لماذا أصبحت حرب إيران قضية حاسمة في انتخابات الكونغرس؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/21 الساعة 04:46 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/21 الساعة 04:52 بتوقيت غرينتش
لماذا أصبحت حرب إيران قضية حاسمة في انتخابات الكونغرس؟عربي بوست

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، لم تعد حرب إيران قضية خارجية بعيدة عن اهتمامات الناخب الأمريكي، بعدما امتدت تداعياتها إلى أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وأصبحت عاملاً حاضراً في حساباته الانتخابية.

فالحرب التي بدأت مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط، تحولت إلى قضية تتردد في حملات المرشحين واستطلاعات الرأي، وأثارت خلافات داخل الحزب الجمهوري، فيما يسعى الديمقراطيون إلى توظيف أعبائها الاقتصادية في مواجهة الرئيس دونالد ترامب وحلفائه، وسط تساؤلات بشأن مدى تأثيرها في نتائج الانتخابات وموازين القوى داخل الكونغرس.

وتكشف بيانات الإعلانات الانتخابية حجم هذا التحول. فمنذ مطلع سبتمبر/ أيلول وحتى 14 أكتوبر/ تشرين الأول، بُثت إعلانات تتناول الحرب أكثر من 43 ألف مرة في سباقات تنافسية لمجلسَي النواب والشيوخ، بتكلفة تقديرية بلغت 42 مليون دولار، وفق تحليل أجرته أسوشيتد برس لبيانات شركة "آد إمباكت".

وجاءت هذه الأرقام بالتزامن مع استطلاع جديد أجرته إيه بي سي نيوز وواشنطن بوست، أظهر أن 65% من الأمريكيين يرون أن قرار استخدام القوة العسكرية ضد إيران كان خطأً، بينما تقدم المرشحون الديمقراطيون على الجمهوريين بـ8 نقاط مئوية في سؤال التصويت لمجلس النواب بين الناخبين المرجح مشاركتهم.

فإلى أي مدى تؤثر الحرب في خيارات الناخبين؟ وكيف يوظفها الحزبان في السباقات المتقاربة؟ وما الذي قد يتغير في سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط إذا تبدلت الأغلبية في الكونغرس؟

لماذا أصبحت حرب إيران قضية انتخابية؟

تكتسب الحرب وزنها الانتخابي من تقاطعها مع القلق الاقتصادي، وإن ظلت قضايا المعيشة أكثر أهمية لدى الناخبين.

ففي استطلاع أجراه مركز أسوشيتد برس ونورك في أكتوبر/ تشرين الأول، اعتبر 64% من الناخبين المسجلين الحرب مع إيران قضية مهمة عند تحديد خياراتهم الانتخابية، مقابل 85% للاقتصاد و84% لتكاليف المعيشة.

وتعزز نتائج مركز بيو للأبحاث هذا الاستنتاج. ففي استطلاع أُجري بين 28 سبتمبر/ أيلول و4 أكتوبر/ تشرين الأول، قال 73% من الأمريكيين إنهم يشعرون بقلق بالغ أو شديد من ارتفاع أسعار البنزين والوقود بسبب الحرب، بينما أعرب 71% عن قلق مماثل بشأن مقتل جنود أمريكيين أو إصابتهم، و58% بشأن احتمال إرسال قوات برية إلى إيران.

ويبرز ارتفاع أسعار الوقود بوصفه الحلقة الأوضح بين الحرب والانتخابات. ووفق استطلاع إيه بي سي نيوز وواشنطن بوست، ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يرون أن أسعار البنزين تفوق قدرتهم على تحمل تكلفتها من 28% في فبراير/شباط إلى 71% في أكتوبر/تشرين الأول. وشملت الضغوط أيضاً فواتير الطاقة والرعاية الصحية والسكن.

ولا يمكن إرجاع الضغوط الاقتصادية كلها إلى الحرب؛ فأسعار الطاقة تتأثر بعوامل متعددة، وإن كان اضطراب إمدادات النفط والملاحة في الخليج أحد مصادر الضغط.

العراق وأمريكا دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أرشيفية – رويترز

كيف يستخدم الديمقراطيون الحرب في حملاتهم؟

تقدم الإعلانات الانتخابية أوضح دليل على تحول الحرب إلى أداة في المنافسة على الكونغرس.

وأظهر تحليل أسوشيتد برس لبيانات شركة "آد إمباكت" أن 61 إعلاناً من أصل 65 إعلاناً تلفزيونياً تناولت حرب إيران ركزت على تداعياتها الاقتصادية، ولا سيما ارتفاع أسعار الوقود والسلع. ومثّلت الإعلانات المرتبطة بالحرب نحو 5% من إجمالي الإعلانات التلفزيونية التي شملها التحليل في السباقات الانتخابية التنافسية.

وفي ولاية ويسكونسن، استهدف إعلان ديمقراطي النائب الجمهوري ديريك فان أوردن، متهماً إياه بتأييد الحرب التي ساهمت في ارتفاع أسعار البنزين. وفي نبراسكا، ربط المرشح الديمقراطي كريس باكماير بين تصويتات منافسه الجمهوري مايك فلود بشأن الحرب والسياسات التجارية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وهذه الاتهامات جزء من خطاب الحملات الانتخابية، ولا تعني أن جميع التصويتات المشار إليها كانت تفويضات مباشرة لبدء الحرب؛ فبعضها يتعلق بقرارات تسعى إلى تقييد صلاحيات الرئيس أو إنهاء العمليات العسكرية.

هل بدأ الجمهوريون الابتعاد عن ترامب؟

لم تقتصر تداعيات الحرب الانتخابية على المواجهة بين الحزبين؛ إذ حاول بعض الجمهوريين في السباقات المتقاربة التمايز عن موقف ترامب بشأن استمرار العمليات.

ففي سبتمبر/ أيلول، دعا المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز، والمرشحة الجمهورية عن أيوا آشلي هينسون، إلى إنهاء الحرب سريعاً، رغم تأييدهما السابق لسياسات ترامب تجاه إيران.

وظهر التباين بصورة أوضح في تصويتات الكونغرس. فقد أظهر تحليل أسوشيتد برس أن مجلس الشيوخ أجرى 14 تصويتاً على قرارات تستهدف وقف العمليات ضد إيران أو تقييدها، مقابل 6 تصويتات في مجلس النواب منذ اندلاع الحرب.

وفي أحدث تصويت بمجلس النواب تناولته الوكالة، انضم 7 جمهوريين إلى الديمقراطيين المؤيدين لإنهاء الحرب، بينهم 4 يخوضون سباقات تنافسية لإعادة انتخابهم: توم باريت في ميشيغان، وبرايان فيتزباتريك في بنسلفانيا، وماريانيت ميلر-ميكس وزاك نان في أيوا.

كما برزت الحرب في المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية مين. فقد أكدت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز خلال مناظرة انتخابية أنها صوتت 9 مرات لإنهاء الصراع، بينما اتهمها منافسها الديمقراطي تروي جاكسون بأنها صوتت في مناسبات أخرى لصالح قرارات ساعدت على استمراره.

كم كلفت الحرب الولايات المتحدة؟

لا تتوقف الأعباء عند أسعار الوقود؛ فقد أصبحت كلفة العمليات العسكرية وتعويض الذخائر والمعدات المستهلكة جزءاً من الجدل بشأن تمويل الحرب.

ففي تقرير أصدره مكتب الموازنة في الكونغرس في 15 سبتمبر/ أيلول، قدّر المكتب تكلفة العمليات العسكرية ضد إيران بنحو 38 مليار دولار حتى 1 أغسطس/ آب 2026. وشمل الرقم تعويض الذخائر المستهلكة والمعدات المفقودة، وساعات الطيران الإضافية، والعمليات العسكرية، وزيادة استهلاك الوقود.

ولم يتضمن هذا التقدير جميع الأعباء التي تحملتها المؤسسات الحكومية الأخرى، أو التكلفة الاقتصادية طويلة الأجل. كما أوضح المكتب أن تقديراته المختلفة للآثار العسكرية والاقتصادية تستند إلى منهجيات وفترات زمنية متباينة، ولا يجوز جمعها باعتبارها تكلفة واحدة.

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني يدرس سيناريوهات الرد ويحدد الخطوط الحمراء الإيرانية/ رويترز

ووفقاً لمجلة رول كول المتخصصة في شؤون الكونغرس، أشار تقرير المكتب إلى أن استمرار العمليات بمستوياتها الأخيرة قد يضيف ما بين مليارين و3 مليارات دولار شهرياً إلى التكلفة العسكرية. وهو تقدير مشروط باستمرار وتيرة العمليات، وليس إنفاقاً تحقق بالفعل.

وكان البيت الأبيض قد طلب في يونيو/ حزيران اعتمادات إضافية بقيمة 87.6 مليار دولار، شملت احتياجات عسكرية وبرامج أخرى. ويجب التمييز بين هذا الطلب، الذي لا يمثل إنفاقاً فعلياً بالكامل على الحرب، وبين تقدير مكتب الموازنة للتكاليف المتحققة حتى أغسطس/ آب.

هل يستطيع الكونغرس الجديد وقف الحرب؟

يملك الكونغرس، بموجب الدستور الأمريكي، سلطة إعلان الحرب وإقرار الاعتمادات، بينما يقود الرئيس القوات المسلحة. وينظم قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 جانباً من العلاقة بين السلطتين عند استخدام القوة دون إعلان حرب رسمي.

ووفقاً لدائرة أبحاث الكونغرس، يستطيع المشرعون إصدار تشريعات تقيد استخدام الأموال في عمليات عسكرية محددة، أو تطالب بتفويض لاستمرارها. كما يمكن للجان المختصة إجراء تحقيقات وعقد جلسات استماع واستدعاء المسؤولين للحصول على معلومات بشأن القرارات العسكرية وتكاليفها.

لكن تغيير الأغلبية لا يعني تلقائياً وقف العمليات. فإقرار القوانين الملزمة يتطلب موافقة مجلسَي النواب والشيوخ، ويستطيع الرئيس الاعتراض عليها، ما لم تتوافر أغلبية الثلثين في كل مجلس لتجاوز اعتراضه.

ماذا تعني نتائج الانتخابات لإيران وإسرائيل ودول الخليج؟

تتجاوز أهمية نتائج انتخابات الكونغرس الأمريكي حدود المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، إذ قد تنعكس على مسار الحرب والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

فبالنسبة لإيران، ستكون صلاحيات الحرب وتمويلها في مقدمة الملفات التي يمكن أن يتناولها الكونغرس الجديد. وفي دراسة نشرها موقع جاست سيكيوريتي في يوليو/ تموز، أوضح الخبيران القانونيان برايان فينوكين وتيس بريدجمان أن الكونغرس يستطيع استخدام سلطة إقرار الاعتمادات لتقييد تمويل العمليات العسكرية غير المصرح بها، لكن فعالية هذه الخطوة تتوقف على صياغة التشريعات وقدرتها على تجاوز اعتراض الرئيس.

ويأتي ذلك بينما حدد مجلس المؤتمر الأمريكي، في تقرير نشره يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول، الملفات العالقة بين واشنطن وطهران في السيطرة على مضيق هرمز، والحصار البحري الأمريكي، والأصول الإيرانية المجمدة، والبرنامج النووي. وهي ملفات سيظل التعامل معها مرتبطاً بقرارات الإدارة الأمريكية، مع إمكانية تأثير الكونغرس في التمويل والعقوبات والرقابة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فتتعلق أهمية الانتخابات بالمساعدات العسكرية وصفقات السلاح. فوفق دائرة أبحاث الكونغرس، تستند المساعدات الأمريكية إلى مذكرة تفاهم تغطي الفترة من 2019 إلى 2028 بقيمة إجمالية تبلغ 38 مليار دولار، رهناً بإقرار الاعتمادات السنوية من الكونغرس.

ويمكن أن يؤدي تغير الأغلبية إلى تعديل أولويات الرقابة ومناقشة المساعدات وصفقات السلاح، دون أن يعني ذلك تلقائياً تغيير الالتزامات الدفاعية القائمة بين البلدين.

وبالنسبة لدول الخليج، تبرز أهمية الانتخابات في وقت تواجه فيه المنطقة تداعيات مباشرة للحرب. فقد ذكرت واشنطن بوست في 13 أكتوبر/ تشرين الأول أن الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية أثارت تساؤلات بشأن حدود الدعم العسكري الأمريكي، ونقلت عن محللين ومسؤولين سابقين أن الرياض تواجه موازنة صعبة بين احتياجاتها الأمنية وأهدافها الاقتصادية.

الكونغرس / رويترز

ماذا يحدث إذا تغيرت الأغلبية في نوفمبر؟

إذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، فستبقى رئاسة اللجان التشريعية والرقابية في أيديهم، وإن ظل الاعتراض على الحرب ممكناً من داخل الحزب.

أما سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب وحده فستتيح لهم قيادة لجانه والتحقيق في قرارات الحرب وتكاليفها، من دون أن تمنحهم وحدها القدرة على سن قوانين ملزمة.

وإذا سيطروا على المجلسين، فستتسع قدرتهم على طرح تشريعات تقيد التمويل وتكثيف الرقابة، لكن أي قانون سيظل معرضاً لاعتراض الرئيس، ما لم تتوافر أغلبية الثلثين في كل مجلس لتجاوزه.

وتستند هذه السيناريوهات إلى القواعد الدستورية والإجرائية المنظمة لعمل الكونغرس، ولا تمثل توقعاً مؤكداً لما سيفعله أي حزب بعد الانتخابات.

وتظهر أحدث استطلاعات الرأي حجم المنافسة على الأغلبية. ففي استطلاع مركز أسوشيتد برس ونورك المنشور في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، فضّل 47% من الناخبين المسجلين سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، مقابل 38% للجمهوريين، فيما لم يحسم 15% موقفهم.

أما استطلاع إيه بي سي نيوز وواشنطن بوست، المنشور في 18 أكتوبر/ تشرين الأول، فأظهر تأييد 52% من الناخبين المرجح مشاركتهم للمرشح الديمقراطي في انتخابات مجلس النواب، مقابل 44% للجمهوري. ولا تعني هذه النتائج أن توزيع المقاعد سيطابق النسب الوطنية، لأن الفوز يُحسم في كل دائرة على حدة.

تحميل المزيد