لم يتوقف التقدم الذي حققه الحوثيون على الساحل الغربي لليمن في سبتمبر/ أيلول عند السيطرة على مدن ومواقع برية جديدة، بل امتد إلى جزر تمتد على ساحل البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فبعد السيطرة على المخا، وصل الحوثيون إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، الواقعة داخل مضيق باب المندب، فيما انتقلت إليهم جزر أخرى في جنوب البحر الأحمر، بينها حنيش وزقر.
وأكدت تقارير أممية جانباً من هذا التحول، وقالت الأمم المتحدة إن الحوثيين واصلوا تقدمهم نحو باب المندب وسط تقارير عن استيلائهم على "عدة جزر" في جنوب البحر الأحمر، بينما بدت حركة السفن التجارية عبر البحر الأحمر غير متأثرة حتى ذلك الوقت.
⭕️ أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي تنفيذ 756 عملية ضد مواقع وقدرات عسكرية للحوثيين خلال 72 ساعة على جبهات عدة، باستخدام الطيران والمسيرات والمدفعية والقناصة.
— عربي بوست (@arabic_post) September 27, 2026
⭕️ وقال إن العمليات أسفرت عن تدمير آليات ومنصات صواريخ ومخازن أسلحة، ومقتل وإصابة 2316 عنصراً،… pic.twitter.com/xznDSeDlEN
ويأتي تغير خريطة السيطرة حول المضيق في وقت يمتلك فيه الحوثيون بالفعل صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيرة وزوارق، واستخدموا جانباً من هذه القدرات خلال حملتهم ضد السفن في البحر الأحمر وخليج عدن. وفي المقابل، كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الجماعة تعهدت في رسالة إلى الاتحاد الأوروبي في 10 سبتمبر/ أيلول بعدم استهداف السفن الأوروبية أو المساس بحرية الملاحة في باب المندب.
فما أهم الجزر اليمنية المرتبطة بالصراع في البحر الأحمر؟ ولماذا تتكرر المعارك عليها؟ وماذا يمكن أن تمنح عسكرياً للطرف الذي يسيطر عليها؟ وما الفارق بين السيطرة على الجزر والقدرة على التحكم في باب المندب؟
ما أهم الجزر اليمنية في البحر الأحمر؟
تنتشر أمام الساحل الغربي لليمن مجموعات من الجزر، من بينها ميون وحنيش الكبرى والصغرى وزقر وكمران ومجموعة جزر الزبير. لكن التطورات العسكرية الأخيرة تركزت بصورة خاصة على الجزر الواقعة في جنوب البحر الأحمر وحول باب المندب.
وتعد ميون الحالة الأوضح. فالجزيرة تقع داخل باب المندب وتقسم المضيق إلى قناتين، وكانت قبل الهجوم الأخير تحت سيطرة قوات مناهضة للحوثيين، قبل أن تنتقل إلى الجماعة خلال تقدمها على الساحل الغربي في سبتمبر/ أيلول.
أما حنيش وزقر فتقعان إلى الشمال من باب المندب. وأفادت تقارير بأن الحوثيين سيطروا على ميون وزقر وحنيش بعد هجومهم السريع على الساحل والاستيلاء على المخا.
لماذا تمثل جزر حنيش أهمية عسكرية؟
تقع مجموعة حنيش في جنوب البحر الأحمر بين الساحلين اليمني والإريتري، إلى الشمال من باب المندب. ولم تبدأ أهميتها مع الحرب الحالية؛ فقد كانت الجزر محور نزاع سيادي بين اليمن وإريتريا وصل إلى مواجهة عسكرية في تسعينيات القرن الماضي، قبل إحالة القضية إلى التحكيم الدولي.
وفي 1998، قضت هيئة التحكيم في النزاع بين اليمن وإريتريا بسيادة اليمن على مجموعة زقر-حنيش، بينما منحت إريتريا السيادة على جزر أخرى. واستند قرار التحكيم، ضمن عوامل أخرى، إلى الأدلة المتعلقة بممارسة وظائف سلطة الدولة على الجزر.
وعادت حنيش إلى قلب الصراع في سبتمبر/ أيلول 2026، عندما انتقلت السيطرة عليها إلى الحوثيين ضمن الهجوم الذي نقل قوات الجماعة جنوباً على امتداد الساحل الغربي باتجاه باب المندب.
لكن أهمية حنيش ترتبط بموقعها في جنوب البحر الأحمر أكثر من كون السيطرة عليها تعني التحكم في المضيق نفسه. فالجزر تقع شمال باب المندب، بينما توجد ميون داخل المضيق مباشرة. ولهذا تختلف القيمة الجغرافية لكل مجموعة من الجزر بحسب موقعها بالنسبة إلى الممر البحري.
ما أهمية جزيرة ميون؟
تختلف ميون عن حنيش وبقية الجزر بسبب موقعها داخل باب المندب نفسه، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل البوابة الجنوبية للطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.
وظلت الجزيرة خارج سيطرة الحوثيين قبل أن يسيطروا عليها خلال هجوم سبتمبر/ أيلول، بعد تقدمهم السريع على الساحل الغربي.
لكن وجود ميون داخل المضيق لا يعني أن انتقال السيطرة عليها أدى إلى توقف حركة السفن. ففي 23 سبتمبر/ أيلول، أظهرت بيانات شركة كبلر التي نقلتها رويترز عبور 22 سفينة لنقل السلع باب المندب خلال يوم واحد، مقابل متوسط بلغ نحو 26 سفينة يومياً خلال الأيام الـ10 السابقة.
كما ذكرت فايننشال تايمز أن حركة سفن الحاويات عبر باب المندب ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 3 أعوام، بالتزامن مع رسالة الحوثيين إلى الاتحاد الأوروبي التي أكدوا فيها أن هجومهم لن يؤثر في حرية الملاحة عبر المضيق.
ولم تقتصر التعهدات بعدم مهاجمة السفن الغربية على الاتحاد الأوروبي، حيث كشفت تقارير صحفية عدة أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأمريكية في مسقط، بعد أيام من التقدم الكبير للجماعة على ساحل البحر الأحمر.
وخلال الاجتماع، أبلغ الحوثيون المسؤولين الأمريكيين بأنهم لا يعتزمون مهاجمة السفن الأمريكية، بحسب مصادر نقلت عنها رويترز.

ماذا تمنح جزر البحر الأحمر عسكرياً لمن يسيطر عليها؟
لفهم الأهمية العسكرية للجزر، يجب الفصل بين الموقع الجغرافي وبين القدرات اللازمة لمراقبة السفن واستهدافها. فوجود جزيرة قرب طريق ملاحي لا يكفي وحده لضرب هدف بحري متحرك.
ويوضح المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن الحوثيين يمتلكون صواريخ كروز وصواريخ باليستية مضادة للسفن، إلى جانب الطائرات المسيرة والزوارق. لكن استهداف سفينة متحركة على مسافات بعيدة يحتاج إلى معلومات حديثة عن موقعها ومسارها.
وأشار المعهد إلى افتقار الحوثيين إلى بعض وسائل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المتقدمة التي تستخدمها القوات التقليدية، مثل طائرات الدورية البحرية والأقمار الصناعية، مع اعتمادهم على وسائل أخرى تشمل الطائرات المسيرة والسفن المستخدمة في الاستطلاع والمعلومات المفتوحة عن حركة السفن.
وتعني هذه المعطيات أن الحوثيين كانوا يمتلكون القدرة على مهاجمة السفن قبل سيطرتهم الأخيرة على الجزر؛ إذ وثق المعهد استخدامهم الصواريخ المضادة للسفن والمسيرات والزوارق في البحر الأحمر وخليج عدن خلال السنوات السابقة.
وحتى 29 سبتمبر/ أيلول، لم ترد أي تقارير تتحدث عن نشر الحوثيين منظومات صاروخية محددة على ميون أو حنيش أو زقر بعد السيطرة عليها. ولذلك لا تسمح المعلومات المنشورة حتى الآن بوصف هذه الجزر بأنها تحولت إلى قواعد صاروخية حوثية.
كيف تغيرت خريطة السيطرة على الجزر؟
كانت جزر البحر الأحمر جزءاً من الصراع منذ السنوات الأولى للحرب اليمنية، لكن خطوط المواجهة استقرت نسبياً بعد هدنة 2022، قبل أن تتغير الخريطة سريعاً في سبتمبر/ أيلول 2026.
فقد تقدم الحوثيون جنوباً على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على المخا، ثم امتد تقدمهم إلى الجزر المحيطة بباب المندب.
واستمر التقدم البري بالتوازي مع القتال على محاور داخلية. وقالت رويترز إن الحوثيين وسعوا خلال الجولة الأخيرة من القتال سيطرتهم من مناطق شمال اليمن إلى مدن وبلدات وجزر في الغرب.
وبذلك، جاء انتقال الجزر ضمن التغير الأوسع الذي شهدته خريطة السيطرة على الساحل الغربي، وليس كجبهة منفصلة عن القتال على البر.
ماذا يعني تغير السيطرة على الجزر بالنسبة إلى باب المندب والملاحة؟
لفهم أثر التطورات الأخيرة، يجب التمييز بين السيطرة على الجزر، والقدرة على تهديد السفن، والقدرة على وقف الملاحة عبر المضيق.
فالتقارير المنشورة تؤكد انتقال ميون وزقر وحنيش إلى الحوثيين، بينما كانت الجماعة تمتلك بالفعل قبل ذلك صواريخ ومسيرات ووسائل أخرى استخدمتها ضد السفن في البحر الأحمر.
لكن البيانات المتاحة لا تظهر توقف الملاحة بعد انتقال الجزر. ففي 15 سبتمبر/ أيلول، قالت الأمم المتحدة إن حركة السفن التجارية بدت غير متأثرة، وبعد 8 أيام أظهرت بيانات كبلر استمرار عبور السفن باب المندب، وإن كان العدد في ذلك اليوم أقل قليلاً من متوسط الأيام الـ10 السابقة.
كما جاءت التطورات في وقت حاول فيه الحوثيون الفصل علناً بين حربهم مع السعودية والملاحة الدولية.
ولا ينفي استمرار حركة السفن المخاطر المرتبطة بالتصعيد. ففي 24 سبتمبر/ أيلول، أصدرت نحو 80 دولة بياناً في الأمم المتحدة قالت فيه إن تقدم الحوثيين نحو باب المندب يزيد المخاطر على الملاحة والأمن البحري والتجارة العالمية؛ وهو تقييم للدول الموقعة على البيان.
ومع اضطراب الملاحة عبر هرمز، بات أي تهديد جديد في باب المندب يضيف ضغوطاً اقتصادية وأمنية على الخليج، ويمتد أثره شمالاً إلى مصر وحركة التجارة عبر القناة على النحو التالي:
دول الخليج بين هرمز وباب المندب
يضع التقدم الحوثي حول باب المندب دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، أمام ضغوط متزامنة على اثنين من أهم منافذ تصدير الطاقة في المنطقة. فبعد اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حولت الرياض جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية غرباً عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى موانئ البحر الأحمر، قبل أن يتعرض الخط نفسه لهجوم أدى إلى إغلاقه.
وبذلك، أصبح المسار الذي وفر للسعودية بديلاً عن هرمز أكثر عرضة للمخاطر مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني والجزر المحيطة بباب المندب. وقال فواز جرجس، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، لوكالة رويترز إن السيطرة على مواقع استراتيجية قرب المضيق تمنح الحوثيين نفوذاً جيوسياسياً واقتصادياً أكبر في مواجهة السعودية ودول الخليج.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على صادرات النفط، إذ يمكن لاستمرار المخاطر في هرمز وباب المندب أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على حركة التجارة الخليجية، سواء لصادرات الطاقة أو واردات السلع.
ضغوط تدفع الخليج نحو طهران
تتزامن الضغوط على الممرات البحرية مع تحركات خليجية للبحث عن مسارات دبلوماسية لخفض التصعيد. وكان من المقرر أن تستضيف سلطنة عُمان اجتماعاً بين وزراء خارجية خليجيين ونظيرهم الإيراني عباس عراقجي، الإثنين 14 سبتمبر/ أيلول، لبحث ترتيبات محتملة للملاحة عبر هرمز، قبل تأجيله.
وبحسب محللين تحدثوا إلى رويترز، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية قد يدفع دول الخليج إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع طهران لحماية مصالحها، بالتوازي مع علاقاتها الأمنية مع واشنطن، خصوصاً إذا تعذر التوصل سريعاً إلى حل يضمن استقرار طرق تصدير الطاقة.
قناة السويس.. الخطر في الطرف الجنوبي
يمثل باب المندب البوابة الجنوبية لطريق البحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس، ولذلك فإن تعطيل الملاحة فيه لا يحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق حتى تظهر آثاره على القناة.
وسبق أن اختبرت مصر ذلك منذ أواخر 2023، عندما دفعت هجمات الحوثيين شركات شحن ونفط كبرى، بينها ميرسك وإم إس سي وهاباغ-لويد وبي بي، إلى تحويل سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، ما أطال زمن الرحلات ورفع تكاليف الشحن.
وتشير رويترز إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن التعطيل الجزئي للملاحة يمكن أن تكون له تداعيات واسعة. ومع زيادة قدرة الحوثيين على تهديد السفن العابرة، قد تجد شركات الملاحة نفسها مجدداً أمام المفاضلة بين تحمل مخاطر وتكاليف أعلى للعبور أو اتخاذ الطريق الأطول حول أفريقيا، ما يعني تراجع عدد السفن المارة بقناة السويس والضغط على إيراداتها.