة تزامناً مع حملة موسعة استهدفت مشاهير "التيك توك" الذين وجهت إليهم تهم مختلفة بينها غسيل الأموال، ووظفت الوزارة صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" لتكون بمثابة رأس حربة لتحركاتها، إذ يجري خلالها الإعلان عن ضبط الجرائم وتلقى الشكاوى والبلاغات من المواطنين دون أن يكون الأمر بحاجة إلى تحرير محاضر رسمية في أقسام الشرطة كما كان يحدث في السابق.

 بالمثل أطلق  النائب العام المستشار محمد شوقي، مبادرة عبر المركز الإعلامي للنيابة العامة لتلقي البلاغات ورصد وتحليل هذه المواد، وأشادت منذ يومين بتعاون المواطنين في الإبلاغ عن المقاطع المصوَّرة التي قد تتضمن جرائم قانونية، ودعت المواطنين الاكتفاء بالتبليغ الموثَّق بمقاطع مرئية من المواطنين عبر الرقم المُخصص لتطبيق "واتساب"، دون نشرها على منصات التواصل الاجتماعي، لما قد يُعرّض الناشر للمساءلة القانونية، فضلًا عن الإساءة لصورة المجتمع المصري.

هذا الأمر طرح تساؤلات عديدة حول أسباب هذا النشاط  في توقيت تستنفر فيه جهات عسكرية ودبلوماسية للتعامل مع الأخطار الخارجية بخاصة على الحدود الشمالية الشرقية مع قطاع غزة.

وبالنظر إلى ما تنشره صفحة وزارة الداخلية على صفحتها الرسمية بموقع فيسبوك، يبدو ظاهراً التوسع في ضبط وقائع عنف جرى تصويرها ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتركز على إبراز تعاملها السريع مع الأشخاص الذين بحوزتهم أسلحة بيضاء بهدف ترويع المواطنين وارتكاب جرائم بها، إلى جانب جرائم الاتجار في المخدرات وخطف الأطفال وكذلك ضبط عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي من الراقصات أو من لديهم محتويات تصفها الوزارة بأنها تتنافى مع الآداب العامة.

مخاوف من التوسع في استخدام الأسلحة

قال مصدر أمني مطلع لـ"عربي بوست"، إن ضبط الشارع المصري يبدأ انطلاقاً من مواقع التواصل الاجتماعي، وأن التركيز على الوقائع التي يتم نشرها وتداولها على نطاق واسع بين المواطنين يرجع إلى رغبة الوزارة للتأكيد على قدرتها الإمساك بزمام الأمور والتعامل مع أي حوادث وكشف تفاصيلها خلال فترة وجيزة.

وأضاف أن هذا يشكل "أسلوب ردع" مع فئات أخرى قد تكون اتجهت لارتكاب جرائم بأشكال مختلفة انعكاساً للمشكلات المعيشية اليومية والأزمات الاقتصادية المختلفة التي تتطلب حالة من الاستنفار الأمني لكي لا تجر الشارع نحو فوضى يصعب التعامل معها حال تمددها.

المصدر ذاته ذكر أن الستة أشهر الماضية كانت شاهدة على تفشي جرائم السرقة واستخدام السلاح الأبيض في مناطق مختلفة وفي أوقات الظهيرة، وهو ما أقلق الأجهزة الأمنية، وكان هناك اتفاق على أن تلك المشكلات الأمنية بحاجة للتعامل معها بأساليب مختلفة.

وأوضح أن تركيز صفحة الوزارة بموقع فيسبوك على سيطرة الجهاز على المجرمين يهدف إلى كسب ثقة المواطنين باعتبار أن ما تبثه الصفحة عليها هو الأكثر وصولاً للمواطنين مقارنة بوسائل الإعلام المختلفة الأخرى، وهو ما منح مزيد من الاطمئنان لقطاعات من المواطنين لديها مخاوف من التمدد في استخدام الأسلحة البيضاء وكذلك تداول المخدرات على نطاقات أوسع.

وشدد المصدر ذاته على أن هناك تطور حاصل على مستوى الجريمة نفسها وتعدد أشكال جرائم الانترنت والتي ترتبط في الأغلب بالتنمر والابتزاز، كما أن هناك حالة من الاطمئنان لدى مرتكبي الجرائم بأنه لا وجود لعقوبات رادعة لما يرتكبونه وهو أمر شعرت وزارة الداخلية بخطورته حينما تمددت جرائم غسيل الأموال التي يتم فيها توظيف مشاهير البلوجرز، كما أن وجود فيديوهات عنف منتشرة جراء تصويرها عبر كاميرات أضحت أكثر انتشاراً في الشوارع وأمام المحال التجارية وكذلك بالقرب من منازل المواطنين وكل ذلك فرض حتمية التدخل للتعامل معها.

ولفت إلى أن ما يساعد على سرعة الوصول للجناة إدخال تقنيات حديثة للأجهزة الشرطية التي تسهل مهمة تحديد المنطقة وكذلك أماكن تواجد الجناة وإن لم يكن لديهم سجل جنائي سابق، كما أن هناك إدراك من جانب أجهزة الأمن بصعوبة التعامل مع الجريمة كونها أضحت أكثر انتشاراً وفي نطاقات جغرافية أوسع مما كانت عليه في السابق مع التوسع الراهن في إنشاء المدن الجديدة وتعمير بعض مناطق الظهير الصحراوي للمحافظات المختلفة، وهو ما يفرض تطوير الأداء الأمني لمواكبتها.

وذكر أن وزارة الداخلية استحدثت مؤخراً عدد من الإدارات داخل قطاع أمن الإنترنت هذا بالإضافة إلى إدخال بعض التشريعات الخاصة بجرائم الانترنت لاستباق الجريمة قبل وقوعها، لافتاً إلى أن قطاعات الوزارة المختلفة تشهد حالة من الاستنفار في الوقت الحالي، بخاصة وأن هناك تفاعل بين مواطنين يتوسعون في مسألة توثيق الجرائم وإرسالها على صفحة الوزارة للتعامل معها، والأخطر أن ذلك يحدث بالتزامن مع وجود مهددات خارجية ومساعي لإحداث خلخلة داخلية ما يتطلب يقظة أمنية عالية عن أي وقت مضى  للتعامل مع أنواع مختلفة من الجريمة على نطاقات جغرافية متسعة.

ووافق مجلس النواب، برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي، مطلع العام الحالي على قانون يسمح بمراقبة وسائل التواصل والهواتف المحمولة والبريد الإلكتروني، كما منح النيابة العامة بعد الحصول على اذن مسبب من القاضي الجزئي، سلطة إصدار أوامر بضبط أو مراقبة أو الإطلاع على وسائل الاتصال المختلفة ومنها الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو البريد الإلكتروني أو الهواتف المحمولة، بشرط أن تكون مدة الإذن 30 يوما كحد أقصى مع إمكانية التجديد لمدة أو مدد مماثلة.

وتكررت تحركات الداخلية بمجرد تداول الفيديوهات، سواء نشر المتضررون فيها استغاثة على غرار واقعة نشر سيدة استغاثة لتضررها من اعتداء شقيق زوجها عليها بالضرب برفقة زوجته بسبب لهو الأطفال، وهي الواقعة التي سجلتها كاميرات المراقبة، أو وقائع أخرى رصدها مواطنون ونشروها على حساباتهم.

وكشفت صفحة وزارة الداخلية في يوم واحد، الأربعاء، ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الإجتماعى تضمن قيام شخصين بحوزة أحدهما سلاح أبيض بالتعدى على سائق مركبة "توك توك" وتحطيم مركبته بالغربية، وفي واقعة أخرى كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الإجتماعى تضمن قيام أحد الأشخاص بالتلويح بسلاح أبيض بكفر الشيخ.

إجراءات مشددة لردع المجرمين

وبحسب مصدر مطلع بمباحث الإنترنت في مصر، فإن متابعة ما يحدث في الشارع المصري يجري وفق نظام رقابة على ما يتم بثه على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة دون أن يكون الأمر مرتبطاً بتقديم بلاغات، وهو ما حدث مثلا في حادث مطاردة ثلاث شباب لفتيات داخل سيارة على طريق الواحات بمحافظة الجيزة، كما أن هناك كثير من الجرائم التي يتم ضبطها لكن دون أن يتم الإعلان عنها لدواعي أمنية.

وأشار إلى أن هناك تعامل سريع مع حوادث السطو والبلطجة ولديها قانون خاص بها بهدف فرض الانضباط في الشارع وعدم السماح للمنفلتين بأن يمارسوا جرائمهم ضد المواطنين الأبرياء، لافتاً إلى أنه لم يعد الاعتماد فقط على مصادر أقسام الشرطة في الشوارع والحواري الصغيرة من خلال "المخبرين"، ولكن أيضاً هناك تركيز على ما يتم بثه على مواقع التواصل الاجتماعي ليكون دور المخبرين مكملاً ويركز بالأساس على جمع المعلومات المرتبطة بالمناطق التي يتواجدون فيها وحالة الشارع فيها.

ولفت إلى أن وزارة الداخلية لديها قاعدة بيانات تفصيلية وغرف عمليات في كل مديرية أمنية على مستوى المحافظات المختلفة للتعرف على طبيعة ما يحدث في الشارع ورصد وتتبع ما يحدث من جرائم مختلفة وهو ما يسهل التعامل السريع معها، وأن الفترة المقبلة سوف تشهد مزيد من الإجراءات التي تهدف لمواكبة التطورات التكنولوجية وتوظيفها لمتابعة ما يحدث في الشارع لتكون بمثابة أسلوب ردع للمجرمين ومن يفكرون في ارتكاب جرائم مماثلة، لافتا إلى أن التحدي الأكبر يبقى في التعامل مع استخدام السلاح الأبيض بما في ذلك "السواطير" الكبيرة التي يحملها الشباب في الشارع.

وذكر أن وزارة الداخلية تدرك بأن إحداث الردع المطلوب وظيفة أساسية لها لا يجب أن تتهاون فيها، وأن الاعتماد على المخبرين وعلى أمناء الشرطة فقط لم يعد مجدياً، فضلاً عن كثرة الشكاوى من الفساد المستشفيات بينهم لذلك كان هناك ضرورة لتنشيط أدوار أجهزة المعلومات لاستباق وقوع الجرائم وعدم ترك أي تحركات غير محسوبة للصدفة.

وكشف عن أن الجهد يتركز الآن على الأمن الجنائي بعد أن كان السياسي يحظى باهتمام أكبر لكن مع إجراءات مكافحة الجريمة تبقى هناك متابعة لطبيعة التحركات السياسية التي يمكن ضبطها في أثناء أداء العمل للتقليل من معدلات الجريمة.

في تصاعد لافت، شهدت شوارع مصر مؤخرًا تزايدًا في حوادث سرقة  الهواتف المحمولة، الأمر الذي أثار قلقًا واسعًا بين المواطنين، وتداول مقاطع فيديو توثق هذه الحوادث على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن تمكنها من القبض على أغلب المتورطين في هذه السرقات، بمن فيهم شاب ظهر في مقطع فيديو وهو يحاول سرقة هاتف مواطن بالقوة، قبل أن يلوذ بالفرار مستخدمًا سلاحًا أبيض، وتتكرر حوادث سرقة الهواتف عبر الدراجات النارية، ويتم ضبط بعض الجناة بفضل كاميرات المراقبة أو مقاطع الفيديو التي يلتقطها المواطنون.

ويأتي تصنيف القاهرة في المركز الـ 18 إفريقيا والثالث عربيًا في ارتفاع معدلات الجرائم، بينما قال وزير الداخلية محمد توفيق خلال فعاليات مؤتمر "حكاية وطن" في أكتوبر 2023، إن معدلات الجريمة شهدت انخفاضًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفضت معدلات ارتكاب الجنايات في عام 2023 مقارنة بعام 2013 بنسبة 73%، كما أنه بالمقارنة بعام 2010 فقد تراجعت معدلات ارتكاب الجريمة بنسبة 9%، وهو ما وصفه الوزير بكونه رقمًا قياسيًا.

التشهير بالمتهمين مخالفة للدستور

ويشير خبير بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية في مصر (حكومي)، إلى أن التعامل مع الجريمة بين أكثر من 120 مليون مواطن يعيشون داخل مصر أمر صعب للغاية في حين أن أعداد قوات الشرطة لم يتم زيادتها وفقاً لزيادة المعدلات السكانية وتبقى مسألة التعيينات السنوية تتم بشكل روتيني، وهو ما يجعل هناك ضرورة أكبر للاعتماد على التكنولوجيا بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أن اختلاف صور الجريمة -بحسب المصدر ذاته – يفرض على الداخلية المصرية تنشيط أذرعها التكنولوجية هذا بالإضافة لوجود أشكال غير مألوفة من الجريمة على الشارع المصري مثل التوسع في استخدام السلاح الأبيض كبير الحجم لترويع المواطنين.

وأضاف أن سلوكيات المواطنين كانت في السابق تساعد الأجهزة الأمنية على أداء عملها وتخفف من حجم الضغوطات عليها لكن الأمر تغير الآن مع وجود حالة من السلبية واللامبالاة من جانب المواطنين في حال وقوع حوادث عنف وتبقى مسألة تصوير الجريمة أو حادث البلطجة هو السبيل الوحيد مع خشية المواطنين من تضررهم مع وجود الأسلحة البيضاء، مشيرا إلى أن حالة السلبية تجعل المجرم في حالة قوة تدفع لتكرار الجرائم في حين إذا تكتل المواطنين عليه فإن الكثرة يمكن أن تغلب الشجاعة.

ولفت إلى أن العوامل الاقتصادية تعد الجزء الأكبر من الجرائم المرتكبة في الشارع المصري ما يجعل التعامل الأمني وحده لا يكفي لضبط الشارع، ومهما حاولت وزارة الداخلية تطوير أدواتها فإن الحاجة للسرقة والعنف لن تتوقف بل أن نشر مقاطع الفيديو ونشرها على نطاق واسع مع تسليط صفحة وزارة الداخلية الضوء عليها قد يساهم في زيادة معدلات الجريمة بدلاً من وأدها وأن تقليد الجرائم من جانب أخرين قد يأخذ في التمدد الفترة المقبلة.

وشدد على أن الأصل في الموضوع أن تتوسع الأجهزة المحلية بالتعاون مع الحكومة لنشر كاميرات مراقبة في الشوارع والمناطق الشعبية ومراقبة ما يحدث على أرض الواقع دون السماح بالنشر عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تبدو فيها محاولات الاستعراض طاغية على أهداف ضبط الشارع، لافتا إلى أنه مع زيادة التحديات الأمنية اتجهت كثير من الدول لتبنى أنظمة كاميرات مراقبة الشوارع كأداة أساسية لتعزيز منظومة الأمن، وأصبحت كاميرات مراقبة الشوارع العامة جزءاً حيوياً من نظام الأمن العام.

وانتقد المحامي الحقوقي نجاد البرعي قيام الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية بنشر صور المقبوض عليهم للاشتباه في ارتكابهم جرائم، معتبرًا أن هذه الممارسات تتعارض مع الدستور والقانون، وتشبه ما وصفه بـ"عقوبة التجريس" التي كانت تُمارس في الماضي.

وقال البرعي في منشور له عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن نشر صور المشتبه بهم مع المضبوطات وعناوين تؤكد ارتكابهم للجريمة، يعد مخالفة صريحة للمادة 41 والمادة 67 من الدستور المصري، اللتين تنصان على "أصل البراءة" مؤكدًا أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تتاح له فيها كافة وسائل الدفاع عن نفسه".

وأضاف أن نشر الصور يمثل انتهاكًا واضحًا لخصوصية المشتبه به، بما يخالف نص المادة 57 من الدستور، فضلًا عن كونه تدخلًا في سير الخصومة الجنائية بطريق النشر، وهي جريمة يعاقب عليها القانون بالغرامة التي تتراوح بين 100 ألف و300 ألف جنيه وفقًا للمادة 187 من قانون العقوبات.

ودعا البرعي مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام، بصفته المسئول عن الصفحة الرسمية للوزارة، إلى مراجعة المحتوى المنشور، والتوقف عن نشر صور المشتبه بهم أو حتى ذكر أسمائهم، والاكتفاء فقط ببيان الخبر.

وأكد أن هذه الممارسات لا تعود بأي فائدة على المتلقي، مشددًا على أن "عقوبة التجريس انتهت من العالم كله.. ومن مصر أيضًا".

تحميل المزيد