لم يسلم الفلسطينيون من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، أحياءً كانوا أم أمواتاً؛ فمنذ النكبة تتعرض المقابر الإسلامية لاعتداءات متواصلة طالت حرمة الشهداء، عبر الهدم والتجريف وإقامة مشاريع استيطانية فوق القبور لطمس معالمها.
وفي هذا السياق، تصاعدت الدعوات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، يتصدرها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لهدم ضريح الشيخ الشهيد عز الدين القسام في بلدة "الشيخ" المهجّرة بقضاء حيفا، بزعم أنه تحوّل إلى مزار لمؤيدي المقاومة الفلسطينية.
خطوة تُجسّد سياسة ممنهجة للاحتلال تهدف إلى فرض وقائع جديدة بالقوة والقوانين العنصرية، لا تقتصر على مصادرة الأراضي وتهويد المقدسات، بل تمتد إلى استهداف الرموز الوطنية التي تشكّل ركناً أساسياً في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.
القسام.. كابوس الاسرائيليين بعد مائة عام على استشهاده
في تطور جديد يعكس تصاعد الاستهداف الإسرائيلي للرموز الفلسطينية، كشف الصحفي ليئور إيل-حاي في يديعوت أحرونوت أن عضو الكنيست عن حزب "العصبة اليهودية" ورئيس اللجنة الداخلية، يتسحاق كروزر دعا إلى مناقشة إزالة ضريح الشيخ الشهيد عز الدين القسام من مقبرة بلدة "الشيخ" المهجّرة، بسبب أن الضريح "تحوّل إلى مزار لمؤيدي المقاومة الفلسطينية".
وبحسب ما أورده الموقع الرسمي للكنيست، فقد شملت المداولات التفصيلية مقبرة القسام التي يعود تاريخها إلى قرابة قرن من الزمن، إذ تتزامن هذه النقاشات مع مخططات حكومية سابقة رُوّج لها تحت شعار "تطوير المنطقة".
وتشمل هذه المخططات إقامة محطة للسكك الحديدية بمحاذاة المقبرة، بما يستدعي اقتطاع جزء من أرضها، فضلاً عن سلسلة محاولات متكررة للتعدي عليها، وقد تجسد ذلك في تحطيم قبور والاعتداء المباشر على ضريح الشيخ القسام أكثر من مرة، غالباً خلال ساعات الليل أو في أوقات الغفلة.
أما صحيفة معاريف فأكدت أن المساحة الأصلية لمقبرة القسام تبلغ نحو 42 دونماً، وفقاً لوثائق الطابو البريطاني والخرائط الانتدابية، غير أن هذه المساحة تقلّصت على مرّ السنين بفعل الاقتطاعات والمصادرات الإسرائيلية المتتالية.
وتكمن أهمية المقبرة في أنها تتجاوز كونها مجرد موقع ديني، إذ تمثل شاهداً حياً على النكبة وتجسّد الرواية الفلسطينية التاريخية للأجيال القادمة، ومن ثم فإن صونها لا يعني حماية القبور فحسب، بل الحفاظ على الذاكرة والهوية الوطنية.
مع العلم أنه منذ احتلال 1948، وُضعت المقبرة تحت السيطرة الإسرائيلية، ثم صودرت أراضيها، وبدأ التخطيط لتغيير معالمها، من خلال بيع أجزاء من أراضيها لشركة "كيرور أحزكوت" الإسرائيلية.
كما كُشفت صفقة مشبوهة لتبادل أراضٍ تضمنت أجزاء منها، وحاولت الجرافات إزالتها بالكامل، كما وُضع خنزير على أحد القبور في اعتداء استفزازي صارخ، وجرى الشروع في شق شارع 752 عبرها، مما هدد القبور والمقدسات فيها.
في وقت لاحق تعرض شاهد قبر القسام نفسه للتخريب عبر رسم الصليب المعقوف (النازي) عليه، ثم هُدِم، وكُتبت شعارات عنصرية على جدران المقبرة مثل "الموت للعرب"، وهُدم شاهد قبر القسّام نفسه.
كما أشعل المستوطنون النيران في جزء من المقبرة، وتم تمديد خطوط صرف صحي عبر أرض المقبرة، في خطوة مهينة لحرمتها، كما خطط الاحتلال لإقامة مركز تجاري على جزء منها، وجُرفت أجزاء من داخلها ضمن مشروع حكومي لخط المواصلات السريع "المترونيت" في شارع 752.
ومنذ سنوات، يخوض فلسطينيو الداخل (48) معركة قانونية وشعبية ضد ما تُسمى بـ"دائرة أراضي إسرائيل"، التي استولت بعد النكبة وإقامة دولة الاحتلال على أجزاء واسعة من مقبرة القسام.
كما يواجهون محاولات شركات إسرائيلية تدّعي امتلاك أجزاء من أرضها بزعم شرائها، في مسعى لانتزاع ما تبقى من المقبرة. ويواصل الأهالي جهودهم لاستعادة الملكية الأصلية للأرض وحمايتها من المصادرة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة والهوية الفلسطينية.
المقبرة المصرية.. يوم حرق عشرات الجنود المصريين
في سياق آخر من الانتهاكات التي طالت المقابر ورفات الجنود، كشف تقرير مشترك لكل من محلل الشؤون الأمنية والاستخبارية الإسرائيلي رونين بيرغمان، والمراسل إيتاي إيليناي، عن جريمة صامتة ارتُكبت خلال حرب يونيو/حزيران 1967، والتي قُتل خلالها عشرات الجنود المصريين حرقاً في منطقة اللطرون غرب القدس المحتلة، ثم دُفنوا في مقبرة جماعية بلا شواهد أو علامات.
وبحسب الرواية التي ظلّت مطموسة خمسةً وخمسين عاماً، فقد أخفى جنود الاحتلال جثث نحو ثمانين جندياً مصرياً في حفرة واحدة، قبل أن يكشف عنها لاحقاً القائد العسكري الإسرائيلي زين بلوخ، قائد فرقة "نحشون".
ونشرت صحيفتا يديعوت أحرونوت وهآرتس روايات شهود تشير لوجود مقبرة غير مميزة قرب اللطرون، حيث دارت معارك بين الجيشين الإسرائيلي والمصري قبل عقود، وحيث وجد الجنود المصريون أنفسهم محاصرين في "المنطقة الحرام" في "وادي أيالون".
وحسب ذات التقرير قتل العشرات من المصريين ولم يكن لديهم فرصة للهروب، وفي اليوم التالي جاء جنود إسرائيليون مُجهّزين بجرافة لمكان الحادث، وحفروا حفرة، ودفعوا الجثث المصرية، وغطّوها بالتربة، بعد أن نهبوا ممتلكاتهم الشخصية، وتركوا المقبرة الجماعية دون علامات.
وبحسب الشهادات الإسرائيلية، فقد جرى دفن الجنود المصريين بطريقة عشوائية داخل مقبرة جماعية، ثم جرى إخفاء الموقع بزرع كروم من أشجار اللوز فوقه، حتى أصبح يُعرف لاحقاً باسم "إسرائيل المصغّرة".
وتحولت المنطقة إلى فضاء يضم أشجاراً وموقفاً للسيارات، في محاولة لطمس معالم الجريمة. وتشير التقديرات إلى أن الجنود المصريين قضوا حرقاً في المكان نفسه الذي تنبت فيه اليوم الأشواك والأعشاب والشجيرات، وذلك نتيجة استخدام قوات الاحتلال لمدافع تسببت بحرائق هائلة.
وليس الكشف عن مقبرة اللطرون الأولى من نوعه، إذ سبق أن أعلنت مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية عام 2008 عن العثور على مقبرة جماعية لجنود مصريين قُتلوا خلال حرب 1948 في مدينة إيلات على خليج العقبة جنوب فلسطين.
وقد قُتل الجنود، وعددهم نحو 350 بين ضابط وجندي، شنقاً أو رمياً بالرصاص على يد قوات إسرائيلية قادها الجنرال إسحاق رابين آنذاك، واحتوت المقبرة إلى جانب رفاتهم على بقايا مصاحف وأسلحة بيضاء، لتبقى شاهداً دامغاً على مجزرة جماعية طُمست معالمها لعقود.
تحويل المقابر الإسلامية إلى حدائق توراتية تلموديّة
اليات هاليفي الكاتبة في موقع القناة السابعة، "تباهت" في الاعتراف بأن الاحتلال، ومن خلال سلطة الطبيعة، دأب على نبش المقابر الفلسطينية التي يوجد بداخلها أموات وشهداء، وطمسها بالكامل، وبشكل نهائي، تمهيدا لتحويلها إلى "حديقة توراتية"، مما يعني انتهاك حرمة قبور الموتى التي يعود تاريخها إلى مئات السنين.
كما ظهرت أجزاء من رفاتهم وعظامهم، ومنهم عشرات القبور التي تضم رفات جنود أردنيين استشهدوا عام 1967 فيما يعرف بمقبرة الشهداء ونصب الجندي المجهول.
ويسعى الاحتلال لتحويل هذه القطعة إلى حديقة توراتية كجزء من مشروع للمستوطنين حول أسوار البلدة القديمة في القدس المحتلة، وتنظيم مسار للمستوطنين والسياح على رفات المسلمين الموجودين فيها.
وجاء في موقع ويللا الإخباري، أن سلطات الاحتلال سعت لتجريف المقابر الفلسطينية والعربية، وتغيير معالمها، وإقامة البنايات فوق جثامين الفلسطينيين والمسلمين فيها، خاصة في مدينتي يافا والقدس المحتلتين.
ويهدف الاحتلال حسب المصدر نفسه إلى الاستيلاء على مزيد من أراضي الفلسطينيين، والتضييق على من بقي منهم في أرضه، ولو من خلال السعي لنبش القبور فيها تارة، ومصادرتها لأغراض الاستيطان تارة أخرى.
آخر الاعتداءات الاسرائيلية استهدفت مقبرة "الإسعاف" الإسلامية في يافا التي جرّفت إسرائيل كثيراً من مساحتها حتى خرجت إلى العيان هياكل عظمية لفلسطينيين ومسلمين من عهود سابقة، وأقامت متحفاً وحديقة على أنقاض مقبرة "مأمن الله" التي تضم رفات شهداء وأعلام وعدد من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ونشرت عيناف حلبي، مراسلة الشئون الفلسطينية بصحيفة يديعوت أحرونوت صوراً من مقبرة "اليوسفية" الملاصقة للمسجد الأقصى، تضم هياكل عظمية وأجزاء من هياكل إنسانية أخرِجت من القبور بفعل حفريات إسرائيلية هناك.
كما جرفت سلطات الاحتلال قبوراً في مقبرة الشهداء داخل مقبرة اليوسفية، حتى ظهرت عظام الشهداء، التي تُعدّ أحد أهم وأبرز المقابر الإسلامية في القدس المحتلة، وتعجّ برفات عموم أهل المدينة المقدسة وكبار العلماء، بجانب مئات الشهداء الذين استشهدوا منذ بداية الفتح العمري.
تعمل بلدية الاحتلال منذ فترة طويلة على محاصرة هذه المقبرة، وإحاطتها بالمشاريع التهويدية والمسارات والحدائق التلمودية على امتداد السور الشرقي، وبمحاذاتها، لإخفاء معالم الممرات والمواقع التاريخية الأصيلة المحيطة بها، حيث تبلغ مساحتها نحو 25 دونماً، تعرضت للعديد من انتهاكات أذرع الاحتلال في السنوات الأخيرة.
وتعد الطريق الملاصقة لسور القدس الشرقي من أملاك المقبرة الممتدة من منطقة برج اللقلق شمالاً حتى باب الأسباط جنوباً، كما منعت سلطات الاحتلال الدفن في جزئها الشمالي، وأزالت عشرين قبراً تعود لجنود أردنيين شهداء.
مساحات المقابر لمشاريع استيطانية
عومر شارفيت المحرر في موقع زمان إسرائيل، أكد أن المعطيات الميدانية تتحدث عن وجود 600 مقبرة اليوم في حيّز سيطرة الاحتلال، ويكاد لا يوجد مدينة في إسرائيل إلا أقيمت فوق جزء من مقبرة أو أثر عربي، ومنها مثلا مقبرة "عبد النبي" في يافا التي أقيمت فوق أجزاء منها منطقة الفنادق.
بالإضافة إلى مقبرة "سلمة" التي أقيمت فوقها قرية كفار شاليم، ومقبرة "وادي حنين" التي أٌقيمت فوقها مستوطنة نتسيونا ومقبرة "المجدل" الكبيرة التي هدم مؤخراً جدارها، وجرّفت مساحات منها، حيث تتواطأ هيئة الآثار الإسرائيلية مع الجهات الاستيطانية التي تخطط وتهدم وتبني فوق المقابر بزعم أنها الجهة المخولة في منح تصاريح لذلك.
أما موقع زمان إسرائيل، فقد أشار إلى وجود ما يزيد على 600 مقبرة داخل نطاق سيطرة الاحتلال، بحيث لا تكاد تخلو مدينة إسرائيلية من أن تكون مقامة فوق جزء من مقبرة أو أثر عربي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مقبرة "عبد النبي" في يافا التي أقيمت فوق أجزاء منها منطقة الفنادق، ومقبرة "سلمة" التي شُيّدت فوقها قرية كفار شاليم، ومقبرة "وادي حنين" التي أُقيمت على أنقاضها مستوطنة نتسيونا، إضافة إلى مقبرة "المجدل" الكبيرة التي هُدم جدارها مؤخراً وجُرّفت مساحات منها.
وأشار المصدر نفسه إلى أن هيئة الآثار الإسرائيلية تتواطأ مع الجهات الاستيطانية عبر منح تصاريح تمكّنها من التخطيط والهدم والبناء فوق المقابر، بذريعة أنها الجهة المخولة قانونياً بذلك.
من جهته كشف أولي نيفي مراسل موقع محادثة محلية، أن الاحتلال قضم 160 من 200 دونم من مساحة مقبرة مأمن الله غرب بلدة القدس القديمة مقابل باب الخليل، واستهدف مقبرة باب الرحمة الملاصقة لسور المسجد الأقصى من جهة الشرق ومنع الدفن فيها.
كما حاول الاحتلال تقسيم المقبرة بحواجز معدنية للتقليل من وجود أهل المدينة فيها، وحاول قضم أطرافها باعتبارها حديقة طبيعية، ويتطلع لإزالتها من الوجود لأن اليمين الصهيوني المتطرف يراها "عائقاً أمام عودة المسيح المخلص، لأنه سيدخل المدينة وفق تصوراتهم من هذا الباب، ولا يستطيع المرور فوق القبور حتى يبقى طاهراً، وبالتالي فإن وجود المقبرة عقبة أمام مجيئه".
وبالإضافة إلى مستوطنة "غديروت عسيرت"، المقامة على أراضي قرية "بشّيت" الفلسطينية المُهجّرة، قرب مدينة الرملة المحتلة، يسعى الاحتلال لإقامة مشروع تطويري على أرض المقبرة الإسلامية في المنطقة.
ويُعتبر الاستمرار في المشروع انتهاكًا صارخًا لقدسية المقبرة، ويَمسّ بحرمة الموتى ومشاعر المسلمين، ويخالف أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الأساسي في المؤسسة الإسرائيلية، والقوانين الدولية.
وأكدت حركة السلام أن سلطات الاحتلال تواصل أعمال التخريب والطمس والتزوير للمقدسات الإسلامية في مدينة صفد، وبناء قبر ومزار يهودي عند الحائط الشرقي لمسجد قرية عين الزيتون.
كما أنها تسعى لتحطيم بقايا الأضرحة الحجرية في المقبرة الجديدة فيها التي تتعرض لانتهاكات وتدنيس وتحطيم شواهدها من خلال مواصلة إدخال قطعان الأبقار التابعة لمستوطنات مجاورة إليها.
ويوجد في مدينة صفد أربع مقابر إسلامية تاريخية أخرى هي: السرايا، الكتف، أبو قميص، والمقبرة الجديدة، وجميعها تتعرض للتخريب، وباتت في حالة يرثى لها، وتمّ تحطيم معظم شواهدها، بعد أن بنت سلطات الاحتلال "متنزّه عين الزرقاء" بدعم من يهود كندا، وأكثرت من النقوش العبرية فيها، بعد أن كانت بعضها مقرا لإقامة الحاكم العثماني.
ومن المعالم التاريخية المملوكية التي تعرضت للسرقة والنهب، فيما أقام الاحتلال على أنقاضها مركزاً ثقافياً على اسم الجنرال يغئال ألون في انتهاك صارخ لقدسية المقابر وحرمتها.
مخطط تزوير التاريخ
نوريت مالخين الصحفية الاستقصائية في موقع زمان إسرائيل، أكدت أن الاحتلال يسعى منذ سنوات طويلة للاستيلاء على عشرات مقابر اسلامية قديمة في فلسطين من بين 600 مقبرة يحاول تجريفها، وهدمها لبناء مستوطنات وخمّارات فوقها، ومنها إقامة "مركز فريدمان للسلام من خلال القوة"، على أرض مقبرة "مأمن الله" بالقدس، ويهدف لتوسيع نطاق اتفاقيات التطبيع، استكمالا لمحاصرتها، وإحاطتها بالمشاريع التهويدية والمسارات والحدائق التلمودية على امتداد السور الشرقي، لإخفاء معالم الممرات والمواقع التاريخية الأصيلة المحيطة بها.
من ذات السياق، كشف تحقيق استقصائي في موقع زمان إسرائيل، أن مشروع الاستيلاء على المقابر الإسلامية القديمة ليس جديداً، بل هو نهج متواصل ينفذه الاحتلال منذ عقود، يستهدف عشرات المقابر ضمن أكثر من 600 مقبرة يسعى لتجريفها أو محوها.
ولا يقتصر الأمر على بناء مستوطنات فوقها، بل يمتد لإقامة مشاريع سياحية وتجارية مثل الخمّارات والمراكز الثقافية، في مسعى لطمس هوية المكان، ومن أبرز الأمثلة على ذلك إقامة "مركز فريدمان للسلام من خلال القوة" على أرض مقبرة "مأمن الله" التاريخية في القدس.
هذا المشروع يندرج ضمن استراتيجية تهويدية أوسع تهدف لتوسيع نطاق اتفاقيات التطبيع، ومحاصرة المقبرة بالمشاريع التلمودية والمسارات والحدائق المصطنعة، لإخفاء معالم الممرات والمواقع التاريخية الأصيلة المحيطة بها.
كما أقام الاحتلال مشاريع ومدناً وحدائق فوق مقابر الفلسطينيين، فيما جرّفت مقابر عدة ضمن مساعي تزوير التاريخ وطمس معالم فلسطين، ولا تزال تسعى لتجريف مقابر إضافية في مدن مختلفة، أهمها القدس المحتلة.
وتم إدخال مقبرة "مأمن الله " ضمن أملاك حارس أملاك الغائبين لدى "دائرة أراضي "إسرائيل"، وبدأ بتغيير معالمها، وطمس كل أثر فيها، ولم يتبقَ فيها أقل من خمسة بالمئة من القبور الموجودة فيها، وقدرت المساحة المتبقية منها بحوالي ثمن مساحتها الأصلية 19 دونما.
من جهتها أشارت ميرون رابابورت، محررة الشئون الحقوقية في موقع محادثة محلية إلى أن الاحتلال حوّل جزءاً كبيراً من مقبرة "مأمن الله" إلى حديقة عامة، أسماها "حديقة الاستقلال"، بعد أن جرّف القبور، ونبش العظام البشرية، وزرع الأشجار والحشائش فيها، وشقّ الطرقات في بعض أقسامها، واشتهرت الحديقة باستعمالها وكرا لممارسة أعمال الرذيلة من الشاذين اليهود.
ومارس الاحتلال ومؤسساته المختلفة ومستوطنوه جرائم الهدم والتدنيس والانتهاك ضدّ المقابر الفلسطينية في البلدات المهجّرة بأشكال متعددة، فقد مُنحت مقبرة كفر سبت في الجليل شمالا، ومقبرة يالو في الوسط، ومقبرة سمسم جنوباً، اسطبلات لأبقار المستوطنين.
كما باتت المقابر في بئر السبع والبصّة وقالونيا وطبريا مهشّمة، فيما أصبحت مقبرة جمزو مسرحًا مرتجلًا للدراجات الناريّة والمركبات الجبليّة، بينما يمرّ مسار للدراجات الهوائية بشكل رسميّ على أطراف مقبرة أم برج.
وشقّت سلطات الاحتلال شوارع على أجزاء من المقابر في دير ياسين وطيرة حيفا والشيخ مراد في يافا، مما يعني أنّ الأسوار التي بنيت حولها تحيط عمليًّا بجزء من مساحتها الأصليّة.
المقابر تحول إلى "خمّارات" واسطبلات الحيوانات
ودُفنت إحدى مقابر البصّة تحت أحد المباني في مستوطنة شلومي، والمقبرة المسيحيّة في البروة تحت إسطبلات الخيل، ومقبرة صُمّيل في تل أبيب تحت موقف للسيارات.
أما في معلول الجليلية فقد احتلّ معسكر للجيش مقبرتها المسيحيّة، وبات لا يمكن الوصول إليها، فيما يقوم المستوطنون في عين كارم بإلقاء النفايات داخل مقابرها، رغم أنها محاطة بسور وبوابة، وهو ما يفعله أيضاً سكان مستوطنة "نيشر" في مقبرة بلد الشيخ ومقبرة عاقر.
كما أقامت سلطات الاحتلال ساحة ألعاب للأولاد اليهود في "كفار شاليم" في تل أبيب فوق عظام الموتى الفلسطينيين المدفونين في مقبرة قرية سلمة المهجّرة.
وفي الكثير من القرى المهجّرة اختفت معالم المقابر، ولن ينتبه الزوّار أنهم يدوسون على مقابر فلسطينية كما هو الحال في قرى "لفتا وبيت سوسين وخربة العمور والقبو" وغيرها.
تقول منظمة "زوخروت" المتخصصة في توثيق جرائم الاحتلال، إن بلدية عسقلان شمال قطاع غزة أقدمت على تجريف المقبرة الإسلامية التاريخية تمهيدا لبناء مواقف سيارات، بعد تحويل مسجد الحسين الكبير إلى مطعم.
كما تم نبش المقام التاريخي للصحابي الجليل عبد الله بن أبي السرح بين عسقلان وأسدود، وبعثرت حجارته من قبل مستوطنين متطرفين، فيما تعرضت "المقبرة الباشية" في بلدة طيرة الكرمل، وهي من أبرز المعالم التاريخية الفلسطينية، لعمليات تجريف وطمس؛ بحجة التطوير وبناء شارع لحي جديد للمهاجرين الروس تبنيه شركة خاصة فازت بعرض بناء من وزارة المواصلات، كما تم تقليص مساحة المقبرة باستمرار؛ نتيجة قضمها تدريجيا بسبب بناء العمارات السكنية.