لماذا خصصت الجزائر أكبر ميزانية دفاع في تاريخها؟.. إليك أبرز التهديدات التي يراها تبون ضد بلاه

عربي بوست
تم النشر: 2022/11/11 الساعة 09:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/11/11 الساعة 09:14 بتوقيت غرينتش
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون ورئيس أركان الجيش شنقريحة (صفحة الرئاسة الجزائرية على فيسبوك)

"ميزانية حرب"، هذا ما يمكن وصف به ما خصصته الجزائر من أموال غير مسبوقة لوزارة الدفاع في مشروع قانون الميزانية 2023، المعروض حاليا على البرلمان للمصادقة عليه قبل نهاية العام الجاري.

إذ بلغت مخصصات وزارة الدفاع في مشروع قانون المالية لعام 2023، ما يعادل نحو 22 مليار دولار، أي بزيادة تفوق 12 مليار دولار عن 2022، التي بلغت نحو 9.4 مليار دولار (138.8 سعر الدينار الجزائري مقابل الدولار نهاية 2021).

ولم يسبق أن عدل البرلمان في ميزانية الدفاع، التي ليست محل نقاش علني لاعتبارات متعلقة بأسرار الدفاع.

وتضاعف ميزانية الدفاع لا يمكن تبريره فقط بتجديد العتاد القتالي، وعقد صفقات جديدة للسلاح المتطور، وزيادة أجور مستخدمي القطاع وأعدادهم، بل يعكس الاستعداد لخطر كبير وقريب يتهدد أمن البلاد، يتطلب تسخير أكبر قدر ممكن من الإمكانية المالية والعسكرية لدفعه.

فالجزائر ما زالت تتربع على أكبر ميزانيات الدفاع في إفريقيا، والثالثة عربياً بعد كل من السعودية (46 مليار دولار) والإمارات (25 مليار دولار)، لكنها أقل من ميزانية إسرائيل (17.8 مليار دولار)، ونحو ضعف ميزانية المغرب (5.4 مليار دولار) ومصر (4.3 مليار دولار)، بحسب بيانات موقع "غلوبل فاير باور" الأمريكي.

 سباق خطير للتسلح

غير أن رفع المغرب لميزانية دفاعه لأكثر من ثلاثة أضعاف لتبلغ 17 مليار دولار في موازنة 2023، وتحالفه مع إسرائيل خاصة في مجال الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة، شكل تهديداً غير مسبوق للأمن القومي الجزائري.

فالعدو الرئيسي للجزائر (إسرائيل) أصبح على مقربة من حدودها الغربية بعدما كانت تفصله عنها عدة بلدان عربية من جهة الشرق، وتحالف تل أبيب مع الرباط، من شأنه سد الفجوة بين قوة الجيشين الجزائري (المرتبة 31 عالمياً) والمغربي (المرتبة 56 عالمياً)، خلال السنوات القليلة المقبلة.

وبذلك فرض المغرب سباق تسلح على الجزائر من شأنه إرهاق ميزانيتي البلدين على شراء الأسلحة الأكثر تطوراً وفتكاً.

وإن كانت الجزائر ستغطي هذه الزيادة الكبيرة في ميزانية الدفاع بفضل ارتفاع عائدات النفط والغاز المرتقب أن تصل 50 مليار دولار مع نهاية عام 2022، و7 مليارات دولار بالنسبة للصادرات خارج المحروقات، ومن احتياطات الصرف المتوقع أن تصل إلى أكثر من 54 مليار دولار نهاية العام الجاري، وأيضاً من صادرات الأسلحة المنتجة محلياً على محدوديتها.

الجيش الجزائري أحمد قايد صالح
قائد الجيش الجزائري أحمد قايد صالح/ رويترز

بينما من المتوقع أن يلجأ المغرب لتغطية الميزانية الضخمة للدفاع من المديونية الخارجية، خاصة أن ميزانه التجاري سجل خلال عام 2021، عجزاً وصل إلى أكثر من 21 مليار دولار، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة التي يستورد الجزء الأكبر منها من الخارج، واحتياطات الصرف لديه لا تتجاوز 36 مليار دولار.

إذ بلغت الواردات المغربية 56 مليار دولار مقابل صادرات لم تتجاوز 34.7 مليار دولار.

ويغطي المغرب هذا العجز عبر مداخيل السياحة، وتحويلات العمال المغاربة في الخارج، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والمساعدات والقروض من بعض الدول الصديقة والبنوك العالمية.

وبلغت الديون المغربية أكثر من 70 مليار دولار أو ما يعادل 75.4 بالمئة من الناتج الداخل الخام، ومن المرتقب أن تصل مع نهاية عام 2022، إلى 77.8 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة جد مرتفعة، يحذر خبراء من أنها قد تصل بالبلاد إلى مرحلة العجز عن السداد، على غرار ما حدث في الثمانينات. 

إسرائيل تدفع لإشعال حرب 

من بين الأسباب التي دفعت الجزائر لقطع علاقاتها مع المغرب، وعدم تجديد عقد تصدير الغاز إلى أوروبا عبر المغرب، الدور الذي لعبته إسرائيل في إذكاء الصراع بين البلدين، على غرار تزويد المغرب ببرنامج بيغاسوس للتجسس على مسؤولين وصحفيين جزائريين وأجانب، بحسب وسائل إعلام دولية رغم نفي الرباط، ومهاجمة وزير الخارجية الإسرائيلي للجزائر من المغرب، وتوقيع تل أبيب والرباط على اتفاقيات أمنية وعسكرية.

واعتبرت الجزائر أنها مستهدفة من هذا التحالف الإسرائيلي المغربي، وأنه استقواء من المغرب بإسرائيل، خاصة بعد زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس للرباط وتوقيعه على اتفاق للتعاون الأمني من شأنه تسهيل حصول المغرب على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.

كما أن وقوف المغرب إلى جانب إسرائيل، ضد الحملة التي قامت بها الجزائر لمنع تل أبيب من الحصول على صفة ملاحظ في الاتحاد الإفريقي، عمقت الخلاف بين البلدين.

وبدا أن قطار التطبيع المغربي الإسرائيلي يسير بسرعة أكبر من أي دولة عربية أخرى، بما فيها الإمارات ومصر والبحرين.

المغرب وإسرائيل التطببيع
غانتس ونظيره المغربي يوقعان مذكرة تفاهم دفاعية تفتح الباب للمزيد من التعاون العسكري والاستخباراتي/ هية البث الإسرائيلية

ودفع ذلك وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، للتحذير من أن "كل خطوة تتخذها السلطات المغربية في التحالف العسكري الخبيث مع إسرائيل تبعدها أكثر عن الجزائر وشعبها".

 واعتبر لعمامرة أن "التحالف العسكري المغربي الصهيوني يعكس نقطة التقاء بين توسعين إقليميين يدفعهما إنكار وجود ضحاياهم المحرومين من حقوقهم الوطنية غير القابلة للتصرف"، في إشارة إلى الشعبين الفلسطيني والصحراوي.

بينما يوضح الأمير المغربي مولاي هشام، السبب الذي دفع الرباط للتحالف مع تل أبيب، قائلاً إن "المغرب يرى في إسرائيل شريكاً مفيداً في وجه تقدّم الجزائر في بعض القطاعات العسكرية".

والقطاعات العسكرية التي تتفوق فيها الجزائري تتمثل في سلاح الغواصات الذي تمتلك منه الجزائر 6 قطع، مقابل لا شيء بالنسبة للمغرب، وكذلك بالنسبة لسلاح الطائرات العمودية المقاتلة، والذي تمتلك الجزائر 46 هليكوبتر هجومية مقابل لا شيء للمغرب، ناهيك عن التفوق في الطائرات الحربية الهجومية والاعتراضية كماً ونوعاً، كما تظهره بيانات عدة مواقع عسكرية متخصصة بينها "غلوبال فاير باور".

وتوقيع الجزائر في عام 2020 على عقد مع روسيا لاقتناء 14 طائرة من الجيل الخامس الشبحية من نوع "سوخوي 57″، سيوسع أكثر الفجوة العسكرية مع المغرب، الذي تمثل طائرات "إف 16" الأمريكية من الجيل الرابع، أقوى طائراته الهجومية.

لكن تعاون المغرب مع إسرائيل، في مجال الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة، يهدد باختلال التوازن الأمني والعسكري في المنطقة المغاربية، وتجلى ذلك من خلال سيطرة الجيش المغربي في 2020، على معبر الكركارات، بين الصحراء الغربية وموريتانيا، والذي تقول جبهة البوليساريو إنه كان يقع ضمن المناطق المحررة الواقعة تحت سيطرتها، خلف الجدار الأمني الذي شيده المغرب.

وتسبب ذلك في اتهام البوليساريو، المدعومة من الجزائر، للمغرب بخرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 1991، برعاية أممية، ما أدى إلى عودة الاشتباكات على مناطق التماس بين الجانبين بشكل متفرق.

وشكل مقتل ثلاثة تجار جزائريين في قصف لطائرة مسيرة يعتقد أنها مغربية داخل الأراضي الصحراوية الخاضعة لسيطرة البوليساريو كانوا عائدين إلى بلادهم من موريتانيا، استفزازاً للجزائر، التي تجنبت محاولات جرها للحرب مع المغرب.

المغرب إسرائيل التطبيع
وزيرا خارجية المغرب وإسرائيل في الرباط/ رويترز

إذ تصاعد شراء المغرب للطائرات المسيرة من فرنسا والصين وتركيا وإسرائيل، التي اتفقت معها على نقل تكنولوجيا تصنيع الطائرات المسيرة، طبقاً للاتفاقية الموقعة في يوليو/تموز 2022، ما قد يمكّنها من التفوق في هذا المجال مغاربياً.

وسبق للجزائر تصنيع طائرات بدون طيار من نوع جزائر 54 وجزائر 55، المتخصصة في الاستطلاع الاستراتيجي، كما يمكنها حمل صواريخ جو أرض وتنفيذ مهام قتالية، وتوجد أجيال أخرى أقل حجماً تم تصنيعها منذ أعوام، بعد رفض الولايات المتحدة بيع الجزائر طائرات مسيرة لاستخدامها في مكافحة الإرهاب.

ولا توجد أرقام حول أعداد الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها سنوياً بالجزائر، إلا أنه من الواضح أن هناك رغبة في تطوير هذا التخصص.

ويسود الاعتقاد في الجزائر أن إسرائيل تسعى لدفع المغرب للدخول في حرب طويلة مع الجزائر، على غرار تلك التي خاضها العراق ضد إيران (1980-1988)، لإضعاف أكبر قوتين عسكريتين في المنطقة المغاربية، وبالأخص الجزائر التي تعتبرها تل أبيب أكبر تهديد لها في المنطقة العربية، خاصة بعد الوضع الذي آل إليه الجيشان العراقي والسوري، وتورط الجيش السعودي في حرب اليمن، وتطبيع جيوش عربية أخرى معها كمصر والإمارات والمغرب. 

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وجه تحذيراً مباشراً من مغبة الاعتداء على بلاده، في إشارة إلى المغرب، قائلاً: "لن نعتدي على أحد، ولكن من يتعدى علينا سوف يندم على اليوم الذي وُلد فيه، لأننا لن نتوقف".

الغرب يشكل الخطر الأكبر

على الرغم من العلاقات الدبلوماسية والتجارية الجيدة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي وأيضاً الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها تنظر بتوجس إلى هذا التحالف الغربي، ولا تستبعد إمكانية تحركه عسكرياً ضدها، على غرار ما حدث في العراق في 1991 و2003، أو في ليبيا في 2011، أو في سوريا تحت حجة حقوق الإنسان أو حماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية أو البحث عن أسلحة الدمار الشامل..

فأغلب المستعمرين الذي احتلوا الجزائر لقرون عبر التاريخ جاءوا من الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، سواء الرومان والبيزنطيون (إيطاليا) أو الوندال (ألمانيا ثم إسبانيا) أو الإسبان والفرنسيون.

 لذلك تستعد الجزائر لمواجهة أي تحالف عسكري غربي يهدد استقلالها، عبر توقيعها عقوداً لشراء أحدث الأسلحة الروسية الدفاعية على غرار منظومات الدفاع الجوي مثل "إس400" و"إس 300″، والطائرات الحديثة مثل سوخوي 57، وسوخوي 34 وسوخوي 30، والطائرات المسيرة الصينية من نوع "سي إتش5″ و"سي إتش 4″، و"سي إتش 3".

روسيا الجزائر
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ووزير خارجية روسيا سيرجي لافروف/Getty Images

كما تحدثت وسائل إعلام عن تقديم الجزائر طلبية لشراء 6 طائرات من دون طيار تركية الصنع، من نوع "آك صونغور"، ذات القدرات القتالية الفائقة.

لكن تبقى روسيا المزود الأول للسلاح بالنسبة للجزائر بمقدار الثلثين، إلا أنها ومع انشغالها بالحرب في أوكرانيا قد لا تكون قادرة على تلبية جميع طلبات الجزائر في الآجال القريبة.

وهو ما يدفع الجزائر لتنويع مصادر تسليحها، سواء من الصين أو حتى من ألمانيا وإيطاليا، بل البحث عن شراكات لتصنيع الأسلحة والذخائر داخل البلاد.

وشكلت مطالبة 27 عضواً من الكونغرس الأمريكي بفرض عقوبات على الجزائر لتوقيعها صفقة أسلحة مع روسيا بقيمة 7 مليارات دولار، إشارة إلى ما يمثله التهديد الأمريكي للجزائر.

ورغم أن الإدارة الأمريكية تجاهلت طلب نواب الكونغرس، بل وجهت رسائل ود للجزائر، إلا أن ذلك نبه مجدداً الحكومة الجزائرية إلى أن التهديدات الغربية ما زالت قائمة، بدليل موقفها من النزاع في الصحراء الغربية، الذي لم يتغير كثيراً مع رحيل الجمهوري دونالد ترامب، من البيت الأبيض وصعود الديمقراطي جو بايدن، إلى الرئاسة.

والجزائر اختارت معسكرها بعدما قدمت طلباً رسمياً للانضمام إلى منظمة البريكس، التي تقودها روسيا والصين إلى جانب الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، والتي ينظر إليها على أنها البديل لمجموعة السبع الأكثر غنى في العالم.

ورغم تمسك الجزائر بعدم الانحياز، إلا أن الحرب الأوكرانية قسمت العالم إلى معسكرين، الأول بقيادة الغرب، وآخر أقرب إلى روسيا أو على الأقل غير داعم للغرب في محاولته لعزل موسكو عن المجتمع الدولي ومؤسساته.

الجماعات المسلحة.. التهديد قائم

مساحة الجزائر الواسعة والتي تعد الأكبر في إفريقيا، وحدودها الطويلة الممتدة على طول أكثر من 6 آلاف كلم، تشكل تحدياً كبيراً في مراقبتها وحمايتها من الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وتنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، وأخطرها تنظيم داعش في الصحراء الكبرى.

وخلال السنوات العشر الأخيرة، تلقت الجزائر أعنف هجوم من تنظيم إرهابي صغير (الموقعون بالدماء) انطلاقاً من شمال مالي مروراً بالنيجر ثم دخل الجزائر عبر الحدود الليبية.

ولا يمكن التقليل من خطورة هذه التنظيمات، فحتى فرنسا وبدعم عسكري أوروبي وأمريكي إلا أنها لم تتمكن من القضاء على الجماعات الإرهابية لا في مالي ولا في منطقة الساحل.

يبدو أن داعش بالساحل الإفريقي وشمال إفريقيا لم يتفكك بعد "مقتل" زعمائه؟ (أرشيفية، وسائل التواصل)

ومع انسحاب القوات الفرنسية من مالي، سيزداد العبء العسكري على الجيش الجزائري، ما يتطلب تعزيز القدرات الدفاعية بالمناطق الحدودية المحاذية لمالي والنيجر، سواء من حيث عدد الجنود أو من العتاد العسكري وعمليات الاستطلاع الجوي.. وكل هذا يتطلب ضخ مزيد من الأموال.

ومع تقدم أشغال مشروع أنبوب الغاز النيجيري الجزائري مروراً بالنيجر، بالموازاة مع الطريق العابر للصحراء وخطوط الألياف البصرية، فإن هذه المشاريع تتطلب تأمينها وحمايتها من عمليات التخريب، ما قد يؤدي إلى عمل الجيش الجزائري خارج حدوده ولو عبر عمليات الاستطلاع الجوي بطائرات بدون طيار.

فالتحديات الأمنية والعسكرية على أكثر من صعيد إقليمي ودولي، يفرض على الجزائر تعزيز قدراتها الدولية، خاصة أن حدودها مع المغرب والصحراء الغربية وليبيا ومالي والنيجر بل حتى تونس ملتهبة، والوضع الدولي محتقن بالأزمات على أكثر من جبهة أسخنها في أوكرانيا، ما يتطلب من الجيش الجزائري الاستعداد للأسوأ خاصة أن إسرائيل أصبحت على أبوابها. 

تحميل المزيد