أفادت مصادر سورية وعراقية متطابقة لـ"عربي بوست" أن قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة باسم "قسد"، توصلت إلى اتفاق مع كل من الحكومة السورية الجديدة وحكومة العراق لتسليم عناصر تنظيم "داعش" من الجنسيتين السورية والعراقية المحتجزين لديها إلى دمشق وبغداد.
وأوضحت المصادر أن مفاوضات تسليم العناصر السورية إلى الإدارة السورية الجديدة واجهت أزمات كبيرة، خاصةً في شهر ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد أن رفضت قوات سوريا الديمقراطية تسليم عناصر داعش السوريين إلى دمشق، ووضعت شروطاً لذلك.
لكن بعد نجاح الإدارة السورية الجديدة في إبرام اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية قبل أسابيع، وأعلن كل من الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع ومظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، توقيعهما اتفاقاً جديداً، فقد كان ملف داعش من جملة الملفات التي تم الاتفاق حولها، حسب قول مصادر سورية قريبة من "قصر الشعب" لـ"عربي بوست".
سجون قوات سوريا الديمقراطية
يوجد في شمال شرق سوريا قرابة 27 سجناً تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، تضم أكثر من 40 ألف سجين من أكثر من خمسين جنسية عربية وغربية، وذلك وفقاً لمصدر سوري يعمل في اللجنة الإعلامية للقوات الكردية السورية.
ويُعتبر سجن "غويران" في مدينة الحسكة أكبر هذه السجون، حيث يضم نحو 5000 سجين، بينهم مقاتلون أجانب من جنسيات متعددة.
وقد أشارت مصادر سورية لـ"عربي بوست" إلى ظهور تطورات هامة في الآونة الأخيرة في الملف الأمني في شمال سوريا، خاصةً في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى الخروج من شمال شرق سوريا، ومن ثم تريد إغلاق ملف داعش بشكل كامل، حتى لا تضطر إلى العودة مجدداً إلى المنطقة للتصدي للتنظيم إذا ما عاود نشاطه مجدداً.
كذلك، فقد شهدت الأيام الماضية ظهور "نشاط ملحوظ لكنه قليل" لبعض عناصر داعش التي استهدفت قوات سوريا الديمقراطية، وهي التحركات التي تخيف قوات سوريا الديمقراطية وتدفعها للتعاون مع الأطراف السورية والعراقية لإغلاق ملف داعش بالكامل.
تسليم داعش للعراق
كانت المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية والعراق، حسب مصادر عراقية، قد بدأت منذ فترة طويلة، ولم يعيقها شيء رغم الأحداث التي شهدتها سوريا، حيث جرت المفاوضات بين الحكومة العراقية وقوات سوريا الديمقراطية، بوساطة أمريكية، لتسليم معتقلي داعش من الجنسية العراقية إلى السلطات العراقية.
وأسفرت المفاوضات عن تسليم حوالي 3000 عنصر عراقي من عناصر داعش إلى السلطات العراقية خلال شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2024.
ومع التقدم في التفاوض بين الطرفين، رعت أمريكا اتفاقاً جديداً بين قوات سوريا الديمقراطية وبين الحكومة العراقية، وذلك خلال الشهرين الماضيين، حيث يقضي الاتفاق الجديد بتسليم 13 ألف عنصر من تنظيم داعش يحملون الجنسية العراقية إلى الأجهزة الأمنية العراقية.
وشمل الاتفاق، الذي لم يقتصر على تسليم عناصر داعش العراقيين فحسب، أطرافاً أخرى، مثل الإدارة السورية الجديدة التي لعبت دوراً مهماً في هذه العملية، حيث شاركت الإدارة السورية الجديدة كأحد الأطراف في التفاوض بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة العراقية وأمريكا.
وتسعى قوات قوات سوريا الديمقراطية إلى تسليم كافة عناصر داعش من الجنسية العراقية إلى الحكومة العراقية، وفق المصادر العراقية التي تحدثت لـ"عربي بوست". وقد أشارت المصادر إلى أن سجن غويران هو أحد أكبر السجون في شمال شرق سوريا، وبه آلاف السجناء من العراقيين الذين ينشطون في تنظيم داعش.
قالت المصادر إن السلطات العراقية قامت بتجهيز عشرات الزنازين في سجون داخل بغداد من أجل احتجاز كل عناصر داعش القادمين من سجون قوات قوات سوريا الديمقراطية، وقد حققت مع العناصر التي استقبلتها في السابق.
وأوضحت المصادر أن الحكومة العراقية أفرجت عن عشرات الأشخاص الذين ثبت أنهم ليس لهم علاقة بداعش وتم اعتقالهم وحبسهم في سجون قوات سوريا الديمقراطية بدون وجه حق، وتسعى الحكومة العراقية في الوقت نفسه إلى أن تضمن عدم تأثير "الوافدين الجدد على أمن العراق".
كشفت المصادر العراقية أن السلطات العراقية لن تفرج عن أي عنصر عراقي تم استلامه من جانب قوات سوريا الديمقراطية، وقد ثبت أنه "عضو فاعل" في تنظيم الدولة، ولكن سوف تخضعهم جميعاً لمحاضرات وجلسات في السجون في محاولة منها لإثنائهم عن الاستمرار في مسار التنظيم مرة أخرى داخل العراق.
وقالت المصادر إن المفاوضات التي تمت استهدفت نقل الآلاف من عناصر داعش الموجودين في سجن مخيم الهول، وهو مخيم يقع في شمال شرق سوريا، وتحديداً في محافظة الحسكة.
أنشئ المخيم في الأصل لإيواء اللاجئين العراقيين خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لكنه تحول لاحقاً إلى مركز احتجاز ضخم، يضم آلاف الأشخاص، أغلبهم من عائلات مقاتلي تنظيم داعش بعد هزيمته في 2019.
فيما يُقدر عدد اللاجئين العراقيين في مخيم الهول ومناطق أخرى بحوالي 18,000 شخص، تم تسجيل أكثر من 10,000 منهم ضمن قوائم الراغبين في العودة إلى العراق، وتم تسليم هذه القوائم إلى الوفود العراقية التي زارت المنطقة.
التفاوض بين قوات سوريا الديمقراطية والإدارة السورية
تزامناً مع مفاوضات قوات سوريا الديمقراطية مع الحكومة العراقية وبإشراف أمريكي، شهدت العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية وبين حكومة أحمد الشرع الجديدة مسارين للتفاوض.
حيث بدأت قوات سوريا الديمقراطية مفاوضات مع الإدارة السورية الجديدة لنقل عدد من عناصر داعش إلى سجون دمشق وحلب، وذلك بعد رحيل بشار الأسد مباشرة، وذلك حسب المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" من قوات سوريا الديمقراطية.
في البداية، رفضت قوات سوريا الديمقراطية تسليم أي من عناصر داعش إلى النظام السوري، إلا بعد التوصل إلى اتفاق شامل يضمن تحقيق مطالبها، ويحصل بموجبه الطرف الكردي على كل ما يريد من الجانب السوري مقابل تسليم العناصر السورية من داعش.
لكن مصادر سورية قالت إن اتفاقاً جديداً جرى النقاش حوله بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية، من أجل ترتيب استلام دمشق عناصر سورية من تنظيم داعش، موجودين في سجون تشرف عليها قوات سوريا الديمقراطية.
إذ تم التوصل إلى اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والإدارة السورية الجديدة على تسليم بعض هؤلاء المعتقلين إلى دمشق، خلال الأسابيع القليلة المقبلة. هذه الخطوة جاءت ضمن الجهود المبذولة لإعادة ترتيب العلاقات بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري، التي شهدت توترات كبيرة في السنوات السابقة.
في المقابل، قالت المصادر إن واشنطن لعبت دوراً كبيراً في رعاية المفاوضات بين "قوات سوريا الديمقراطية" والإدارة السورية الجديدة، إذ إن هناك رغبة من الجانب الأمريكي في إغلاق ملف سجون داعش في سوريا بشكل نهائي.
أوضحت مصادر سورية قريبة من وزارة الإعلام أن الاتفاق الذي تم بين الإدارة السورية الجديدة وبين قوات سوريا الديمقراطية بخصوص تسليم عناصر داعش من السوريين إلى دمشق يشوبه قلق من جانب حكومة دمشق الجديدة خشية "ألا تلتزم به قوات سوريا الديمقراطية في الفترة المقبلة".
وأشارت المصادر إلى أن الإدارة السورية الجديدة تتخوف من أن تلجأ قوات سوريا الديمقراطية، في حال حدوث أي خلاف بينهما، إلى تسريح بعض عناصر تنظيم داعش والإفساح لهم للتحرك إلى دمشق والمدن الأخرى من أجل القيام بعمليات ضد الأمن السوري أو حتى ضد المواطنين السوريين، مما يعقد معه المشهد السوري من جديد.
وقال المصدر إن الطرف السوري "يتواصل مع الإدارة الأمريكية" دون أن يشير إلى الطرف الذي يتم التواصل معه، للتأكيد على ضرورة أن ترعى واشنطن التزام قوات سوريا الديمقراطية بكل ما جاء في الاتفاق الخاص بتسليم عناصر "داعش" من السوريين إلى الإدارة السورية الجديدة.
أما بخصوص أعداد السوريين داخل سجون قوات سوريا الديمقراطية، فقد قالت المصادر لـ"عربي بوست" إن الإدارة السورية الجديدة لم تتسلم بعد القوائم النهائية بأسماء وأعداد عناصر داعش من السوريين، الموجودة لدى قوات سوريا الديمقراطية.
لكنه أشار إلى أن الإدارة السورية الجديدة تتحدث حول خمسة آلاف عنصر سوري داخل تنظيم داعش، موجودين داخل سجون قوات سوريا الديمقراطية، وهي نسبة تقريبية لدى دمشق.