هل يرضخ زيلينسكي للأمر الواقع أخيراً؟ محادثات مكثفة هدفها إنهاء الحرب في أوكرانيا

عربي بوست
تم النشر: 2022/12/12 الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/12/12 الساعة 14:01 بتوقيت غرينتش
قوات تابعة للجيش الأوكراني - رويترز

تواصل روسيا وأوكرانيا حربهما الشرسة للشهر العاشر على التوالي، ويستمر تدفق الأسلحة الغربية من الناتو لدعم كييف، لكن ماذا عن محاولات إيجاد مخرج دبلوماسي يوقف الحرب؟

كانت الأطراف الرئيسية في الحرب الأوكرانية، موسكو وواشنطن وبروكسل، قد اقتنعت مؤخراً بضرورة إيجاد تسوية سلمية للصراع، بعد أن ارتفعت فاتورة تكاليفه بصورة ضخمة، ففتحت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قنوات اتصال مباشر مع نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لكن حكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لم تبد اهتماماً بالتفاوض، في ظل الانتصارات الميدانية التي بدأت في تحقيقها منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، ورفعت كييف سقف أهدافها من الحرب وأصدر زيلينسكي قانوناً يمنع التفاوض مع بوتين.

هل اقتنع زيلينسكي أخيراً بحتمية التفاوض؟

أجرى زيلينسكي، مساء الأحد 11 ديسمبر/كانون الأول، محادثات هاتفية مع رؤساء الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا، فيما وصفته رويترز بأنه تصعيد للنشاط الدبلوماسي حول الحرب التي بدأت قبل نحو عشرة أشهر، وتصفها روسيا بأنها "عملية عسكرية خاصة"، بينما يصفها الغرب بأنها "غزو عدواني غير مبرر".

وقال زيلينسكي في كلمته الليلية المصورة: "إننا نعمل باستمرار مع الشركاء"، مضيفاً أنه يتوقع بعض "النتائج المهمة" من سلسلة من الفعاليات الدولية التي ستتناول الوضع في أوكرانيا، وذلك خلال الأسبوع المقبل.

وقال زيلينسكي أيضاً إنه تحدث مع الرئيس الأمريكي جو بايدن بشأن حاجة أوكرانيا لأنظمة دفاع مضادة للطائرات فعالة لحماية السكان، ونقل بيان للبيت الأبيض عن بايدن قوله لزيلنسكي إن واشنطن تعطي أولوية لجهود تعزيز الدفاع الجوي الأوكراني من خلال المساعدة التي تقدمها.

وعلى الرغم من إجراء زيلينسكي محادثات عديدة مع الرئيس جو بايدن والرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والتركي رجب طيب أردوغان منذ بداية الحرب، فإن إجراءً مثل هذه السلسلة من المناقشات في يوم واحد فقط ليس حدثاً عادياً.

وقال زيلينسكي إنه شكر بايدن على المساعدة "الدفاعية والمالية غير المسبوقة" التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا، وتحدث مع الرئيس الأمريكي بشأن تزويدها بأنظمة دفاعية فعالة مضادة للطائرات لحماية السكان.

وفي وقت سابق، قال زيلينسكي إنه أجرى محادثة "هادفة للغاية" مع ماكرون حول "الدفاع والطاقة والاقتصاد والدبلوماسية" استمرت أكثر من ساعة، ومحادثات "محددة للغاية" مع أردوغان بشأن ضمان صادرات الحبوب الأوكرانية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي/رويترز

حديث زيلينسكي عن تلك الاتصالات وتوقعه بالتوصل إلى بعض "النتائج المهمة"، خلال الأسبوع المقبل، يعد إشارة واضحة لا تقبل الشك بتحول في موقفه من مسألة التفاوض مع روسيا بشأن التوصل إلى حل دبلوماسي يوقف الحرب.

إذ كان زيلينسكي قد وقّع مرسوماً جمهورياً يحظر التفاوض مع الكرملين ما ظل بوتين في السلطة، رداً على القرار الروسي بضم 4 مناطق أوكرانية، هي لوغانسك ودونيتسك وزابوروجيا وخيرسون، إلى أراضي الاتحاد الروسي، في أعقاب "استفتاءات" أجرتها روسيا في تلك المناطق في سبتمبر/أيلول الماضي، رغم الرفض الغربي والأممي لتلك الخطوة.

وتلقت أوكرانيا دعماً عسكرياً نوعياً من الغرب، بقيادة إدارة بايدن، تمكنت بواسطته القوات الأوكرانية من تحقيق انتصارات في ميدان المعركة، أجبرت القوات الروسية على الانسحاب من المدينة الوحيدة التي كانت تحت سيطرتها وهي خيرسون، كما بدأت كييف في مهاجمة العمق الروسي مؤخراً، في ظل تصريحات زيلينسكي التي تؤكد على أن الحرب لن تتوقف قبل "تحرير" جميع أراضي أوكرانيا، بما فيها شبه جزيرة القرم التي كانت موسكو قد ضمتها عام 2014.

لكن إدارة بايدن فتحت قنوات تواصل مباشرة مع روسيا خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تزامناً مع تصاعد الحديث عن قرب تفجير قنبلة قذرة في أوكرانيا، نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً نقلت فيه عن مصادر داخل إدارة بايدن قولها إن الولايات المتحدة تشجع كييف على إبداء الاستعداد لإجراء محادثات مع روسيا.

وقعت حادثتان لافتتان بعد هذا التحول في الموقف الأمريكي، الأولى سقوط صاروخ على بولندا، ومسارعة أوكرانيا لاتهام روسيا وتشجيع الناتو على التدخل في الحرب دفاعاً عن دولة عضوة فيه، لكن اتضح سريعاً أن الصاروخ أطلقته أوكرانيا وليست روسيا. والثانية استهداف قاعدتين عسكريتين في العمق الروسي، فيما فسره مراقبون على أنه تحدٍّ أوكراني للضغوط الغربية للتفاوض مع موسكو.

لكن إعلان زيلينسكي عن "شروطه" للتفاوض، والتي خلت من شرط غياب بوتين عن المشهد، أظهرت بوضوح أن الرئيس الأوكراني رضخ لضغوط بايدن وباقي حلفائه الغربيين، ثم جاءت تصريحاته الأخيرة وسط المحاولات الدبلوماسية المكثفة لتوسع من نافذة الأمل في أن الحرب التي يكتوي العالم أجمع بنيرانها ربما تكون قد أوشكت على نهايتها.

لماذا تغير موقف بايدن من حرب أوكرانيا؟

نعم، هناك تغير واضح في موقف الرئيس الأمريكي وإدارته من الحرب في أوكرانيا، إذ كان بإمكان بايدن أن ينزع فتيل الأزمة الأوكرانية، التي هي بالأساس أزمة جيوسياسية، تماماً كما حدث عام 2014 في الأزمة ذاتها. في ذلك الوقت أعلنت شبه جزيرة القرم الانفصال والاستقلال عن أوكرانيا، واعترفت بها روسيا، ثم طلبت إدارة الإقليم الانضمام إلى روسيا، وهو ما وافق عليه بوتين، وتم الضم رسمياً.

اكتفى الغرب وقتها بفرض عقوبات على روسيا، وكان لأوروبا، بقيادة المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، دور أكبر في نزع فتيل الأزمة وقتها من خلال التوصل لاتفاقيات مينسك الأولى والثانية، واستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يجعل من تلك الاتفاقيات خارطة طريق للخروج من الأزمة الأوكرانية.

وبعد أن أجرى جو بايدن ونظيره الروسي اتصالاً عبر الفيديو، الثلاثاء 7 ديسمبر/كانون الأول الماضي، استمر ساعتين لمناقشة السبل المتاحة لنزع فتيل الأزمة الأوكرانية، وتجنيب أوروبا والعالم تبعات الحرب، أصدرت الأمم المتحدة بياناً طالبت فيه جميع الأطراف بالالتزام باتفاقيات "مينسك".

ويتمثل الموقف الروسي في أن سعي حكومة زيلينسكي للانضمام إلى حلف الناتو يمثل تهديداً وجودياً لروسيا، وطلب بوتين من إدارة بايدن تقديم ضمانات قانونية بأن الحلف العسكري الغربي لن يضم أوكرانيا، لكن إدارة بايدن رفضت تقديم تلك الضمانات، ووعدت بدعم أوكرانيا ومعاقبة روسيا في حالة إقدام بوتين على "الغزو".

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونظيره الأمريكي، جو بايدن – Getty Images

ومن المهم هنا التذكير بتصريحات زيلينسكي نفسه قبل شهر واحد من اندلاع الحرب، عندما انفعل على الصحفيين الغربيين، واصفاً بلاده بأنها ليست سفينة غارقة حتى يقفز منها الجميع: "أوكرانيا ليست تايتانيك!". وكان الرئيس الأوكراني ينتقد واشنطن، التي سارعت بإجلاء دبلوماسييها من السفارة الأمريكية في كييف في ذلك الوقت.

وبعد أن بدأت الحرب، ترددت إدارة بايدن في تقديم جميع ما تطلبه حكومة زيلينسكي خشية تحول المواجهة إلى حرب مباشرة بين أمريكا وروسيا، فرفضت واشنطن تقديم أسلحة بعيدة المدى للقوات الأوكرانية كي لا يسقط صاروخ أمريكي الصنع في العمق الروسي، كما رفضت فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، أو تقديم طائرات ميغ البولندية لأوكرانيا.

وعندما انطلق قطار المفاوضات بين موسكو وكييف برعاية تركية في إسطنبول، وتم التوصل بالفعل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب، تدخل بايدن وزعماء غربيون آخرون كبوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وأقنعوا زيلينسكي برفض الاتفاق ومواصلة الحرب، وزادت بشكل لافت المساعدات العسكرية الأمريكية، سواء من حيث حجم الأسلحة ونوعيتها أم من حيث توفير المعلومات الاستخباراتية، ما ساعد الأوكرانيين على التماسك دفاعياً ثم شن هجوم مضاد.

هدف بايدن من هذه الحرب ليس سراً، فإضعاف روسيا للأبد من خلال دفعها إلى الوقوع في "الفخ الأوكراني" وإطالة أمد الحرب حتى تحقيق هذا الهدف هو استراتيجية أمريكية منذ البداية، بحسب تحليل نشره موقع Responsible Statecraft  الأمريكي، لكن يبدو أن الفاتورة الباهظة التي تتكبدها الدول الغربية، بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز وتخييم شبح الركود التضخمي على اقتصادات الدول قد أدى إلى التفكير في ضرورة توقف الحرب.

ماذا عن موقف الرئيس الروسي؟

يمكن القول إن الموقف الروسي لا يرفض، من حيث المبدأ، التفاوض للتوصل إلى تسوية سلمية تنهي الحرب، وهذا ما فعلته موسكو بعد اندلاع الحرب بأسابيع قليلة بالفعل، وتم التوصل إلى اتفاق سلام، لكن حكومة كييف تراجعت بضغوط غربية.

وعلى الرغم من تهديد بوتين باستخدام الأسلحة النووية منذ اندلاع الحرب، إلا أنه لم ينفذ هذا التهديد رداً على الانتكاسات العسكرية الروسية في خاركيف أولاً ثم الانسحاب من خيرسون، وأخيراً الهجوم على العمق الروسي، ما يشير بوضوح إلى أن الدولة النووية الكبرى لا تريد أن تلجأ إلى حرب نهاية العالم ما ظلت نافذة التوصل لاتفاق ينهي الصراع مفتوحة.

وبعد الهجوم الأوكراني الأخير في العمق الروسي، صرحت موسكو بأنها غير مهتمة بالتفاوض في هذه المرحلة، وألمح بوتين مجدداً إلى احتمال اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية، لكن أغلب المراقبين والمحللين يرون أن التصريحات الصادرة عن موسكو موجهة بالأساس إلى واشنطن وباقي العواصم الغربية حتى تبذل مزيداً من الضغوط على كييف لإنهاء الحرب.

روسيا أوكرانيا
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/رويترز

أية تسوية سلمية للحرب على الأرجح لن تتطرق لشبه جزيرة القرم وإقليم دونباس، حيث منطقتا لوغانسيك ودونيتسك، على الرغم من أن روسيا لا تسيطر على دونباس بشكل كامل، وربما تشمل التسوية تبادلاً للمناطق التي تسيطر روسيا عليها في زابوروجيا وخيرسون، مقابل انسحاب ما تبقى من قوات أوكرانية في دونباس. أما بشأن "حياد أوكرانيا" فعلى الأرجح لن يتنازل بوتين عنه.

لكن على أية حال وبغض النظر عن شروط التسوية، فإنها على الأرجح لن تخرج عن هذه الخطوط العريضة، وهي الخطوط نفسها التي قدمها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وعراب الحرب الباردة، هنري كيسنغر، منذ مايو/أيار الماضي، ثم اقترحها مؤخراً إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم ومالك تويتر.

الخلاصة هنا هي أن الاتصالات المكثفة مع زيلينسكي وتوقع الرئيس الأوكراني بالتوصل إلى "نتائج مهمة" خلال الأسبوع المقبل، تشير إلى أن الحرب في أوكرانيا، التي أصابت الاقتصاد العالمي في مقتل، ربما تكون أخيراً قد أوشكت على أن تضع أوزارها.

تحميل المزيد